جاء الإضراب الحالي لأساتذة التعليم الرسمي وموظفي القطاع العام ليعطي بعض الأمل للناس الذين أحبطهم النعيق المذهبي المقيت الآتي من صوب كل المشتركين في الصراع الدائر حول قانون الانتخابات في البلد. فالإضراب المستمر منذ أكثر من أسبوعين، والتحركات اليومية المترافقة معه لمعلمي المدارس الرسمية لم يفقدا زخمهما حتى الآن برغم كل التجاهل والفوقية التي قابلهما بها رئيس الحكومة مند بدء التحرُّك حتى الآن. ويدل هذا الأمر على أنه ما زال بإمكان الناس في لبنان أن يحتشدوا حول أهداف غير مذهبية، وخاصّة إذا كان في هذه الأهداف مصلحة مباشرة لهم. وبالإمكان القول إن نجاح هذا التحرك، إذا قدّر له أن ينجح، والوصول إلى حد انتزاع حق المعلمين والموظفين بالرواتب العادلة، يمكن أن يمثل الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل التي يتطلبها إصلاح النظام الحاكم في البلد. فانتزاع هذا الحق لا يمكن أن يكون إلا إذا أقدمت الحكومة على إدخال إصلاحات ولو جزئية على النظام الضريبي المفصّل على قياس تحالف بارونات الطوائف والمال المتحكّم في البلاد. ونجاح كهذا يمكن أن يعطي مثالاً ناصعاً على كيفية مواجهة الناس العاديين لهذا التحالف، وعلى قدرة هؤلاء الناس على كسر هذا التحالف وهزمه.

لكن هل من إمكانية حقيقية لنجاح هذا التحرك؟ ما حدث منذ بداية الإضراب حتى اليوم يعطي بعض الأمل. فمعلّمو المدارس الرسمية ما زالوا ينزلون يومياً إلى الشارع ويتنقلون باعتصامهم اليومي من وزارة إلى أخرى، مستفيدين من تضامن باقي موظفي القطاع العام معهم. وهم ما زالوا موحدين خلف قيادة «هيئة التنسيق النقابية»، التي أثبتت صدقيتها معهم في تحركاتها المطلبية على مدى السنوات الماضية. وقد أعطى هذا الأمر القدرة على الاستمرار في الإضراب والاعتصامات اليومية حتى بعد انهيار نقابة معلمي المدارس الخاصة تحت الضغوط السياسية وانسحابها من التحرك. وإذا تذكرنا أن التحركات المذكورة غير مموّلة من أي جهة طائفيّة في البلد، وأنّ المعلمين المثابرين على المشاركة في الاعتصامات اليومية يدفعون تكاليف مشاركتهم من جيوبهم الخاصة، يمكننا عندئذ أن نقدّر مدى التزام هؤلاء المعلمين بقضيتهم، ومدى ثقتهم بقيادتهم النقابية في الوقت نفسه.
لكن بالرغم من كل الإعجاب بالأساتذة وقيادتهم المناضلة فعلاً، علّمتنا التجارب في لبنان أن الانتصار في معركة، كالتي يخوضونها اليوم، ما زال على بعد مسافة غير قصيرة، يحتاج قطعها إلى الكثير من المتطلبات من المعلمين وموظفي القطاع العام وقيادة «هيئة التنسيق» على حدٍّ سواء.
فعند تقويم التحرك وحساب الربح والخسارة، يجب علينا عدم النسيان أن ملوك الطوائف لم يتدخلوا في الموضوع حتى الآن تدخلاً مباشراً، بل إن التحالف الطائفي المالي الحاكم ما زال يوكل أمر مواجهة التحرك إلى نجيب ميقاتي مدعوماً من بعض بارونات المال فقط، لكن بارونات المال هؤلاء، الذين نزلوا إلى الساحة بطريقة استعراضية سخيفة وسمجة (على طريقة «نُطاع ولا نطيع» الكاريكاتورية)، ليس لديهم سلطة مباشرة على «جماهير الطوائف»، وهم لا ينفعون بالتالي في محاولة الهيمنة على الأساتذة كي يمنعوهم من الاستمرار في المشاركة الفعّالة في الإضراب. وإذا لم يتمكن ميقاتي من مواجهة الموقف بواسطة دعم بارونات المال وحدهم، فإنه سيلجأ لا محالة إلى ملوك الطوائف على نحو مباشر. وملوك الطوائف، كما علّمتنا التجارب المريرة، وآخرها تجربة شربل نحاس في الحكومة، لا ينظرون إلى الأمور المطلبية وإعادة توزيع الثروة في البلاد إلا من خلال منظار الصفقات الطائفية. ولدى ميقاتي الآن الكثير ليبيعه في موسم قانون الانتخابات الحالل عندنا هذه الأيام.
من هنا يمكن القول، إن أولى متطلبات الانتصار في المعركة الحالية هي أن يبقى أساتذة المدارس الرسمية موحدين في موقعهم الحالي، وأن يقاوموا الإغراءات الطائفية للقفز إلى الضفة المعادية لهم ولمصالحهم المباشرة. أي بمعنى آخر أن لا يدَعوا أيّ مجال لملوك الطوائف للتعامل معهم «كجماهير طوائف» يمكنهم أن ينزلوهم إلى الشارع بأمر وأن يخرجوهم منه بأمر.
ومما لا شك فيه أن للقيادة النقابية لأساتذة التعليم الرسمي دوراً مفصلياً في إبقاء وحدة الأساتذة، ووعيهم لمصالحهم المباشرة مقابل الإغراءات الطائفية، وفي وصول الإضراب بالتالي إلى أهدافه المتوخاة. فالمحافظة على الأعصاب الباردة في قيادة الإضراب وفي حساب موازين القوى بوجه التحالف الحاكم، واعتماد الشفافية التامّة في التفاوض على مطالب الأساتذة والموظفين، يمثلان ضماناً بإمكانه إبقاء وحدة الصفوف. ويمكن عندئذٍ الكلام عن إمكانية تصعيد حقيقي بضمّ باقي موظفي القطاع العام إلى جميع فعاليات التحرّك وتطوير مشاركتهم الرمزية الحالية إلى مشاركة كاملة ودائمة تشلّ دوائر ووزارات الدولة على نحو فعلي.
في الحقيقة إنّ أمام القيادة النقابية لأساتذة التعليم الرسمي آفاق دورٍ وطني أكبر من المعركة الحالية بكثير. فإذا ما تمكنت هذه القيادة من الانتصار في الحصول على سلسلة عادلة للرتب والرواتب في القطاع العام، فإنها تكون قد أعطت مثالاً هائلاً وحافزاً مؤثراً جداً يمكن أن يُبنى عليه لخوض سلسلة من المعارك التالية للوصول إلى دولة الرعاية الاجتماعية بدل الدويلات الطائفية المتناحرة الموجودة لدينا حالياً.
هل في ما سبق إفراط في التفاؤل؟ ممكن، لكن من كان يحلم بهروب زين العابدين بن علي بطائرته إلى جدة، وبرؤية حسني مبارك ممدداً على سريره أمام المحكمة، قبل أن يوقد البوعزيزي نار الربيع العربي بجسده منذ سنتين؟
* كاتب لبناني