باستقالة البابا بنديكتوس الثاني، يعود التواصل بين مرحلتي البابا يوحنا الثاني، والبابا الجديد فرانسيس الأول. كأن العملية الانتخابية منذ إعلان استقالة بنديكتوس، وحتى انتخاب فرانسيس الأول هدفت إلى توصيل ما انقطع بين مرحلتين: واحدة أفلت، وأخرى تتقدم.

فالبابوية لم تكن مركزاً دينياً محضاً، ولم يغب دورها السياسي في يوم من الأيام. ربما اختلفت اللعبة والدور من التقرير المطلق للوضع السياسي في أوروبا العصر الوسيط، قبل اندلاع حركة مارتن لوثر ويوحنا كالفن، فيما عرف بالثورة الدينية التي قلصت دور البابوية وفتحت الباب على مصراعيه لتقدم الحداثة، إلى دور أقل تأثيراً، وصولاً إلى القرن الأخير حيث بدا دورها هامشياً إلى حد بعيد، لكن دون أن يغيب بالكامل، وظل للفاتيكان دور ما مؤثر في التطورات العالمية.
وما إن أعلن انتخاب البابا الجديد فرانسيس الأول ــ أميركي لاتيني أرجنتيني الهوية واللغة والانتماء ــ للكرسي الفاتيكاني، حتى اندلعت وسائل الإعلام المختلفة بالتهنئة على النتيجة. أمر طبيعي لا بد منه في مناسبات كهذه.
ولا بد من ملاحظة، بدايةً، وهي الدور الجماهيري الهام الذي لعبته الكنيسة الكاثوليكية إلى جانب الحركات الشعبية التي شهدتها أميركا اللاتينية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي بمواجهة تسلط الأنظمة السائدة آنذاك، والانقلابات التي جرت فقلبت واقع أميركا الجنوبية من منطقة ساعية للتحرر من السيطرة الأميركية، إلى منطقة استتب فيها الوضع للأميركيين بإقامة أنظمة حكم ديكتاتورية عسكرية.
وينتخب البابا الجديد فرانسيس الأول من أميركا الجنوبية في الوقت الذي تقوم في القارة أنظمة حكم ذات طابع يساري معارض للسيطرة الخارجية، خصوصاً الأميركية. وتتم العملية بعد الوفاة السريعة والملتبسة للرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز الذي لعب بـ«كاريزميته» دوراً هاماً في دعم الحركات الشعبية المناهضة للوجود الأميركي. وتدخل فنزويلا في صراع حاد ومتجدد لانتخاب خليفة لشافيز، بينما تبدأ بزخم تحركات المعارضة الفنزويلية ذات الميول الأميركية المعروفة.
وثمة أمران متلازمان مع العملية الانتخابية للبابا تفسحان المجال للتمادي بالتساؤل، وبعض الظنون، في الدور الذي ينتظر البابا الجديد. الأمر الأول، الطريقة الملتبسة التي فرغت بسببها سدة البابوية بطريقة غير مسبوقة في تاريخ الدولة الصغيرة، الفاتيكان، التي لم تُخف جيوشها مؤسس امبراطورية الاتحاد السوفياتي، ستالين، عند انضمامها إلى «المحور» التحالف الذي قاده هتلر في الحرب العالمية الثانية. لكنها تمكنت من هز العروش التي خلفها وراءه في أوروبا الشرقية، بعد عقود على وفاته في حقبة انهيار منظومته الاشتراكية ــ الستالينية، التي كان الفاتيكان أحد أبرز مفعلي حركاتها الشعبية تعبئة وتحريضاً ضد أنظمة الحكم فيها.
فمن المعروف أن يوحنا بولس الثاني كان بولندياً، بينما اندلعت أولى وأوسع الحركات الشعبية في أوروبا الشرقية في بلده بقيادة النقابي ليش فاليسا، فاتحة المجال لامتداد نيران التحركات المماثلة إلى باقي دول أوروبا الشرقية.
والفراغ الذي أدى إلى انتخاب فرانسيس الأول وقع في ظل التباسات مختلفة، ومنها مثلاً تسرّب معلومات عن انشقاق في الكنيسة إثر ما قيل عن تحوّل عدد من الكرادلة إلى الإسلام، لم تلبث هذه المعلومات أن طويت ولفلفت. أمور مختلفة دفعت البابا السابق بنديكتوس 16 للاستقالة، مقدماً تبرير استقالته ببلوغه سناً متقدمة. تبرير تقليدي، بديهي من جهة، لكنه غير مقنع لأنه عند انتخابه بابا لم يكن مجهول السن، وتالياً لانتخب سواه منذ حينه، من جهة ثانية.
