حين تباشر الثورة عملية القطيعة المتدرّجة مع البنى الموروثة من النظام القديم فستجد نفسها إزاء حالة تقع الفوضى في صلبها. الفوضى هنا ملازمة لعملية الهدم وتكاد تكون شرطا لها أيضاً. ومن جملة شروطها كذلك ألا تحدث وصاية على عملها من أطراف لا يناسبها أن تتحلّل أجهزة القمع التي تحمي امتيازات الكومبرادور المحلي بهذه السرعة. قد يكون هؤلاء ــ أي الأطراف ــ إلى جانب الثورة أحياناً، ولكنهم يتخوّفون من صيرورتها التي «يتّضح مما يحدث في مصر أنّها جذرية أكثر مما نعتقد. في تونس لم يتح للجذرية تلك أن تجد حاملها الاجتماعي بعد» (تتحمل القيادة البورجوازية للاتحاد العام التونسي للشغل مسؤولية أساسيّة عن ذلك). ولم يبد على «قوّة الدفع» التي رافقتها أنها راغبة في الذهاب أبعد مما ذهبت حتى الآن. سيكون على الطبقة العاملة وأحزابها هناك لو أرادوا المتابعة فعلاً أن يبذلوا جهداً مضاعفاً. فقد فوّتوا على أنفسهم وعلينا فرصة ذهبية إن لم يكن لإسقاط السلطة الطبقية بالكامل فعلى الأقلّ لإحداث «تعديل» جوهري في بنيتها وفي أنماط مزاولتها للسياسة. ثمّة خيبة حقيقية في تونس الآن يعبّر عنها خير تعبير ائتلاف اليسار المسمّى بالجبهة الشعبية. هؤلاء في معظمهم آتون من خارج النخبة المافيوية التي تعاود اليوم إغلاق الأفق الذي انفتح على مصراعيه مع تطوّر حركة الاحتجاج الاجتماعي. ولأنّهم كذلك تقع على عاتقهم مجدداً مهمة جرّ السلطة إلى حيّز لا تكون فيه قادرة على التملّص أو الاحتواء. بإمكانهم الاستفادة من الانتفاض الجاري حالياً في مصر، فهناك تتولّد ديناميات توحي بالفوضى وبإمكانية «جرّ المجتمع» ــ أو بعضه ــ إلى صدام «محسوب» مع السلطة ومن يقف وراءها. في الحقيقة هي ليست فوضى إلّا بمقدار معيّن هو مقدار القضم من الأرض التي تقف فوقها السلطة. حتى الآن يعجز التونسيون عن الإتيان بفعل مماثل. أتيح لهم شرط موضوعي لفعل ذلك غداة اغتيال المناضل الراحل شكري بلعيد لكنهم فوّتوه باستعمالهم لتكتيكات تعرفها البورجوازية المافياوية المشغّلة للنهضة وحلفاؤها جيداً. عليهم الآن كما على غيرهم أن يراقبوا المشهد المصري جيداً. لسنا بالطبع في وارد إسقاط فعل إرادوي على سياق محدّد له شرطه الموضوعي وصيرورته المستقلة. الأمر ليس على هذا النحو أبداً. ولو كان كذلك لانتفت من الأساس إمكانية مواكبته نظرياً. أصلاً لا يحتاج المصريون إلى من يحدّد لهم سياقاً لانتفاضهم المستمرّة منذ عامين. هم الآن في اللحظة التي تجعل منهم «قادة فعليين» للنماذج الاحتجاجية التي «ضلّت طريقها» أو لاقت في مواجهتها عوائق يصعب تخطّيها كيفما كان. ليس ثمّة مسطرة يمكن القياس عليها هنا، بل بالعكس قد تفضي عملية «الاقتداء بهم» إلى مغادرة كلّ الأشكال التي مرّ بها الصراع في المنطقة طيلة عامين. قطعاً ليست سوريا من ضمن هذه المروحة لأنّ ما يجري فيها يحتاج إلى تعريف مختلف لمعنى الصراع. ما يحصل الآن أنّنا نقترب بمعيّة الاحتجاجات الجذرية في مصر إلى نسق من الفوضى لا يمكن «التعامل معه» بسهولة. لقد جرّبت السلطة الاخوانية فعل ذلك بأساليب مختلفة وعبر تسخير شتّى أنواع القمع ولم تفلح. والأرجح أنّ عجزها سيستمرّ إلى أمد طويل، وكلّما استمر أكثر ازدادت قدرة الثوريين بتلاوينهم المختلفة على شلّ ما بقي من قدرتها على مزاولة القمع. لنلاحظ هنا أنّها تخلّت عن فكرة الميليشيات بعد ظهور ملامح انتقال الانقسام داخل