نُحاول على نحو منهجيّ عدم الاعتماد على التحليلات التي ينشرها المستشرقون والمستعربون الإسرائيليون في وسائل الإعلام العبريّة، لعلمنا ويقيننا بأنّ وراء الأكمة ما وراءها، وبأنّ مقالاتهم تهدف في بداية ونهاية المطاف إلى ترويج الرواية الصهيونيّة، أو تجميلها، وتحميل المسؤولية للطرف العربي أو الفلسطيني، أوْ الاثنين معاً، كما أنّ الإعلام الإسرائيلي يؤدي دوراً قذراً في إطار الحرب النفسيّة التي يُمارسها ببراعة الكيان اليهودي الأشكينازي ضدّ الناطقين بالضاد، الذي يُجيّر أيضاً سمومه النفاثّة من أجل تحقيق مآربه. ومع ذلك، أو على الرغم من ذلك، نجد أنفسنا لماماً في حالة هبوط اضطراري بهدف الاستعانة بتحليلاتهم ودراساتهم ومراكز أبحاثهم للتأكيد على أنّ هناك مَنْ يخرج عن السياق، أو بالأحرى يقوم بالتغريد خارج السرب، مع التشديد على أنّه جب ألا ترافق الاعتذار أيّة أعذار تبرر الخطأ الذي اقترفت، لأنّ هذا من شأنه أنْ يُفسد معنى الاعتذار ويباعد بينك وبين من أخطأت في حقه.


■ ■ ■


سُقنا هذه المقدّمة لكي لا تتهّمنا عصابات «الشوشرة» المنظّمة، والمدمنين على الترهات والمزايدات، بأننّا نلجأ إلى الإسرائيليين لتدعيم مواقفنا. محلل شؤون الشرق الأوسط في إذاعة جيش الاحتلال، جاكي حوغي، قال يوم الثلاثاء (19/02/13) إنّ الرئيس المصريّ المخلوع، حسني مبارك استغل الفلسطينيين بفظاظة كوسيلة لمنع التطبيع مع إسرائيل، لكنّه في المقابل قدّم إليها المساعدات الكبيرة أمنياً واقتصادياً، وساعدها كثيراً لإحكام الحصار على قطاع غزة. وأردف: أنّ الأمر الأكثر حزناً يتمثل في أنّ مبارك لم يُقدّم أيّ شيء إلى الفلسطينيين، الذين استعملهم وسيلة لانتهاجه سياسة السلام البارد مع الدولة العبرية. وفي بعض الأحيان، قام نظام مبارك، بحسب حوغي، بالتنكيل بالفلسطينيين، حتى بدا الأمر غريباً جداً، وأبعد الاعتقاد لدى الكثيرين بأنّ الرئيس المصريّ يُريد بحق وحقيقة أنْ يُساعد الشعب الفلسطيني، وأنّه انتهج سياسة عدم التطبيع مع إسرائيل من أجله، على حد تعبيره. أمّا الرئيس، الجديد، محمد مرسي، من حركة (الإخوان المسلمين) فقد أعلن مراراً وتكراراً، منذ انتخابه لرئاسة مصر، أنّ بلاده ستحترم جميع الاتفاقيات الدولية والمواثيق التي وقّعها النظام البائد، بما في ذلك اتفاق الخزي والعار (كامب ديفيد)، الذي وقّعه الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات.

