عبرت الأزمة السورية في ثلاث محطات أساسية، الأولى معركة حمص (باب عمرو) والتلويح بتقسيم سوريا. المحطة الثانية شهدت الانتقال إلى دمشق عبر ضرب خلية الأزمة والتلويح بتقسيم الجيش السوري. أما الثالثة، فكانت في حلب، التي هدفت إلى التلويح بالحرب الإقليمية.


أعقب المرور بهذه المحطات الثلاث انتقال الأزمة إلى مرحلة تراوح بين الخروج من الأزمة والدخول في الحل. الموقف الأميركي، على سبيل المثال، بدأ بالتراجع عملياً مع وضع جبهة النصرة على لائحة الارهاب باعتبارها إحدى مشتقات القاعدة، مما انعكس ارتباكاً في الموقف الأوروبي في ما يتعلق بالأزمة، وأدى كذلك إلى تبدل صيغ تحالفات المعارضة المرتبطة بالولايات المتحدة وتحالفاتها الدولية والاقليمية.
الموقف الروسي ـــ الصيني، الذي ينعكس أيضاً على موقف النظام في سوريا، ظهرت عليه كثير من ملامح التشدد، سواء عبر التصريحات المتعددة لوزارة الخارجية والرئاسة الروسية، أو الاجراءات المتخذة على أرض الواقع. مرحلة الخروج من الأزمة والدخول في الحلّ هذه انعكست أيضاً على الحلف «الروسي الإيراني». هذا الحلف أظهر ملامح تفاهمات ضمنية للوصول إلى شكل حل توافقي مرضٍ لجميع الأطراف، وخصوصاً بعد الاقتناع بضرورة انتهاج حالة من المرونة السياسية في المسألة المتعلقة بصلاحيات الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية من الحل. لهذا يبدو أن هذه التفاهمات الضمنية هي التي أدت عملياً إلى فتح قناة التفاهمات مع مصر والسعودية، واستبعاد الدور القطري وربما استعدائه خليجياً. هذا الأمر انعكس بوضوح على الداخل السوري أيضاً، وتجلى في مجمل مفردات خطاب الرئيس السوري، التي أشار فيها إلى بعض الأطراف داخل النظام السوري، التي تحظى باحترام وتقدير المؤسسة العسكرية السورية، وتمثل الطرف الأقوى والأساسي في مرحلة الحل والوصول الى تسوية تناسب مصالح مجمل الأطراف.

