من يستمع إلى كبرى وسائل الإعلام الفرنسية يُخيل له أن سكّان شمال مالي (الأزواد) هم «الجهاديون» (يرجع نسبهم إلى أسامة بن لادن ويتمثل شعارهم في صورة رهينة وهي تُعدم على الهواء)، ويقتنع بأنّهم حلّوا نهائياً محلّ أصلاء هذا «الربع الخالي» من كل شيء عدا أزيز الطائرات الفرنسية وصراخ ضحايا «تجاوزات» الجيش المالي في «المدن المحررة».


والحقيقةُ أن سكان هذا الإقليم الأصليين لم يندثروا رغم شبه الإجماع الإعلامي على أن طرفيْ النزاع فيه هما، الجهاديون، من ناحية، والجيشان الفرنسي والمالي، من ناحية أخرى. لم يندثروا، فهم من كثبان الأزواد إلى صخور أدرار إيفوغاس، مروراً بمنافيهم في الداخل والخارج، ينظرون عاجزين إلى الحرب الدائرة رحاها بين غازٍ فرنسي ومحتل أصولي يتنازعان ما لا مالك له غيرُهم. لا تذكر الصحف والقنوات التلفزيونية الفرنسية اسمَهم كثيراً، لكنهم لم يختفوا لمجرد أن الصحافيين ينسونهم أو يتناسونهم. اسمُهم الطوارق أو «الرجال الزرق» كما سماهم الفرنسيون، وقد بقي لهم متسع من خيال بعدما استباحوا أرضهم ففُتنوا بمسحة لون عمائمهم على وجوههم. ومنذ مطلع القرن العشرين، لم تكسر شوكتَهم لا الحملاتُ العسكرية الاستعمارية ولا موجاتُ الجفاف الرهيبة ولا سياساتُ الحكومة القمعيةُ بعد استقلال مالي، وما أشبهها بانتقام عبثي من أسلافهم الذين كانوا يبثون الذعر على ضفاف نهر النيجر.
لا ذكر إلا نادراً لهذه المعلومات البسيطة عن الطوارق في كبرى وسائل الإعلام، فما توردُه من أخبار عن شمال مالي أقربُ إلى بيانات قيادة عمليات الجيش الفرنسي منه إلى تقاريرَ صحافية تذهب «ما وراء الحدث». والنتيجةُ تغييبُ الطوارق الماليين في صراع لا يهمّ أحداً بقدر ما يهمُّهم لأنهم يدفعون ثمنه حاضراً رعباً ونزوحاً وسيدفعون مستقبلاً ثمنَ الوضع الذي سيؤدي إليه. وعندما يتكرم الصحافيون بالحديث عنهم، ففي أغلب الأحيان من خلال أسماءَ كـ«أنصار الدين» و«الحركة الإسلامية الأزوادية» (المنشقة عنها) أو «أخيهما اللدود» العلماني، الحركة الوطنية لتحرير الأزواد، وهو ما يصورهم في صورة مقاتلين قساة، هي ذاتُها صورة أسلافهم في التاريخ الكولونيالي، فضلاً عن كونه تلميحاً إلى تفرّق صفهم يُبرَّر به ضمنياً عدمُ إشراكهم في ما يعني مصيرَهم. والواقعُ أنهم أكثر تعداداً بألف مرة من أعضاء هذه التنظيمات، وأن غالبيتهم أفقرُ من أن يمتلكوا التجهيز النموذجي للمحارب الصحراوي الحديث، أي السيارة الرباعية الدفع والبندقية الكلاشنيكوف وتلفون الثريا. كذلك، لا إشارة إلا في ما ندر إلى أن ما يوحّدهم على اختلافاتهم (القبلية والسوسيولوجية والاقتصادية) هو رفضُهم التوطين القسري، هم البدو الرحل، في مدن شبحية لا أثر فيها «للحداثة» المزعومة، ما لا يعني أنهم كلَّهم انفصاليون كما يحلو للصحافة «القومجية» المالية أن تصوِّرهم.