المجتمع من ضفّة إلى أخرى (من ضفّة فلول - ثوريين إلى ضفّة علمانيين - اسلامويين). في ما بعد استعملت الشرطة «كبديل» ما لبث أن تصدّع هو الآخر تاركاً المجال لانتقال حمّى الإضرابات إلى جسم النظام نفسه. لم يسبق أن حدث هذا الصدع داخل النظام في أيّ مكان آخر (حتى في سوريا حيث خضعت فكرة الانشقاق لتلاعب سياسي لا يحتمله مبدأ الإضراب المعمول به في مصر)، ولم يتح لآخرين أيضاً من خارج مصر أن يختبروا معنى إجبار السلطة وهي في كامل قوّتها- بخلاف نظيرتها المتصدّعة والمتآكلة في سوريا- على الانسحاب والتقهقر والانزواء بعيدا عن مدّ الجماهير وغضبها العارم. إذا كانت هذه هي الفوضى التي يتحدّث عنها البعض فلا بأس ما دامت الغاية منها هي المزيد من تفكيك السلطة وحماية «وحدة المجتمع». بالطبع ثمّة تسيّب أمني سينتج عن انسحاب الشرطة، وخصوصاً أنّ هنالك تلويحاً من السلطة الآن بمعاودة العمل بفكرة الميليشيات. وهذا أمر يتعيّن على من يطرح نفسه «بديلاً عن السلطة» معالجته بدل الاكتفاء بالوعظ وتخويف الناس من مغبّة انزلاق الثورة إلى مربع العنف. والحال أنّها قد انزلقت وانتهى الأمر، سواء بفعل بطش السلطة وإجرامها أو بفعل اعتقاد قطّاع معين من الثوريين أنّ الطريق إلى تفكيك هذه الأخيرة وأجهزتها المجرمة يمرّ إن لم يكن بالعنف فعلى الأقلّ بالتلويح به. في حالة بورسعيد مثلاً لم تجر الاستعانة بالعنف، ولا حتّى بالقليل منه إلّا إذا اعتبرنا محاصرة السجن من جانب أهالي المتهمين بقضية مجزرة التراس الأهلي عنفاً ــ حصلت محاولة اقتحام للسجن من جانب البعضــ. والحدّ الفاصل بين الأمرين كان لجوء السلطة إلى العنف. فبمجرّد أن فعلت ذلك أجبرت الاهالي على الانتقال من مربّع التلويح بالعنف إلى مربّع مزاولته جدّياً. تمّ وفقاً لهذا إحراق جزء من مديرية الأمن المحاصرة، وكان واضحاً أنّ المحتجين لن يرضوا بعد ذلك بأقلّ من خروج الأمن والشرطة تماما من المدينة. وقد حصل ذلك بالفعل، حيث تمّ إيكال شؤون بورسعيد وإدارتها للجيش حصراً، ليس لأنّه بعيد عن فكرة مزاولة العنف والقتل بل لكونه لم يتورّط في تلك البقعة من الأرض في جرّ المجتمع إلى الفوضى والتفكيك بالواسطة. ولو جرّب التورط في ذلك كما سبق له أن فعل في مجزرة ماسبيرو فلن يكون حظّه أفضل من حظّ الشرطة وأجهزة الأمن. ثمّة ما ينبئ هنا باستحالة تكرار سيناريو الفوضى الذي لجأت إليه نظم عديدة قبل النظام الحالي في مصر. حينها كان توريط الجيش هو الوصفة الملائمة لفعل ذلك. فبمجرّد أن يزجّ به في الحرب ضدّ الشعب أو جزء منه يحدث الانقسام وتبدأ الفوضى بالصعود من أسفل إلى أعلى. وهو ما تفاداه المصريون حتى الآن رغم كلّ الدفع للزجّ بالجيش في أتون الصراع. سيكون على الثوريين في مصر لاحقاً أن «يواجهوا جيشهم» ولكن في سياق مختلف عن سياق المواجهة العنفية معه. من مصلحة الكتلة الاحتجاجية الصلبة أن تكون هنالك مواجهة محسوبة مع الجيش، فهو مثله مثل أيّ سلطة أخرى لا يرتاح لما تفعله الثورة بالمجتمع، ولا يتغذّى إلا على القمع (المحاكمات العسكرية للمدنيين) وعلى الدمج بين الثروة والنفوذ (لديه «امبراطورية اقتصادية» يمنع على أحد المساس بها). من الممكن أن ينتج عن مواجهة مماثلة فوضى معيّنة، ولكنها ستكون أقلّ بكثير من الفوضى التي يصطنعها النظام في مواجهة محاولة إسقاطه وتعطيل أجهزته الأمنية. بالطبع هذا النقاش مؤجّل الآن لأن الصدام مع