الطرف الأول في الحل: المؤسسة العسكرية السورية

تكوّن الجيش السوري في بداياته ضمن مناخات حرب 1948 التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية وقرار تقسيم فلسطين. الظروف التي تكوّنت فيها المؤسسة العسكرية ضمن حرب 1948، التي تحملت القيادة السياسية فيها معظم نتائج الهزيمة، أدت دوراً مهماً في بلورة شكل ودور المؤسسة لاحقاً. الحقيقة، أنّ هذا المناخ أفضى إلى خلق أجواء تسمح بتدخل المؤسسة العسكرية في الصراع على السلطة السياسية، فكان انقلاب حسني الزعيم عام 1949 باكورة هذه التدخلات، بحيث توالت الانقلابات إلى حين الوصول إلى عام 1970 مروراً بانقلاب عام 1963 الذي أدخل حزب البعث إلى السلطة. عام 1970 الذي شهد إطاحة صلاح جديد، كان بمثابة اعلان اضعاف الحزب وتقوية المؤسسة العسكرية في ما عرف حينها بالحركة التصحيحية.
الحقيقة أن انقلاب الـ1970 وضع السلطة السياسية أمام تحدي «أزمة الشرعية» حزبياً وشعبياً، الأمر الذي دفع باتجاه إعادة انتاج الصورة الشرعية عبر استثمار للصراع العربي الإسرائيلي، الذي جاءت تعبيراته عبر حرب تشرين. أما الفترة الواقعة بين عام 1979 - 1983 فشهدت افشال محاولات شق المؤسسة العسكرية طائفياً (سني، علوي). نقطة التحول الأخطر في تاريخ المؤسسة العسكرية السورية ترتبط بالنظرية السوفياتية التي عملت على تحويل الجيش السوري إلى قوة اقليمية عبر تقديم الدعم على كل الأصعدة. أهم دعاة هذه النظرية كان رئيس جهاز الاستخبارات الروسية السابق والأمين العام للحزب الشيوعي يوري أندروبوف، الذي خاض ـــ في حينها ـــ صراعاً عنيفاً في أروقة المكتب السياسي للحزب للمضي قدماً في هذا المشروع. نظرية أندروبوف هذه، هدفت إلى خلق حالة من التوازن الاقليمي للصراع الأميركي السوفياتي، وخصوصاً بعد فرض الولايات المتحدة سيطرتها السياسية على مصر. نجاح هذه النظرية عمل على تحويل المؤسسة العسكرية السورية إلى قوة اقليمية، تمتلك كلمة الفصل في القرار السياسي، وقادرة على الاشراف على التفاوض مع الأطراف الاقليمية والدولية. لهذا فإن مسار الأزمة السورية أثبت أن معركة دمشق تحسم في تل أبيب، أما حسم معركة حلب، فلا بدّ أن يجري في أنقرة.
لهذا فإن تعقيدات الأزمة السورية تثبت في كل يوم أن المؤسسة العسكرية لاعب أساسي في رسم شكل التسوية السياسية وتحديد أغلب أطرافها الداخلية والاقليمية، وذلك بسبب عمق هذه المؤسسة في الداخل السوري، وامتلاكها أوراقاً اقليمية مؤثرة، إضافة إلى ارتباطاتها بمرجعيات عالمية. هذا ما يجعل المؤسسة تظهر اليوم بصورة الرقم الأصعب في فك معادلة الحل في سوريا.

الطرف الثاني في الحل: البرجوازية التقليدية بشقيها التجاري والصناعي

مثلت سوريا تاريخياً حاضنة حضارية لمجتمعات مدنية تفاعلت مع مجمل تطورات تاريخ المنطقة، بدءاً بالحضارة الفينيقية وصولاً إلى الحضارة العربية الاسلامية، مروراً بالحضارة اليونانية والرومانية. فكانت الصناعة الحرفية نقطة التحول الأهم في نشوء فئات اجتماعية تركت آثارها في مجالات الفن والثقافة ومجمل المجالات العلمية. مجمل هذه المناخات أنعشت التجارة والصناعة وعلى وجه التحديد الحرفية منها، فأنتجت أسواقها المحلية والعربية. ومثّلت بوابة عبور متبادل لأوروبا. لهذا كان من الطبيعي أن تتولد عن هذا الحراك التجاري الصناعي منظومة مجتمعية مدنية تتفاعل مع مجمل الحضارات المحيطة بها. عرفت هذه المنظومة اصطلاحاً بالبرجوازية التقليدية الشامية، التي أدت دوراً توعوياً حاسماً في مجمل المراحل التي مرت بها سوريا. ومن أبرزها حرب الاستقلال التي توجت ما بعد الحرب العالمية الثانية بجلاء الفرنسيين. لاحقاً بقيت هذه البرجوازية تحافظ على دورها ومصالحها التقليدية في المجتمع السوري.
سياسات البرجوازية السورية دفعت النظام السياسي في سوريا إلى الانتقال من شعار محاربة الرجعية العربية إلى تبني شعار التضامن العربي، مستفيدةً من مجمل شبكة علاقاتها العربية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، حيث أدت بعض الشخصيات التقليدية في سوريا دوراً مهماً في هذا المجال، منها معروف الدواليبي، رئيس الوزراء السابق في سوريا، حيث عمل مستشاراً للملك السعودي.