■ ■ ■


لا نُريد في هذه العجالة التطرّق إلى هذا الاتفاق الذي أخرج أكبر دولة عربية من محور الممانعة أو المقاومة، لكن علينا التأكيد أنّ مبارك، الذي حافظ عليه ثلاثة عقود، ورأى فيه اتفاقاً اقتصادياً وعسكرياً، نقل هذا الموروث غير الطبيعي إلى الرئيس المصري الجديد، الذي كان وجماعته قبل وصولهم إلى الحكم يزعمون زوراً وبُهتاناً أنّهم سيقومون بإلغاء هذا الاتفاق. لكنّ الأمر الذي يُثير الكثير من علامات الاستفهام يكمن في أنّ النظام الجديد يسير على خطى النظام البائد، لا بَلْ أكثر من ذلك. نعم، مبارك ساعد كيان الاحتلال على تحويل قطاع غزّة إلى أكبر سجن في العالم، لكنّه في المقابل، لم يجرؤ على إغلاق الأنفاق. هذا إذا أخذنا بالحسبان أنّ المعابر الحدودية مع مصر، وتحديداً معبر رفح، بقي مغلقاً من قبل السلطات المصرية، التي نفّذت بالحرف الواحد الأوامر الصادرة من واشنطن وتل أبيب. وبذلك تساوقت سياسة صنّاع القرار في القاهرة مع الإمبريالية والصهيونية لإضعاف الطرف الفلسطينيّ. لا بل إنّ نظام الإخوان أشد خطورة، فهو النظام الذي ملأ الأنفاق بمياه المجاري، في سلوك عنصري من جهة، وخطير صحياً من جهة ثانية. ولو أردنا الصراحة، فإنّ هذا السلوك أقرب إلى الفاشية، بينما رئيس مصر نفسها يكتب لرئيس الدولة العبريّة بيريز: صديقي الوفي؟ نتمنى من قوى الدين السياسي أنْ تُقدّم إلينا تفسيراً سياسياً لهذا أو فتوى. تصوّروا لو أنّ سوريا فعلت شيئاً مشابهاً، ماذا كان خالد مشعل سيفعل!

■ ■ ■


اليوم بعد مرور سنتين ونيف على ثورة الـ25 من يناير، يبدو أنّ ما كان في عهد مبارك، ما زال ساري المفعول في حقبة الرئيس الجديد، الذي عوّلنا عليه في بداية الأمر، وبنينا الأحلام الورديّة بأنّه سيغيّر قواعد اللعبة مع العدو الإسرائيلي! كم كنّا سذّجاً عندما طالبنا النظام الجديد بإلغاء اتفاق السلام مع إسرائيل! كم كنا بسطاء عندما اعتقدنا أنّ النظام الإخواني لن يألو جهداً من أجل فكّ الحصار عن قطاع غزّة! كم كنا نُعاني قصر النظر السياسيّ عندما آمنّا بأنّ التقارب بين حركة حماس ونظام مرسي الإسلامي سيفتح المعابر على مصراعيها أمام أبناء شعبنا المسجونين في القطاع. فعلاً، السياسة هي فنّ الممكن، وعوضاً عن تقديم المساعدة إلى الشعب المحاصر في غزة، باشر النظام الإسلاميّ المتشدد، كما يصفه الإسرائيليون والأميركيون، عملية منهجيّة لإغلاق الأنفاق زاعماً أنّها تؤثر سلباً في الأمن القوميّ المصريّ، وبات الشغل الشاغل للنظام الجديد هو في كيفية الإجهاز على الأنفاق، المتنفس الوحيد للفلسطينيين في غزّة. هذه العملية التي حتى حسني مبارك، لم يجرؤ على الإقدام عليها، على الرغم من الضغوط الغربية. نسأل: ما هو التفسير السياسيّ لكون الأنفاق خطراً على الأمن المصريّ؟ وهل أمن مصر وغزة على طرفي نقيض؟ وإذا كان هذا هو الحال، فإن أحد الأمنيين على انسجام مع أمن إسرائيل، فأيهما المنسجم إذن؟