الجيش لا يجد له مكاناً وسط الأجندات المختلفة التي يحاول النظام فرضها على الثورة. وغالباً ما يكون التحايل سنداً للقمع في إحداث التعديلات (أو الأجندات) تلك. فهو ــ أي النظام ــ يجرّ المجتمع إلى صراعه ضدّ الثوريين ثم يتهمهم بفعل ذلك، ويستدعي عنف الميليشيات في الاتحادية وغيرها قبل أن يسلّط أبواقه على الاحتجاجات متّهماً أصحابها بالتخريب والاعتداء على الممتلكات العامة وتعميم الفوضى داخل المجتمع! حين تكون مزاولة السلطة من جانب النظام على هذه الشاكلة يصبح لزاماً على الثوريين معاودة ترتيب أولوياتهم. فمثلاً كانت المواجهة مع العسكريتاريا الفاشية أولوية بالنسبة إليهم حين كان المجلس العسكري هو الحاكم الفعلي للبلاد، وعندما أزيح عن السلطة بترتيب متّفق عليه بين الإخوان والأميركيين بقي التصويب عليه قائماً، ولكن مع تعديل بسيط يطاول الوجهة فحسب. في الحالتين بقيت الانحيازات الاقتصادية للمؤسّسة العسكرية بمنأى عن الاحتجاج، وهو ما يجب تفاديه لدى الانتهاء من «الصدام الوجودي» مع النظام وأجهزة أمنه. يتعيّن كذلك على الثوريين وهم ينشغلون اليوم بالمواجهة الكلّية مع الأمن والشرطة أن يفصلوا بين من يجب مواجهته بشراسة لأنّه يحمي امتيازات الرأسماليين الكبار واحتكاراتهم، ومن يجب تحييده لكونه مثلهم ضحية لزواج الإكراه بين النظام ونخبته الطبقية. لنقل أنّ ما يعوز الثورة في «مواجهتها مع الجيش» هو ذاته ما يعوزها في صراعها العنيف ضدّ السلطة وأجهزتها: التصويب على الانحيازات الاجتماعية للنّخبة الحاكمة. سيكون لادماج هذا النّسق من التفكير ما بعده فيما لو جرّبت الثورة أو موجتها الجديدة أن تكسو «عظمها» لحماً مماثلاً. لا يجري الحديث هنا عن ثورة كاملة، إذ لم يعرف عن هذه الأخيرة أنها قد قامت حتّى الآن، إلا أنّ الثورات التي استطاعت تنظيم الفوضى والحفاظ على «تماسك المجتمع» هي تلك التي امتلكت صياغة نظريّة لفكرة العلاقة بين الطبقات سواء أكان شكل العلاقة تلك صراعياً أم لم يكن. بكلمة أخرى، ما تحتاج إليه الثورة لاستئناف قطيعتها مع النظام القديم وموروثاته هو الوضوح في ما خصّ انحيازاتها هي. فانحيازات النظام معروفة ولم يحصل أن مسّها أحد رغم كلّ الكلام المعلن عن قوة دفع «الثورة». أيضاً ما سيجعل من الفوضى الناجمة عن هدم النظام وأجهزته أمراً محتملاً هو ــ كما ذكرت أعلاه ــ المزيد من تحييد الفقراء داخل الأجهزة تلك عن الصراع، ودمجهم إن أمكن في المعركة ضدّ السلطة. وهو أمر معقّد بعض الشيء ويحتاج إلى جهد نظري ودعائي مواز للجهد المبذول حاليا في مواجهة الشرطة وأجهزة الأمن. حتّى الآن لم يحصل ذلك، ولا يمكن التعويل على إضرابات الشرطة وحدها لاحداث تعديل مماثل، فهي وان كانت تشكل «تطوّراً مذهلاً» بالمقاييس المتعارف عليها لعمل النظام، إلّا أنّها تفتقر مثلها في ذلك مثل باقي الاحتجاجات ــ باستثناء العمّالية منها ــ إلى من يجذّر لها هذا الانزياح ويؤدلجه. وحده الوعي بالمسألة الاقتصادية وانحيازاتها من يستطيع فعل ذلك. وبانتظار أن يتبلور الوعي ذاك سيدفع المجتمع الثمن من لحمه ودمه، وستستمرّ الثورة في النزيف وفي خسارة المزيد من المؤيّدين وأصحاب الأفكار المسبقة. هي فوضى فعلاً، ولكنها «حتمية»، أقلّه للولوج إلى القطيعة الكاملة مع النظام، لا مع نهجه الأمني فحسب. ليست مصر وحدها من تقول ذلك، تونس أيضاً تفعل ولكن على طريقتها.

* كاتب سوري