تتراكم وتتفاعل وتتنافس في المشهد السياسي اللبناني الراهن مجموعة تناقضات وعناصر وأحداث، هي، رغم تباينها وتباعدها في الشكل، متكاملة ومتداخلة في المسار وفي المضمون.

من بين أبرز العوامل والتناقضات تلك المتصلة بما تثيره الأزمة السورية، المتفاقمة قتلاً ودماراً ومداخلات خارجية، في الوضع اللبناني. فمع امتداد الصراع في سوريا واحتدامه، تنكشف، أكثر فأكثر، رهانات الأطراف السياسية اللبنانية الفاعلة، وتنكشف أيضاً ارتهاناتها. وحيث أدت العناصر الفاعلة في الصراع السوري، الداخلية والخارجية، إلى شبه توازن سياسي وعسكري و«اقتصادي» بين الأطراف المتصارعة، تتأجج المشكلات اللبنانية وتتعقد بسبب انخراط الأطراف اللبنانية في هذا الصراع، من جهة، وبسبب فشل رهاناتها على حسم نتائجه لمصلحتها، في هذا الاتجاه أو في نقيضه، من جهة ثانية. ليس هذا فقط، بل إن لبنان المنقسمة قواه السياسية الفاعلة، لم يكن يوماً، إلا في ما ندر، قادراً على إدارة شؤونه بالاستناد إلى توازناته ومؤسساته. إنه بحاجة دائمة إلى وصاية خارجية. وهذه الوصاية، هي، في المحصلات، وبعد مساومات وتجاذبات ونزاعات وحروب، من كانت لها الكلمة الحاسمة في شؤونه العامة وفي قضاياه الداخلية، من صغيرها إلى كبيرها.
الصراع في سوريا، بما هو أيضاً عامل تأجيج للصراع الداخلي في لبنان، وبما هو تعبير بالحديد والنار والدمار والدماء عن انهيار «النظام الرسمي العربي» السابق، هو ما يولد كل ذلك الارتباك في صفوف أجنحة البورجوازية الكبيرة، في السلطة والمعارضة: هو الذي يشلّ الحكومة ويفاقم الخلاف والتباينات بين أطرافها في كل المواضيع، من قانون الانتخاب إلى الموازنة، إلى التعامل مع المشاكل والفلتان الأمنيين، إلى التعيينات، إلى دور الجيش والأجهزة الأمنية، إلى السياسة الخارجية... وبطبيعة الحال، هو الذي يعمق الهوة إلى حدود خطيرة، بين الموالاة والمعارضة، في ما يتصل بالتحالفات والاصطفافات والمحاور والخيارات المتصلة، بدورها، بالصراع الإقليمي – الدولي الدائر في سوريا وعليها منذ سنتين بالتمام والكمال!
وبالتلازم مع هذا الاضطراب الكبير والخطير الناجم عن الأزمة السورية المخيفة الراهنة، ولأسباب أخرى داخلية (منها الفئوية والعجز والنفعية) تواصل مؤسسات الدولة تراجعها لمصلحة الدويلات والدكاكين المتناسلة هنا وهناك، بحيث يتعثر الحد الأدنى من الانتظام العام في مجالات الأمن والقضاء والإنتاج واحترام القانون والمساءلة والمحاسبة. وتتداعى، على نحو غير مسبوق في حدته وخطورته، الطائفية إلى مذهبية يراد لها أن تكون عمياء وصماء وقاتلة. أما التديّن السياسي فيخلي حيّزاً، لم يعد يمكن تجاهله، للسلفية التكفيرية التي لا حدود لقسوتها ولا ضوابط لجموحها ولتعسفها ودمويتها.
وتتفاعل بشكل بالغ السلبية الآن جملة عوامل تهدد بتحويل التدهور والفلتان الأمنيين إلى ما يهدد فعلاً «السلم الأهلي» في بلدنا. هذه العوامل هي خليط من الخارجي والداخلي، السوري واللبناني والفلسطيني، الاقتصادي والاجتماعي... إلى التآمر والتحريض والتمويل والارتزاق، فيما يغرق بعض المسؤولين في حسابات انتخابية، وينغمس الجميع في اعتبارات واصطفافات مذهبية وطائفية وارتهانات خارجية.
