ثمّة أنساق من العنف لا يمكن افتراض استمرارها لأمد طويل. ولو استمرّت فستكون مؤشّرا إلى أنّ «التغيير» عبر صندوق الانتخاب قد «بات من الماضي». عادة ما يستعان بتعاويذ نيوليبرالية عن الحرب الباردة لذمّ فاشيّات مماثلة. عند هؤلاء أنّ الفاشية (غالباً ما يساوون بينها وبين الستالينية!) هي نقيض الصندوق، وأنّ هذا الأخير كفيل بتنظيم كلّ ما يخرج من أحشاء المجتمع بعد... الثورة. الأرجح أنّهم ــ في اليمين واليمين الجديد ــ لا يتعاملون مع الأمر كما نتعامل معه نحن في اليسار الراديكالي. في ظنّهم أن «الثورات» قد انتهت، وما بقي منها فقط هو الحالة السورية.


لا يبدو أنّ أخبار الحراك القاعدي الذي يعصف اليوم بمنجزات الثورة الملونة قد وصل إلى هؤلاء أو أنّ وصوله كان معقّماً وخالياً من الدسم كالعادة. هنالك في تونس ومصر من يفعل ذلك بدوام مضاعف. تخالهم أحياناً متفرّغين لتقنين أخبار محاصرة مراكز الشرطة والأمن (وكذا حصار الشركات التي تمتنع عن تنفيذ مطالب العمال) ومعالجتها لاحقاً على نحو يناول ما يحدث في سوريا لأنّ النظام الذي يمارس التدمير المنهجي هناك ينتمي عمليا إلى نسق لا يخفي مزاولته للعنف. بالكاد وجدت مثلاً في صحيفة نيوليبرالية كالشروق المصرية خبراً يتحدث بإسهاب عن أحداث بورسعيد الدامية. وإذا كان هنالك خبر عن ذلك فلن تتعدّى وظيفته احتواء المشهد، أو وضعه في سياق يجعل من الانتفاضة هناك أمراً هامشياً وغير فاعل بما يكفي. لا يشبه التناول هنا ما يحظى به موضوع الانتخابات المقبلة من تغطية تفصيلية. هؤلاء مثلهم مثل باقي النيوليبراليين معنيّون بالدرجة الأولى بتسيير العجلة وتحييد كلّ ما من شأنه أن يحدّ من تنظيم عملية النهب. والانتخابات التي يقدّسها الخطاب الليبرالي معنية بالتنظيم ذاك من باب خدمتها لمصالح من يملك أكث، ومن يتعامل مع الصندوق كوسيلة لتأبيد الاحتكارات ليس إلّا. والحال أنّ ما يحدث اليوم من انتفاض في بورسعيد والمحلّة والمنصورة يعطّل التأبيد ذاك، مع أنّ الشعب الذي يثور هناك لا يفعل ما يفعله بناء على معطيات جاهزة تتعلّق بالاقتصاد أو بالمياومة السياسية. ما يحرّك الناس هناك هو القمع الوحشي الذي يواجهون به من جانب قوّات الأمن، وهو أمر لا يقع في صلب النقاش حول الانحيازات الاجتماعية. ليس ضرورياً أصلاً أن يكون وعي الشعب في هذه المرحلة متطابقاً مع ما نزعم نحن أنّه القطيعة مع الانحيازات الطبقية للنظام. الثورة بحاجة ماسّة إلى القطيعة تلك، ولكنها بحاجة أيضاً إلى وقت كي تربط بين الانتفاض الجاري ضدّ الأمن وذاك المؤجل ضدّ الاحتكارات والرأسماليين الكبار (الكومبرادور). حتى الإضرابات العمّالية التي تعمّ مصر اليوم لا يمكنها أن تفعل ذلك وحدها. بإمكانها فقط أن تفتح الطريق لوعي طبقي يماهي بين أصحاب الامتيازات ومن يحميهم من أجهزة أمنية. يفضّل أيضا لتجذير الوعي ذاك أن يحيّد الفقراء الذين يستخدمهم الجهاز كأداة للبطش بنظرائهم في المدن المنتفضة عن مرمى التصويب الشعبي. سيسهّل ذلك لو حصل مهمّة تحويل الانتفاض الجاري ضدّ أجهزة الأمن إلى «ثورة» كاملة. فالثورة عندما تقوم لا تستثني أحداً، لأنّ الفوضى التي تحدثها داخل المجتمع هي جزء من تكوينها وبنيتها الأساسية، إلا أن استهدافها للفقراء ولو عن غير قصد غالباً ما يعوّق عملها، ويحدّ من امتداداها أفقياً داخل المجتمع. سيكون علينا الانتظار قليلاً حتى تبرهن أحداث بورسعيد والمحلّة والمنصورة عن صحة هذا القول من عدمه. في الحالتين نحن إزاء حراك يناقض كلّ ما نعرفه عن «الثورة» حتى الآن. الانتفاض الذي يتفاعل يومياً ويصعد من تحت إلى فوق يؤكّد ذلك، وكذا موقف النيوليبراليين المهيمنين على صناعة خطاب المرحلة