دور البرجوازية السورية في أزمة الثمانينيات

بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام الإسرائيلية المصرية، دفعت الولايات المتحدة بكل امكانياتها وتحالفاتها باتجاه ممارسة الضغوط الاقتصادية والسياسية والأمنية على سوريا، لاستدراجها نحو اتفاقية مماثلة بين سوريا وإسرائيل. ظهرت البرجوازية السورية في معادلة الصراع الداخلية كلاعب أساسي قادر على تجنيب النظام السياسي مجمل الضغوط الدولية والاقليمية وحتى العربية. الدور الحيوي الذي أدته هذه البرجوازية قاد الى خلق تفاهمات ضمنية مع الجهاز البيروقراطي، وتحديداً المؤسسة العسكرية السورية. أخذت مصالح البرجوازية في التنامي المستمر، وبدأت تؤثر في عملية صنع القرار السياسي والاقتصادي والأمني، بقبول من النظام السياسي، الذي عمل على تعزيز وضع البرجوازية عبر اتفاقيات معلنة وغير معلنة. هذا ما أدى إلى اضعاف دينامية مؤسسات الدولة، وفتح الطريق للقطاع الخاص بالتشارك مع البيروقراطية الحاكمة. هذا التشارك أدى إلى عزل تأثير قوى الاسلام السياسي ممثلاً بالإخوان المسلمين على وجه التحديد، عن حاضنتهم المجتمعية والعربية. لا بد من التذكير، أيضاً، أنّ هذه البرجوازية التقليدية وظفت نشاطات الاخوان المسلمين «العنفية» لمصلحة تحسين مواقعها في المشاركة في صناعة القرار على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية وحتى الأمنية. هذا التحالف مثّل صمام الأمان في أغلب أزمات سوريا، وضمان دورها الاقليمي.
الرئيس الراحل حافظ الأسد كان قد أخضع - مرغماً - الإطار العام للايديولوجيا الاشتراكية لما عرف بحالة البراغماتية الاقتصادية، أي بمعنى آخر انتهاج استراتيجية ثنائية تتكوّن من الاستثمار العام والتحرير الاقتصادي في آن واحد، حافظ الأسد هدف بذلك إلى خلق نمط من التوازنات مبني على الحفاظ على القواعد الشعبية وارضاء البرجوازية السورية. هذه السياسة لخّصها الأسد نفسه بعبارته المشهورة: «نحن من استطاع أن يجمع بين الحمل والذئب في بئر واحدة».
هذه السياسة أدت إلى خلق تصدعات بالمنظومة الأيديولوجية والسياسية لسلطة لأسد ومؤسساتها، التي مكّنت البرجوازية التقليدية من خلق منصات فاعلة للانطلاق نحو الإمساك بمفاصل السلطة السياسية، التي ستظهر جلياً عبر التحولات الديمقراطية بإشراف أطراف دولية واقليمية وعربية وأطراف سورية تنتمي إلى المناخ الديمقراطي، كظاهرة التنسيقيات وغيرها التي ستحظى برعاية البرجوازية التقليدية لإلحاقها بعملية التحول الديمقراطي لتحل محل أشباه القوى الديمقراطية المتحالفة مع النظام مثل بقايا الحركة الشيوعية الكلاسيكية.

