القصور الاستراتيجي للمشروع الصهيوني

لقد كان المشروع الصهيوني لليهودية السياسية القائمة على تأسيس دولة عنصرية في قلب المنطقة العربية جزءاً محورياً من المشروع الاستعماري العام.
ولذا حق القول إن الكيان الصهيوني يمثل «الإمبريالية الصغرى» إلى جوار «الإمبريالية الكبرى» التي تتحول عبر الزمن في تمثلاتها الكيانية، وإنْ بقيت في جوهرها كما هي. كانت "إسرائيل" هي هذا المشروع، وقد تجسد في شكل ما يعتبر في عرف القانون الدولي العام والتنظيم الدولي الجماعي «دولة»، وبالأحرى دولة رهن التأسيس. ولقد كان ملف عضويتها في الأمم المتحدة مرتبطاً بتنفيذ حل الدولتين (دولة عربية وأخرى يهودية) وفق قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947. ولم يكن إعلان قيام دولة "اسرائيل" في 15 مايو/ أيار 1948 ليستمد أي لون من ألوان الشرعية الدولية ويكون محلاً للاعتراف الفردي أو الجماعي بين أعضاء المنتظم الدولي، إلا في ضوء القرارات السابقة للأمم المتحدة في المقام الأول.

حاولت إسرائيل التغلب
على معضلة «حدود الدور الاستراتيجي»

ولكن دول العالم التي اعترفت بإسرائيل دولة ثم صوتتّ على قبول عضويتها في المنظمة الدولية، قد تخلت عن الالتزام المبرم بقرارات هذه المنظمة، حتى ليمكن اعتبار "اسرائيل" مجرد «دولة بحكم الأمر الواقع» De Facto أكثر منها «دولة بحكم القانون» De Jure.
ولم تكن الإمبريالية الجديدة عقب الحرب العالمية الثانية – الإمبريالية الأميركية – إلا لتغتنم الفرصة السانحة، وتقابل «اللوبي الصهيوني» لديها في منتصف الطريق لتحوّل "إسرائيل" إلى ما يشبه «غنيمة حرب» عن طريق الاستفادة من وجودها في قلب «المنطقة العربية – الإسلامية المركزية" كنقطة ارتكاز للمشروع الإمبريالي العام الذي باتت تتولى أميركا قيادته بالأصالة عن نفسها، وبالنيابة عن المعسكر الغربي كله.

من الكفاية الاستراتيجية إلى العجز الاستراتيجي

أخذ الكيان الصهيوني يتحول رويداً رويداً من كيان "لقيط" وملحق بالغرب التقليدي - بالقيادة البريطانية والفرنسية حتى "حرب بورسعيد" عام 1956 المعروفة دولياً بحرب السويس، أو الحرب التالية لقرار عبد الناصر (تأميم قناة السويس) إلى أن أخذت إسرائيل موقعها في أحضان «الإمبريالي الوريث» بمقتضى «مبدأ أيزنهاور» لعام 1957، ملحقة به، بل وملحقة أيضاً باللوبي اليهودي في الولايات المتحدة وجمهور "الدياسبورا". وفي الحالتين، كان الكيان الصهيوني يعتبر قائماً بواجب «حد الكفاية» الاستراتيجية من وجهة النظر الغربية. وتأكيداً لذلك، شنّت إسرائيل عدوان الخامس من يونيو/ حزيران 1967، وما أن ألحقت الهزيمة العسكرية بالنظم العربية، وخاصة في مصر الناصرية، حتى أخذت لنفسها موقعاً جديداً له ملامح "شبه استقلالية" بها شبهة التعامل المتكافئ نسبياً من نقطة القوة، إزاء الولايات المتحدة الأميركية بالذات.
وبالتوازي مع خلق هذه الظاهرة تدريجياً عقب عام 1967، أخذ الكيان الاسرائيلي يستقوي إزاء "الدياسبورا" وخاصة اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة ، كما أخذت تتشكل عملية أسماها البعض "الأسرلة" من خلال السعي إلى إدماج واستيعاب "الأقلية" العربية الفلسطينية، بدلاً من تهميشها بالكامل.
بعد حرب أكتوبر 1973، والانتصار العربي – الجزئي – فيها، أخذت تبيّن ملامح «الحدود» الاستراتيجية للدور الإسرائيلي إزاء الامبريالية الكبرى، فلم تعد ذلك الكيان الذي لا يقهر إزاء الطرف العربي، وإنما لدورها حدود، من وجهة نظر الغرب وأميركا.
ولكن إسرائيل برغم ذلك، لم تفقد دورها الاستراتيجي باعتبارها «نقطة ارتكاز».
تبينت حدود «العجز الإسرائيلي» في مواجهة التطورات المتلاحقة في الجوار العربي، وحاولت إسرائيل ما وسعها الجهد تقليص الخسائر الاستراتيجية المحتملة، فعقدت اتفاقيتي كامب ديفيد مع السادات، وانخرطت في «الحرب الأهلية اللبنانية» إلى حد «مجزرة صبرا وشاتيلا». ولما أعيتها الحيل إزاء المقاومة الفلسطينية، سواء في أثناء مقامها بالأردن حتى مذبحة أيلول الأسود سبتمبر 1970، أو أثناء انتقالها إلى الجنوب اللبناني بعد ذلك وتأسيس "فتح لاند"، لم يكن أمامها من سبيل إلا معاودة التوسع الاحتلالي والتهويد. وكان ما كان من احتلال جنوب لبنان عام 1978، بعد سلسلة من أعمال التوغل والاستعراض العسكري المحسوبة.
كان نشوء المقاومة الفلسطينية – اللبنانية واستمرارها المتوهج، برهاناً قاطعاً على محدودية القوة الاستراتيجية الإسرائيلية، وبالتالي محدودية فاعليتها كمحور ارتكاز للإمبريالية الكبرى في المنطقة. وتبينت المحدودية بحالتيْها من قصور دورها أمام مشاهد حروب الخليج الثلاث المتتابعة: الحرب العراقية الإيرانية لنحو ثماني سنوات (1980-88)، ثم حرب «الدخول» و«الخروج» العراقي من الكويت (1990-91) ثم حرب الغزو الأميركي المجنون للعراق 2003.
في حروب الخليج الثلاث كان هناك «ضوء أحمر» – إذا صح التعبير – من قبل الإمبريالية الكبرى في شكل «توجيه استراتيجي» للإمبريالية الصغرى بـ«عدم التدخل المباشر»!
رغم كل ذلك لم تفقد اسرائيل دورها كنقطة ارتكاز ضمن المشروع الاستراتيجي الأكبر للولايات المتحدة، وخاصة بعد صيرورتها «القوة العظمى الوحيدة» إثر انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومته الاشتراكية الأوروبية عام 1991.