منه. هؤلاء باتوا اليوم في مأزق حقيقي. فمن جهة هم متوافقون مع خطاب آل سعود المعني بالاشتباك جزئياً مع النظم الاخوانية المشمولة بالرعاية القطرية ــ التركية. ومن جهة أخرى يجدون صعوبة بالغة في تبرير انزياحهم عن فكرة الشرعية الانتخابية المعبّرة عن مصالح القلّة المحتكرة للثروة والامتيازات الطبقية. بالأساس لم يكن «تماهيهم» مع الحراك القائم في المنطقة مبنيّاً على أسس فعلية تماماً كما لم يكن تماهيهم مع النظم التي أسقطها الحراك كذلك. جلّ ما تفعله النيوليبرالية في نسختها العربية هو التكيّف مع ما يطرأ على الواقع من تحوّلات. فإذا كان الطارئ ذاك رجعيّاً و يمتلك بنى لا تتناسب والحداثة الشكلية التابعة التي ينادي بها هؤلاء يجري التعامل معه بالإكراه إلى أن تأتي الأوامر من فوق بخوض حرب لا هوادة فيها ضدّه. هكذا تفعل صحافة آل سعود «الليبرالية» مع حكم الإخوان في مصر الآن. كلّ الثقة التي محضها النيوليبراليون للشرعية الانتخابية التي أتت بمرسي إلى الرئاسة أصبحت من الماضي. هم يتعاملون معه مثلما تعاملوا مع تشافيز بالأمس. لم يكونوا قادرين حينها على المساس بشرعية الراحل الانتخابية، فكان البديل بالنسبة إليهم استدعاء تعاويذ تصوّب على المشروع (البديل البوليفاري الاشتراكي) وتجعل من الشرعية التي أتت به نافلة لمجرّد أنها انزاحت قليلاً عن أيديولوجية الصندوق. في الحالتين لا ينبني الموقف رغم ادّعاءاته «الأيديولوجية» على أسس فعلية يمكن مناقشتها جدّياً.
ثمّة تناقض في الخطاب ينسحب على الموقف من النظم ــ بقديمها و«جديدها» ــ كما على الموقف من تجذّر الثورة وصعودها من أسفل إلى أعلى. حين تقرأ مثلاً لأحدهم وهو يناقش التحوّلات المصرية الراديكالية الجارية حالياً لا تجد في ما يكتبه أثراً للانزياحات الطبقية المذهلة التي أحدثها الحراك العمّالي داخل المجتمع. بالنسبة إليهم يحتلّ النقاش حول البنى الفوقية للحراك الأولوية على سواه. فهم لا يرون من مصر إلا طبقتها السياسية التي ورثت امتيازات مبارك. وهذا أمر من جملة أمور قد غيّرتها الثورة أو يفترض أنّها قامت من أجل تغييرها. بالإمكان أن تجد في أكثر الصحف المصرية نيوليبرالية نقاشات حامية تخصّ ذلك (المصري اليوم، الوطن، الشروق). لكن حين يصبح التناول الإعلامي له سعودياً أو قطرياً تنقلب الأمور رأساً على عقب. وهذا هو الفارق بين نمطين من الكومبرادور: الأول ذو طابع محلّي، ويخضع استثماره في الصحافة لحد أدنى من الرقابة الشعبية التي تموّل مبيعاته، أما الثاني فيستثني العامل المحلّي لأنه يعلم أن سوقه ليس داخلياً وبالتالي ستكون الرقابة الشعبية على استثماره معدومة، وخصوصاً أن الامتياز الممنوح له يخصّ سلالة لا تسمح أصلاً بالرقابة على نهبها لشعبها وتملّكها له. ليجرّب من يشتغل مع الكومبرادور النفطي أن يكتب عن مصر في صحافة يملكها كومبرادور مصري. سيحدث ذلك «طفرة في كتابته»، وسيكون مجبراً على تعديل «تدخّله» النظري في الشأن المصري. من الممكن أيضاً أن تتقلّص إلى الحد الأدنى مساحة التناقض في خطابه.
على الأقل لن يعود مجبراً حينها على مزاولة طقوس العبادة اليومية لايديولوجيا الصندوق، ولا على مقاربة الصراع في مصر من موقع الإسناد النظري لآل سعود في مواجهتهم الضروس مع آل ثاني (أو العكس في حالة الإعلام المموّل من قطر). لو ترك الأمر للإعلام المصري المموّل من الداخل فحسب لاختلفت رؤيتنا جذرياً للصراع. فكما همّشت دينامية الثورة المتصاعدة تدخّلات الرأسماليين المصريين الواحد تلو الآخر (بقي لدينا كثيرون أيضاً: حسن مالك، السيد البدوي... الخ) كذلك ستفعل مع الإعلام لو لم يتراجع ملّاكه عن انحيازاتهم ضدّ الفقراء والطبقة العاملة.
