ينبغي التساؤل عن الأسباب التي دفعت أطرافاً سياسية، أغلبها لم ينخرط في الحرب، إلى اعتماد «المشروع الأرثوذكسي» كمشروع مآله زيادة الفرز الطائفي والمذهبي. لماذا ذهبت في اتجاه إعطاء صدقية لمشاريع سبق أن حملت لواءها قوى الحرب؟ ولماذا تحوّلت إلى ممارسة هذا النوع من «السياسة من دون مضمون»؟

1_ قد يعكس تغيير الأجندات مأزقاً تعيشه النخبة أو أطراف منها. «التعبئة على قاعدة الهوية» بدت الأقرب إلى متناول النخب في تجارب كثيرة، حين كانت تريد اكتساب شرعية أو استعادة شرعية أسهم في تراجعها عقم العمل الحكومي.

لا شك في أن التجربة داخل مجلس الوزراء أثّرت على معنويات الوزراء الإصلاحيين، الذين وجدوا أنفسهم في هيكلية تصيبهم بالعقم وتسقط قدرتهم على الإنجاز وادعاءهم. وصف صحافيون كيف تجري الأمور داخل المجلس. يُستهلك الكثير من الوقت في المطوّلات، ويبدو مجلس الوزراء مثله مثل مجالس كثيرة في الإدارة العامة، يعكس أداؤها قدرة المسؤول فيها على إدارة الجلسات.
لكن مشكلة المجلس الرئيسية هي الفراغ الإداري الكاسح الذي يجعله لا يملك تصوراً ويكتفي بإدارة شؤون يومية، ويمارس سياسة اقتصادية كان يسميها ألبر بدر وسمير مقدسي، «غب الطلب». وهي حالة جعلت شخصاً بمفرده في أمانة سر المجلس، قيّماً على شؤون الجمهورية كلها، وأعطته سلطة «سلطانية» في هذا المجال. وفي مرحلة ما أيام شهاب، كانت مؤسسة رئاسة الجمهورية قادرة على بلورة أفكار ومشاريع تتناول التنمية في لبنان. استعانت وقتها بخبراء أجانب. وباتت حالها بعد تلك التجربة اليتيمة تثير الشفقة. وهناك قوى رئيسية داخل مجلس الوزراء معنية ببلورة الحلول تقول «دبروا رؤوسكم»، وحجتها أنها لا تستطيع أن تكون في كل مكان.
وقد عكس الصدام بين مجلس الوزراء وقوى نقابية على امتداد الأشهر الماضية، استمرارية في سياسة المجلس لم تنقطع منذ مطلع الاستقلال. وهو مجلس يستوحي رئيسه ووزير المال فيه تجربة بدأت مع الرئيس حسين العويني، أيام كان الثلاثي العويني وميشال شيحا ورينه بيسون يقررون سياسة لبنان الاقتصادية. والأخير فرنسي وحاكم مصرف الإصدار آنذاك. وقد قال بعنجهيته الاستعمارية إن لبنان ينبغي أن يكون «شيئاً ما مشابهاً لسنغافورة»، حين كانت الأخيرة تخشيبات تستخدم لخزن البضائع على الشاطئ. وقد تحمّل رئيس المجلس ووزير المال منذ ذلك التاريخ مسؤولية سياسات نقدية محافظة وتقشفية، اعتقد القائمون عليها أنها تخدم ثبات سعر صرف الليرة، وذلك من دون أي التفات إلى المعنيين بهذه السياسات، أي اللبنانيين ومستوى مداخيلهم، الذي إذا تحسّن فقد يمنعهم من الهجرة إلى بلاد الله الواسعة.
أما الخطاب النقدي، فإن تركيزه في الأساس على الفساد جعل منه خطاباً اختزالياً، وذلك لأنه يرى أن المشكلة تقتصر على فاسدين ينبغي محاسبتهم، ولا يقول شيئاً عن طبيعة النظام الاقتصادي القائم، والسياسات التي ينتجها هذا الأخير. وهنا لبّ المشكلة. قدمت إحدى القوى المعنية بالمشروع الأرثوذكسي إنجازاً في توفير معطيات تتيح محاكمة تجربة 20 سنة من الهدر والسياسات التوزيعية والدفع بالإدارة الحكومية إلى الانحلال.
وأشار مراقبون إلى أن النص لا يعدو أن يكون قراءة للمالية العامة، ينبغي الارتقاء بها إلى قراءة اقتصادية تتيح تعريف السياسات الاقتصادية التي اتبعت، وفضح «دولة الظل» التي كانت قائمة.