كامب ديفيد ومحاولة تجاوز "الحدود"

حاولت إسرائيل التغلب على معضلة «حدود الدور الاستراتيجي» وجوانب العجز والقصور، عبر الإخلال الفادح بقواعد التوازن الاستراتيجي والتسليحي في منطقة "الطوق" بعد كامب ديفيد 1978، ثم بعد عقد "معاهدة السلام" بين مصر وإسرائيل عام 1979.
برغم انسحاب اسرائيل بقواتها العسكرية من شبه جزيرة سيناء – مما يمثل نتاجاً جزئياً لوقائع حرب 1973 - إلا أن سوء الإدارة السياسية الساداتية لمرحلة ما بعد الحرب انطلاقاً من مقولتيْ "حرب أكتوبر آخر الحروب مع إسرائيل"، و"99% من أوراق اللعبة في يد أميركا"، مقابل تفوق الإدارة الاستراتيجية الإسرائيلية، قد خلق واقعاً جديداً. لا يتمثل الواقع الجديد فقط من خلال التفوق التسليحي التكنولوجي للكيان الصهيوني إزاء مصر وسائر المنطقة العربية، وإنما من خلال ثلاثة أمور مترابطة تمثل النتاج المتكامل لمعقبات كامب ديفيد ليس باعتبارها اتفاقاً تعاقدياً ثنائياً (مصرياً/ اسرائيليا) فحسب، ولكن باعتبارها "نهجاً" أو "طريقاً" إذا صح هذا التعبير: الأمر الأول "نزع سلاح سيناء" بصفة فعلية من خلال ما نصت عليه "معاهدة السلام" وخاصة الملحق الأمني بما قنّنه من أماكن لتمركز القوات المصرية في شبه الجزيرة، وأنواعها، وأعدادها، وحركتها الاستراتيجية والتكتيكية.
الأمر الثاني: إطلاق يد إسرائيل ومشروعها الاحتلالي للضفة الغربية بالذات، وخاصة بعد سقوط اتفاقية كامب ديفيد الثانية والخاصة "بالحكم الذاتي الإداري للسكان" بفعل الاعتراض الشعبي الفلسطيني في المقام الأول، ما أتاح المجال أمام "التوسع الاستيطاني" من دون قيود.
الأمر الثالث: يتعلق بـ "الطلاق البائن" بين عملية السلام الرسمي (المصري/ الاسرائيلي) أساساً و"الواقع الفلسطيني" إيذاناً بحال جديد للطلاق البائن بين النظام الحاكم في مصر (نظام مبارك) والواقع العربي ككل.
وكان الأداء العربي الرسمي في غمار "حروب الخليج الثلاثة" إيذاناً آخر بأن الوطن العربي غير قادر على إفراز بديل من الدور المصري، فحدث "الفراغ الاستراتيجي" الأكبر، الذي نفذت منه (الإمبريالية الكبرى) إلى حد تنفيذ الغزو الأميركي للعراق بعد ذلك عام 2003.