لا خوف على الانتفاض المتصاعد من تدخّلات هؤلاء، فمصالحهم يمكن المساس بها في أي وقت إذا ما استشعر الناس ــ وخصوصا العمّال ــ في بورسعيد والسويس والإسماعيلية والمحلة و..الخ بأن تدخّلهم ينحو أكثر باتجاه السلطة الطبقية في حال كانوا موالين، أو يفضّل عقد الصفقات معها في حال كانوا معارضين. حين يصبح بالامكان ممارسة ضغوط مماثلة على رأس المال النفطي الذي يتدخّل في مصر لتغليب القراءة النيوليبرالية وحدها تكون الثورة قد عدّلت من وجهة انحيازاتنا. بهذا المعنى لا تعود السردية النيوليبرالية هي الغالبة كما كانت منذ أفول الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية. والثورة في مصر كما في تونس معنية بالصراع ذاك، من باب القوى التي صنعتها ولا تزال. فإلى جانب الإخوان المسلمين المسنودين من قطر وتركيا والسلفيين المموّلين من السعودية والليبراليين اليمينيين المشمولين برعاية الكومبرادور المصري هنالك اليسار الراديكالي الذي لا سند له إلّا النقابات العمالية واتحادات الفلاحين والطلبة والمنظمات النسويّة غير المموّلة من الخارج. هؤلاء ــ بعد مغادرة الإخوان والسلفيين لهم ــ هم من يقود فعلياً الموجة الجديدة للثورة. لولا محاصرتهم لمديرية الأمن في بور سعيد وانتقال عدوى تفكّكها إلى باقي المحافظات لما وضع الإعلام المموّل من الداخل والخارج اهتمامه بالانتخابات جانباً، وشرع في البحث عن أسباب هذا الانتفاض العارم ضدّ جهاز الشرطة. بالطبع بدأ الأمر مع الإعلان الدستوري واستحواذ مرسي على كلّ السلطات الممكنة، لكنه تطوّر لاحقاً إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. لم يلتقط الخطاب النيوليبرالي هذه الإشارة جيّدا. اعتبرها في الشقّ السعودي منه مناسبة لمزيد من التدخّل في الشأن المصري. والحال أنّ ما حصل هو العكس تماماً. فالتطوّر المذهل للاحتجاجات هناك أجبر الجميع وعلى رأسهم النيوليبراليين على التراجع خطوة إلى الوراء. يمكن ملاحظة ذلك بسهولة من ردود فعلهم الأولية على ما حدث في مدن القناة. في ما بعد أصبح الأمر خارج السيطرة تماماً. لا الكومبرادور النفطي ولا نظيره الداخلي بمقدورهما فعل شي حيال هذا التفكّك المضطرد للسلطة القمعية وأجهزتها. وإذا كانت قطر وتركيا ومن ورائهما الامبرياليات الغربية الأكثر قلقاً اليوم حيال ما تواجهه سلطة الإخوان من تحديات، فعلى آل سعود ومن يواليهم ألا يطمئنّوا كثيراً. بالطبع ثمّة حضور متزايد للنخب المصرية المعارضة للأخوان على شاشتهم الدعائية الفظّة، غير أنّه حضور موقّت ومحدود، تماماً كما كان حضور النخب ذاتها على شاشة الجزيرة القطرية إبان إسقاط حكم مبارك. من حمل هؤلاء بعيداً عن قطر وجزيرتها، سيحملهم مجدداً بعيدا عن آل سعود ودوائر تأثيرهم. في الحالتين توجد كلمة سرّ واحدة اسمها: تجذير الثورة وتوسّعها أفقياً. قبل ذلك كان ضرورياً أن تنزع قناعها الملوّن، وبمجرد أن فعلت بدأت في هزّ المجتمع المصري على نحو لم يسبق له مثيل.
النيوليبراليون بجناحهم الخليجي لم يفهموا ذلك، والأرجح أنهم لن يفعلوا في المستقبل. نظراؤهم في مصر باتوا أكثر تحرّرا منهم، رغم كلّ الادعاءات الفارغة التي يصدح بها فرعهم الأساسي داخل لبنان. ثمّة مشروع داخل مصر وتونس يمكن الاستناد إليه للجهر بانحيازات هذا أو ذاك، سواء كان إلى جانب الثورة أو في مواجهتها، أمّا في البلدان التي تزاول الترف الفكري برعاية الكومبرادور وعنايته فليس هنالك إلا... الفراغ والخواء التامّان. قد تتغيّر المعادلة قريباً ويجد الفراغ لديهم من يملؤه. اسألوا حنّا غريب.
*كاتب سوري