■ ■ ■


نميل إلى الترجيح بأنّ اتفاق الهدنة الذي جرى التوصل إليه بين حماس ودولة الاحتلال بعد العدوان البربريّ الأخير على قطاع غزة بوساطة مصريّة وتعهدات أميركيّة، شمل أيضاً العديد من البنود التي لم تُنشَر للجمهور العريض. ومنها إغراق الأنفاق وإغلاقها، على الرغم من أنّ المصريين لم يثبتوا أنّ عملية قتل الجنود السنة الماضية في سيناء كانت من إنتاج وإخراج الفلسطينيين في القطاع، وبالتالي فإنّ هذه الخطوة المصرية البربرية، نعم البربرية، هي بمثابة تقديم النظام في القاهرة أوراق اعتماده إلى تل أبيب وواشنطن للحصول على صكّ البراءة وشهادة التقدير. لا يُعقل أن تُطالب الدول الأوروبية المنافقة، قولاً وفعلاً، بفكّ الحصار عن القطاع، وفي نفس الوقت تقوم أكبر دولة عربية بإحكامه كلياً. لا يُعقل أن تُوافق دولة عربية على هذا العقاب الجماعيّ لأبناء جلدتها من أجل توثيق العلاقة الاستراتيجيّة مع كل من أميركا ودولة الاحتلال. كما أنّه لا يُمكن لكائن مَنْ كان الزعم بأنّ مصر تقوم بهذا العمل الوحشيّ من أجل الحصول على المعونات الأميركية السنويّة، التي حوّلتها إدارة الرئيس باراك أوباما إلى سوط تُلوّح فيه كلّما أرادت من مصر تنفيذ الإملاء الدوريّ الصادر من عاصمة الأشرار، واشنطن، وربيتها تل أبيب. إنّ وراء الأكمة ما وراءها، فإغلاق الأنفاق مقصود به أساساً منع دخول أيّة طلقة إلى غزة. المطلوب استخدام المعابر الرسمية الصهيونية والمصرية.

■ ■ ■


الغريب، لا بل الغريب جداً، أنّه على الرغم من المشاكل الداخليّة التي تُعانيها مصر، والتوتر الذي يتأجج في بلاد النيل بين الموالاة والمعارضة، يترك النظام هذه المشاكل المستعصية للانتقام من الفلسطينيين في غزة. والأمر الأكثر غرابة، هو ردّ الفعل الخجول لحركة حماس على هذا الإجراء المصريّ. كنّا نتوقع من الحركة أن تُقيم الدنيا ولا تُقعدها حيال هذا التصرف المصريّ، لكن قادة حماس، وفي مقدّمتهم خالد مشعل، آثروا الصمت، صمت أهل الكهف. وهل هذا السكوت المطبق، نابعٌ في ما هو نابعٌ، من أنّ قادة حماس يوافقون ضمناً على إغلاق الأنفاق، لأنّهم اتخذوا من الدوحة مقراً لهم؟ وهل هذا هو الثمن الذي وافقت على دفعه حركة حماس من أجل استضافتها في الدوحة والقاهرة، علماً بأنّ الاستخبارات المصرية أوصت المستوى السياسي في القاهرة بعدم السماح لحماس بافتتاح مكتب لها في العاصمة المصرية. هل هذا هو التطبيق «الفعليّ» لتعهد مشعل في غزّة أنّه سيُحرر فلسطين من النهر إلى البحر؟

■ ■ ■


ليس لدينا أدنى شك في أنّ المصريين على علم بأنّ إغلاق الأنفاق سيمنع إدخال الأسلحة إلى قطاع غزّة، المهدد دائماً من أكثر دولة عدوانيّة في العالم. وبالتالي يحق لنا أن نسأل: هل النظام المصري الجديد يهدف إضافة إلى تجويع أهلنا في القطاع، إضعاف المقاومة، على مختلف مشاربها؟ وبالمناسبة، أين اختفت تركيا وسلطانها، رجب طيّب أردوغان؟ الذي تسلّمت بلاده منذ فترة العتاد الالكتروني لطائرات التجسس من طراز (أواكس) من الدولة العبرية، وهي أوّل صفقة بين الدولتين منذ «تردي» العلاقات بينهما بعد أحداث سفينة الحريّة (مافي مرمرة) في أيار (مايو) من عام 2010.

■ ■ ■


خلاصة القول، إنّ إغلاق الأنفاق لا يمكن أن يكون بدون رضى الرأسماليّة الغزيّة، أصحاب الملايين الذين جنوا الثروات، وهم من حماس وحلفائها، وصلوا إلى ثرائهم الفاحش من تجارة الأنفاق، وطالما المطلوب وقف المقاومة فسوف يمارس هؤلاء التجارة من فوق سطح الأرض.
* كاتب من فلسطينيي 48