ولا يني النظام المالي يستخدم تغلغلَ التيار الإسلامي الجهادي في الساحل لإخفاء مسؤوليته عن المنعرج العنيف الذي اتخذته المسألة الطوارقية. ومع تدخل فرنسا العسكري، نُسي تقريباً منشأُ الصراع في شمال مالي تحت ركام من قصائد الفخر بالمروحيات الفرنسية وما توقعه بأرتال الجهاديين من «خسائر فادحة في الأرواح والمعدات». وإذا صودف أن ذُكر، لا يؤرَّخ له بأقدمَ من ميلاد الحركة الشعبية لتحرير الأزواد، أي 1990. والحقيقةُ أن استقلال مالي سنة 1960 لم يُنه مسلسلَ العنف الاقتصادي والرمزي ضد الطوارق. الاستعمار الفرنسي شرع في هدّ أسس اقتصادهم التقليدي، المبني على تجارة القوافل وتربية الجمال (وغزو قرى ضفاف نهر النيجر)، والدولة المالية الحديثة أنهت تقويضها، ما حكم على مئات الآلاف منهم بحياة هي أشبه بمعركة من أجل البقاء في المهجر وشبكات التهريب والارتزاق العسكري في صفوف «الفيلق الإسلامي» للعقيد معمر القذافي.
من يتذكرُ اليوم، وسط هذه الضجة الإعلامية عن «المدن المحررة» و«الجهاديين المقتولين»، أن سبب ثورات شمال مالي المتتالية هو التمييز الاقتصادي والثقافي ضد الطوارق، وأن سبب «تخلّف» هذه المنطقة ليس «ضعف الإرادة السياسية» لدى حكام باماكو فحسبُ، بل أيضاً ضعف الموارد المالية؟ لو كانت فرنسا وأوروبا أكثر كرماً مع «صديقهما المالي» لربما كان النزاعُ بين الحركات الطوارقية والحكومة المركزية قد حُلّ سلمياً ولما تحوّل الأزواد بسببه إلى جزيرة مفتوحة لكل الرياح الأصولية. تبلغ تكلفة التدخل العسكري الفرنسي يومياً 400 ألف يورو على أقل تقدير (22 مليون يورو من 11 يناير إلى 6 مارس 2013) فيما تبلغ مساعدات صندوق التنمية الأوروبي للحكومة المالية 100 مليون دولار سنوياً. الأرقام بليغة، تغني عن أي تعليق.
صحيحٌ أننا نقرأ في الصحافة الفرنسية من حين لآخر كلاماً عن ضرورة «تنمية شمال مالي لاجتثاث أصول العنف فيه»، لكن لا حديثَ عن واجب استشارة سكانه في مستقبل علاقتهم بالحكومة المركزية بعد انتهاء «حرب التحرير» هذه. لذا لا يُستبعد أن تكون إعادة «فتحه» لمصلحة هذه الحكومة أحدَ أهداف تدخل فرنسا العسكري (إضافة، طبعاً، إلى منع تداعياتِ التهديد الجهادي في النيجر، أحد مموّنيها باليورانيوم، وتشاد، الركن الشرقي لمملكتها الأفريقية). ويُرجّح أن لا تتوقفَ عمليات القصاص الدامية التي تنفذها القوات المالية عند الإسلاميين، وأنها ستصيب قريباً «علمانيي» الحركة الوطنية لتحرير الأزواد، فباماكو لن تنسى بسهولة أنهم هم من أعلنوا الاستقلال في 6 أبريل 2012. أما تصريحات لوران فابيوس، وزير الخارجية الفرنسي، عن ثقته في «سعي السلطات المالية إلى فتح حوار مع سكان الشمال، وخاصة الطوارق»، فلا تلزم أحداً سواه، هذا إذا كان تفاؤله حقيقياً لا مجرد ذرّ للرماد في العيون.
ويوحي سيرُ الأمور في شمال مالي بأن ما يُعدّ له، في خضم الحرب على المنظمات الجهادية، هو مأتمُ مطالب الطوارق السياسية والاقتصادية، بتواطؤ فج من قوى عظمى لطالما تدخلت عسكرياً بزعم حماية الأقليات من بطش «حكومات استبدادية» (كردستان، كوسوفو). إذا نجحت إعادة الاحتلال الشوفينية لهذا الإقليم فستزيد الحركاتِ العسكرية الطوارقية راديكالية، بل قد تعمق الانغراسَ المحلي «للجهاد الصحراوي» في صورة تعزيز «أنصار الدين» و«الحركة الإسلامية الأزوادية». لا يستبعد إذاً، ما تواصلَ تهميشُ الطوارق في التسويات السياسية والعسكرية والاقتصادية الجارية بين باريس وباماكو، أن يتوجهوا بأنظارهم إلى «أصولييهم» فينظروا إليهم كـ«رموز مقاومة»، أي بالضبط كما ينظر كثير من الأفغان إلى عصبة الطالبان.
* كاتب جزائري