كما أن البابا يوحنا بولس الثاني ــ سلف بنديكتوس ــ ظل في سدته حتى وفاته، ولم يكن أصغر سناً، ولا أحسن صحة، ما يضع الكثير من علامات الاستفهام على استقالته.
الأمر الثاني، المرحلة التاريخية الجارية في العالم، في ظل التحولات الانقلابية في موازين القوى بين الشرق والغرب. فالانتخاب يجري وسيدة العالم الامبريالي ــ الولايات المتحدة ــ تعاني من جملة صعوبات تضعف قدرتها على فرض سيطرتها، واعتماد قرارها على العالم. فهي في أزمتها المالية الاقتصادية لم تتمكن من الخروج، ولا يبدو الخروج منها قريب المنال، وهي في هزيمة عسكرية وسياسية في العديد من دول العالم، بدءاً من أفغانستان فالعراق ففلسطين.
كما أن أوضاع شمال أفريقيا لم تستتب وفقاً لما ترغب، ولم تتمكن مع العديد من دول العالم من فرض إرادتها على إيران بخصوص السلاح النووي.
وتسعى الولايات المتحدة في ضوء هذه الصعوبات التي أضعفت قدرتها على التدخل، إلى البحث عن بدائل خارج دول وأسواق العالم، بينما تتقدم داخلها دعوات إلى الانكفاء، والاكتفاء بالداخل الأميركي، وإلى ما يقال عن اعتماد ترتيب البيت الداخلي الأقل كلفة، خصوصاً على مستوى الخسارة البشرية العسكرية. ويتجلى الضعف الأميركي في عدم قدرتها على فرض مشروعاتها التقسيمية في الشرق الأوسط، وبلبلة موقفها من الأحداث السورية، وصولاً إلى تراجعها عن شعارات هامة وكبيرة سابقاً، وهي دعوة الرئيس السوري بشار الأسد إلى الرحيل، ومحاولات التحاقها بركب التسوية السورية في الهامش المقدم إليها من قبل الدول الكبرى الصاعدة بقوة استراتيجياً واقتصادياً وتنموياً وتقنياً في المنطقة، أي روسيا والصين، وإيران كرأس حربة الصدام معها.
تسعى الولايات المتحدة إلى التعويض عن خسائرها في العالم بفتح أسواق جديدة، وليس أهم وأنسب لها من جارتها أميركا الجنوبية التي كانت على الدوام محط أنظار الأميركي، وهي الكثيفة السكان، وكثيرة التسلح، والثرية بالمواد الخام، بينما تسيطر على دولها أنظمة حكم معادية لا تتوافق سياساتها مع المصالح الأميركية.
في الخمسينيات والستينيات، لجأت الولايات المتحدة إلى إعادة السيطرة على الساحة الأميركية الجنوبية بسلسلة انقلابات عسكرية غير متوافرة اليوم. لكن واشنطن غيّرت آليات اللعبة منذ أواخر القرن الماضي بالاعتماد على اللعبة الجماهيرية التي نجحت فيها، واستفادت منها في أوروبا الشرقية فيما عرف بالثورات الملونة، وفي لبنان فيما عرف بحركة ١٤ آذار، وتحاول الاستفادة منها في العالم العربي في تحركاته الحالية.
في إطلالته الأولى على الجماهير، كان البابا الجديد يخاطب الجماهير أمامه بلغته ولغتهم المشتركة، وبدت علامات التأثير وبوادره عليهم من اللحظات الأولى لانتخابه، فهو يعرف لغتهم، ويتلمس أحاسيسهم.
ومع ذلك لا بد من الانتظار بعض الوقت ليتضح الدور البابوي الجديد في الجنوب الأميركي. فإما يكون المحرض الجماهيري ضد السلطات القائمة في فنزويلا والأرجنتين والبرازيل وبقية أميركا الجنوبية استكمالاً للدور الذي ما انفكت البابوية تلعبه للصالح السياسي للغرب بقيادة الولايات المتحدة، وإما دوراً اجتماعياً ــ انسانياً لصالح الجماهير الشعبية متوافقاً مع المضمون الديني الانساني المفترض
للبابوية.
الضوء الأخضر أطفئ بانتخاب فرانسيس الأول، ونحن أمام الضوء البرتقالي، في موقف القليل من الانتظار.
* كاتب وصحافي لبناني