ليس في لبنان «أسير» واحد. إنّ لبنان السياسي، هو كله «أسير» عندما يتعلق الأمر بالمظاهر والانتهازية والكسب السريع والارتزاق غير المشروع والفئوية والتبعية. قد تختلف الأساليب أو الأشكال في معادلة «الدبيكي»، في أغنية المطربة صباح، المعروفة، بين «محمود ومعروف وإلياس وحسين»، لكن النتيجة واحدة: الاستقواء على الدولة والوطن والمواطن لمصالح فردية أو فئوية أو خارجية... إنها لعبة تجري الآن على حدود الخطر المشرَّع على القتل والدمار العظيم والضياع الذي لا رجاء بعده!
وفي الحقل الاجتماعي يتفاقم التفاوت بين اللبنانيين، مشفوعاً بكل أنواع الاستفزاز والنهب والعشوائية والسطو على المال العام والهدر وسوء استخدام السلطة والتهرب الضريبي وفساد القوانين الناظمة لواجبات المكلف اللبناني (اعتماد الضرائب غير المباشرة التي تساوي بين ذوي الدخول غير المتساوية إلى أبعد الحدود). وهنا، كما في الحقل السياسي، فشلت كل المحاولات الإصلاحية مهما كانت بسيطة ومحدودة وموقتة. آخر ضحايا هذه المحاولات كان الوزير الصديق شربل نحاس الذي خلعه أصحابه قبل أعدائه!
لقد استخدم أطراف النظام وسيلة القمع والاحتواء لضرب استقلالية الحركة النقابية وكفاحيتها. وهم، قبل ذلك، تحاصصوا المواقع السياسية والإدارية وتقاسموا الموازنة، مباشرة، أو بنحو غير مباشر، عبر صناديق الهدر والنهب والتصرف الفئوي بالمال العام.
لكن القطاع العام، والتعليمي منه خصوصاً، الذي يضم المستخدمين والموظفين والأجراء الأكثر تمركزاً، أفلت من الحصار والاحتواء والقمع. وهو راكم على امتداد العقود الأخيرة تجربة مطلبية متواصلة وفاعلة عززها التنظيم النقابي، واستنفرها واستفزها الإهمال والرعونة والارتجال والتمييز، وحفَّزها الوضع القيادي الذي تجاوز اليأس والانقسام إلى وحدة راسخة في الشأن المطلبي. كذلك فقد تجاوز تحرّك «لجنة التنسيق النقابية» تراجع دور الحاضن السياسي الديموقراطي له. وهو تمكن من إحداث مفارقة في الوضع اللبناني؛ ففيما تعمّ الفوضى وتسود الفئوية ويستشري الفلتان والانقسام والشلل، يواصل تحرك «هيئة التنسيق النقابية»، وسط تفهم ودعم شعبيين كبيرين، والإصرار على مطلب تصحيح الأجور عبر إقرار سلسلة جديدة لموظفي القطاع العام ومستخدميه وأجرائه البالغ عددهم نحو 250 ألفاً.
يراهن أرباب المال والسلطة على تعب «هيئة التنسيق» ومن تمثل. يراهنون أيضاً على أن تضيع حقوق المطالبين وسط مخاوف المواطنين مما يجري ومما يمكن أن يحصل من فوضى في الداخل وفي الجوار. هم، حتى في هذا الحقل، يراهنون على الاستقواء بتطورات الخارج على حقوق أصحاب الحقوق من الموظفين والمستخدمين والمعلمين والمنتجين وسواهم.
إنها مفارقات الوضع اللبناني الذي أوشكت صيغته على الإفلاس ونظامه على العجز والشلل الكاملين: يسابق صوت «الأسير» صوت «هيئة التنسيق النقابية». وتتنافس عمليات إحراق الدواليب للاحتجاج على انقطاع الماء والكهرباء، عمليات قطع الطرقات من قبل المجموعات المتطرفة ومسلحي الخوات والخطف. أما الطبقة الحاكمة فماضية في نهجها التدميري الانتحاري دون حسيب أو رقيب أو... بديل!
* كاتب وسياسي لبناني