ولا بد من العودة إلى مجلس الوزراء أيام كان الدكتور شربل نحاس يحتل مقعداً فيه. وقد نال نحاس بعض النجومية لأنه يمتلك قدرة تكنوقراطية يفتقدها البعض. أذكر هنا كيف انقضّ أصدقاء جورج قرم عليه في أول مناسبة ظهر فيها أمام الجمهور بعد تجربته وزيراً، في مؤتمر «المركز اللبناني للدراسات» عام 2002، للتعبير عن خيبتهم. اقتضى سنوات لكي يقول جورج قرم بدماثته الأسطورية، إن سبب الفشل كان شخص الرئيس الحص نفسه، الذي كان ليبرالياً مثله مثل الرئيس الحريري، والذي لم يمتلك مشروعاً مختلفاً عن مشروع الأخير. وكان ينبغي أن ينقضّ أصدقاء الدكتور نحاس عليه بعد خروجه من الوزارة، لأن موقعه كان يحتم عليه بلورة مشروع بديل أكبر بكثير من التعديلات الضريبية التي اختصر بها مقاربته للشأن الاقتصادي، ولو أنها حملت بعداً توزيعياً للمداخيل جدياً ومتقدماً. أي إن جزءاً من الخيبة الراهنة يتحمّل مسؤوليته شربل نحاس نفسه. وبين هذه التجربة وتلك، يطوي اللبنانيون العقود من دون سياسات اقتصادية توقف النزف البشري.
2_ سألني أحد الطلاب من دون سابق إنذار: «وما رأيك باتفاق الطائف؟». فوجئت وطلبت منه أن يمهلني فأجيبه في المرة التالية. كان جوابي وقتها هو أنه إذا كانت تجربة ما بعد الطائف قد أدّت إلى تهجير 466 ألف شاب، أي ما يوازي ثلث القوى العاملة، خلال أعوام 1992-2007، فإني حكماً ضد هذه التجربة. كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري يقول لمن يناكفونه، أعطوني بديلاً. ولعل هذا البديل لم يكن متوافراً أيام طغيان المقاربة النيو ــ ليبرالية خلال التسعينيات. ولقد سال ماء كثير منذ ذلك التاريخ. ومنذ سنوات لا يفتأ بعضنا يصرّ على ضرورة وضع مسألة إزالة الرسوم الجمركية التي تمت عام 2000، على طاولة البحث مجدداً. وقد انفردت حكومة الرئيس الحريري الرابعة بإقرارها آنذاك دون العودة إلى أحد. وسبّب ذلك الإجراء اختفاءَ قطاعات إنتاجية بكاملها.
ويمكن أن يكون هذا النقاش مقدمة لنقاش أشمل في الحمائية وكيفية استخدام أدوات السياسة التجارية في التنمية ولاستبقاء اللبنانيين في بلادهم.
هذا واحد من بضعة عناوين تشمل شروط تمويل التنمية والمؤسسات التي تتولى هذا التمويل، وشروط بناء مقدرة تكنولوجية كمصدر للتنافسية، ومنح الدولة اللبنانية قدرة تدخلية في الاقتصاد، من خلال الصلاحيات الجديدة التي يجب أن تُعطى لإداراتها في ميدان دعم المؤسسات الإنتاجية. تشكل هذه العناوين بمجموعها سياسة اقتصادية بديلة بالفعل، تتيح إعادة بناء اقتصاد منتج في لبنان.
3_ يمثل جمهور غالبية القوى التي اعتمدت «المشروع الأرثوذكسي»، بمكوناته المذهبية المختلفة، ما تسميه ماري كالدور «مساحات مدنية» (zones of civility) ينبغي تطويرها، لا النكوص بها إلى مواقع متشنّجة وانكفائية. استخدمت كالدور هذا التعبير للدلالة على تلك القوى والشرائح المجتمعية التي استطاعت أن تنأى بنفسها عن «النزاع الإثني»، ولم تسهم فيه دعماً أو مشاركة. وهي بقيت على قناعتها بإمكان وضرورة العيش معاً، وبقيت عاصية على تمدّد الخطاب التقسيمي. وأعطت تجربة يوغوسلافيا وغيرها أمثلة حسية على استطاعة أماكن ومناطق ومدن أن تبقى خارج الاستقطاب، وتمانع في الانجراف نحو الوضع الجديد الذي أنشأته الحرب. وهي أثبتت قدرتها على صون مساحة المدنية التي عاشت في كنفها جيلاً بعد جيل.
ولعل التسلّح بمقدرة برنامجية هو ما ينبغي أن تتوافر هذه القوى عليه. ومن شأن ذلك أن ينقل لبنان من السياسة التي تتمحور حول تحقيق المكانة السياسية، إلى تلك التي توفّر إجابات عن اهتمامات الناس الحقيقية. ولعل هذا سيجعل لبنان قادراً على صون وحدته المجتمعية، والتصدّي، ولو متأخراً، للنزف والهجرة.
* أستاذ جامعي لبناني