الطرف الثالث في الحل: إفرازات التحول الديمقراطي

تميزت سوريا عبر التاريخ بشعبها وحضارتها وقدرتها على التفاعل مع أغلب الحضارات البشرية. وخلقت من هذا النسيج نموذجاً حضارياً مكّنها من التواصل مع مسار الحضارة الانسانية على مر التاريخ. هذا الارث الثقافي المتميز انعكس على طبيعة تواصل الحضارة السورية مع محيطها الاقليمي مما أعطاها ميزة القدرة على التفاعل مع محيطها والتأثير به، معبرةً بذلك عن حالة حيوية في مجمل مجالات الحياة.
فكان من الطبيعي أن تشهد سوريا ولادة حراكات ذات طبيعة كونية، وبالتالي كان من الطبيعي أن تتفاعل مع المنجزات الفكرية المعاصرة، فظهرت بوادر التفاعل مع الفكر الاشتراكي العالمي تزامناً مع الفكر الليبرالي الديمقراطي. وظهر ذلك عبر اندفاع المكونات الأولية للبرجوازية التقليدية عبر نشاطاتها العلمية في الدول الأوروبية المتقدمة كفرنسا وألمانيا وبريطانيا، وتأثر الحركة العمالية والمثقفين بالفكر الاشتراكي بعد ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى وتبلور حركة عمالية اشتراكية ديمقراطية، أخذت تظهر على شكل أحزاب تتفاعل مع الحركة الاشتراكية الديمقراطية العالمية وتترك آثارها على محيطها العربي.
ومنذ البدايات، تأثرت المناخات الديمقراطية بعقلية البيروقراطية الاشتراكية للاتحاد السوفياتي وخاصة في حقبة ستالين، حيث تميّزت الحركة الاشتراكية السورية بعقلية ستالينية بيروقراطية ذات جمود عقائدي غير قابل للتجديد. هذا ما قد يفسر سلسلة الانقسامات المتوالية التي مرّت بها الحركة الاشتراكية على سبيل المثال. أما جوهر الانقسامات الأيديولوجية، فتمحور حول فكرة «التطور اللارأسمالي» التي تبناها الاتحاد السوفياتي في ما تعلَّق حينها بالبلدان النامية، التي سميت في بعض الأحيان بلدان التوجه الاشتراكي، منها مثلاً لا حصراً، سوريا ومصر والعراق. إن مفهوم «التطور اللارأسمالي» مثّل أرضية خصبة لولادة التحالفات مع أحزاب من فئة البرجوازية الصغيرة ذات الأصول الفلاحية، مما أدى إلى تذيل الحركة الاشتراكية العربية لهذه الأحزاب. هذا الأمر ترك آثاره الواضحة على مكانتها السياسية والاجتماعية والثقافية، وبلور كذلك مقدمات انقسامها أمام كل تعرج تمر به هذه البلدان. على سبيل المثال، الموقف من قرار التقسيم والوحدة بين سوريا ومصر والقرارات الدولية كالقرار 242، ولسنا في صدد بحث موضوع الانقسامات وإن كان أبرزها قد ظهر في الحركة الشيوعية السورية، وتمثّل بانفصال الحزب الشيوعي اللبناني عن السوري، ومن ثم انقسام الحزب الشيوعي بين كتلتين (خالد بكداش ورياض الترك) و ما تبعها من انقسامات لا حصر لها، وظهور حركات شيوعية جديدة كرابطة العمل الشيوعي، التي تحولت فيما بعد إلى حزب العمل الشيوعي في سوريا، و غيره الكثير. هذا بدوره أعطى دوراً أكثر أهمية وتغولاً للأحزاب البرجوازية الصغيرة، كحزب البعث. وليس أدل على ذلك من مفهوم الحزب القائد ووسّع من دور البرجوازية التقليدية في مجمل الحياة السياسية والعامة في سوريا.
اليوم مع انفجار الأزمة في سوريا، ظهرت حالة الافلاس السياسي لمجمل تلاوين الحركة الاشتراكية الديمقراطية. فمنهم من تحالف مع قوى رجعية ظلامية ومنهم من أغرق بالتذيل للسلطة البيروقراطية التي دخلت ذروة أزمتها. الآن ينبغي لهذا الاتجاه أن يعيد قراءة تجربته التاريخية، وأن يستعيد المبادرة السياسية للانطلاق من جديد للتعامل مع المرحلة التاريخية القادمة لمستقبل سوريا. حيث أنّ اللحاق بركب التسوية السياسية في سوريا يستدعي بالضرورة إعادة صياغة مكونات المشروع الديمقراطي السوري للمساهمة في ولادة سوريا المعاصرة، من خلال رؤية تتناسب والمتغيرات الدولية ومستقبل المنطقة الديمقراطي. ويستحق الأمر قراءة تجربة الحركة الديمقراطية الاشتراكية في سوريا بما لها من تأثير على مستقبل المنطقة، وتقع هذه المسؤولية على عاتق الاتجاهات الأكثر تنوراً فكرياً وثقافياً وسياسياً بحيث تأخذ بالحسبان أهمية سوريا الاستراتيجية في المنطقة على نحو عام ومنطقة المشرق العربي على نحو خاص.
* كاتب أردني