في أواخر شهر شباط الماضي، قام البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي بزيارة تاريخية لروسيا، وهي أول زيارة يقوم بها بطريرك ماروني إلى حصن الأرثوذكسية الحصين.

تأتي هذه الزيارة على خلفية معطيات إقليمية ودولية لا يمكن المرور عليها مرور الكرام، لأنها الحافز الموضوعي للقيام بهذه الزيارة. وأهم هذه المعطيات:
_ أن الوجود المسيحي العربي هو تاريخياً أكبر عائق موضوعي أمام الاستعمار الغربي للوطن العربي، لأن كل مقولات الغرب الاستعماري لتبرير استعمار الشرق كـ«صراع الحضارات»، و«الإرهاب الإسلامي»، و«التخلف»، و«التحديث»، وغيرها من الأكاذيب تسقط أمام الوجود المسيحي العربي. ولذلك فإن القاعدة الأساسية في الغزو الاستعماري للشرق العربي هي العمل أولاً، وقبل كل شيء للتخلص من الوجود المسيحي العربي خاصة والشرقي عامة.
_ إن أميركا التي لعبت دور المايسترو الرئيسي في تفجير الحرب اللبنانية سنة 1975، والتي كانت تحضر البواخر لترحيل المسيحيين، ولتوطين اللاجئين الفلسطينيين فيه على طريق إقامة «الدولة اليهودية» الخالصة؛ والتي ـــ أي أميركا ـــ كان أول ما نفذته في العراق بعد احتلاله سنة 2003 هو تهجير ثلاثة أرباع المسيحيين العراقيين. إنّ أميركا هذه هي التي نفخت في شرارة ما سمي «الربيع العربي»، وعلى رأس المهمات التي تضعها نصب عينيها هو اقتلاع جميع المسيحيين العرب من بيوتهم وأوطانهم وتشتيتهم في كل أرجاء المعمورة. لأنّ الإدارة الأميركية تدرك تماماً أنّ الوجود المسيحي العربي هو أكبر عائق أمام الهيمنة الأميركية ـــ الصهيونية المطلقة على المنطقة.
_ مع كل مأسوية التجربة اللبنانية، فإن محاولة الأحزاب الطائفية المسيحية لتحويل لبنان إلى محمية إسرائيلية لم تنجح. هذه المحاولة لم تكسر القاعدة الأساسية للوجود المسيحي العربي كعامل إعاقة للاستعمار الغربي للعرب، بل إنها، بفشلها، كرّست هذه القاعدة.
_ إن أوروبا هي لاهية بأزماتها الاقتصادية والاجتماعية، وتبيع كل مسيحيي الشرق ببرميل نفط كما كان يقول المرحوم ريمون إده. وإن «الأم الحنون» فرنسا، غارقة في الأزمة الاقتصادية التي تهدّد بتفجيرها من الداخل، وقد غرقت في رمال الحرب الليبية سعياً وراء النفط، وهي الآن تغرق في رمال مالي سعياً وراء وهم تجديد الاستعمار القديم بأقنعة «ديغولية» أو «اشتراكية» جديدة. وهي لاهية تماماً عن مصير المسيحيين العرب، بمن فيهم المسيحيون اللبنانيون الذين كانت تدّعي يوماً حمايتهم. بل إنها ترفض إطلاق سراح المناضل جورج ابراهيم عبد الله إرضاءً لإسرائيل وأميركا.
_ لقد تم الإعلان عن اكتشاف النفط والغاز في شرقي البحر الأبيض المتوسط. والجديد في هذا الأمر هو الإعلان عن الاكتشاف. أما الاكتشاف بحدّ ذاته فقد تم منذ سنوات طويلة، وعلى الأقل منذ افتعال الأزمة القبرصية في مطلع السبعينيات واحتلال الجيش التركي لشمال قبرص عام 1974. فهذا الاحتلال تفوح منه أولاً وأخيراً رائحة النفط والغاز المكتشف. وليس من الصدفة أن يتزامن الإعلان عن اكتشاف النفط والغاز في شرقي البحر الأبيض المتوسط مع إطلاق شرارة «الربيع العربي»، وخصوصاً المعركة الدائرة في سوريا.
_ خلال الحرب العالمية الأولى، عقد «الحلفاء» المنتصرون «صفقة القرن العشرين» مع جماعة «تركيا الفتاة» وفحواها: اذبحوا لنا المسيحيين الشرقيين (اللبنانيين والأشوريين والسريان والأرمن واليونانيين)، وخذوا دولة تركية قوية حديثة. ويبدو من المعطيات الجارية حالياً أن أميركا والصهيونية العالمية تخططان لتنفيذ «صفقة القرن الواحد والعشرين» بين أميركا والتيار «الإسلامي» المزيّف. وفحوى هذه الصفقة هو: خذوا السلطة في البلاد العربية كلها، وفي منطقة «الشرق الأوسط الكبير» كلها (كما سماها جورج بوش الابن)، واذبحوا المسيحيين وكل من يقف بوجهكم، واعطونا النفط والغاز.
_ هذه الصفقة تعني أن خطرين داهمين يتهددان شعوب «الشرق الأوسط الكبير» وهما:
أولاً: خطر اقتلاع وطرد مسيحيي الشرق، ومن ثم قمع وسحق مختلف الأقليات الأخرى غير المسيحية، وعلى رأسها «الأقلية الكبرى» الشيعية.
ثانياً: خطر إسقاط جميع بلدان «الشرق الأوسط الكبير» في براثن الظلامية «العثمانية الجديدة»، التي تحاول أن تسخّر الهوية الإسلامية لخدمة الاحتكارات النفطية العالمية.
_ إن البابوبة الكاثوليكية (الفاتيكان) التي، خصوصاً بعد سقوط المنظومة السوفياتية، أخذت تنأى بنفسها أكثر فأكثر عن السياسة الأميركية ـــ الإسرائيلية، أصبحت أكثر قلقاً على مصير المسيحيين العرب الشرقيين. ولهذا فإنها أصبحت عرضة لحملات ومؤامرات مكشوفة ومستورة من قبل الدوائر الإمبريالية والصهيونية، امتداداً لمحاولة اغتيال البابا يوحنا بولس الثاني في أيار سنة 1981. ومن المعلوم أن محمد علي أقجا (مطلق النار على البابا) ادّعى، حينها، أن مؤامرة محاولة اغتيال البابا تمت بالتعاون مع الاستخبارات البلغارية، بهدف مكشوف، هو دفع الفاتيكان للمشاركة بقوة في حملة معاداة «المعسكر الاشتراكي» حينذاك. واليوم يصدر محمد علي أقجا كتاباً يدّعي فيه أن الذي أمره باغتيال البابا هو الإمام الراحل آية الله الخميني. والهدف واضح تماماً، وهو تحريض الفاتيكان والمسيحيين ضد إيران وحزب الله وكل جبهة المقاومة ضد إسرائيل.
_ مع التطورات الدراماتيكية لما سمي «الربيع العربي»، أدركت القيادة الروسية أنه يأتي في رأس الأهداف المتوخاة من هذا الهجوم المشبوه للاستخبارات الأميركية ـــ الصهيونية هو تحويل هذه البلدان إلى قاعدة انطلاق للعدوان على روسيا، وضرب السلم الأهلي فيها باسم الدين الإسلامي، واستغلال وجود أكثر من 20 مليون مسلم في الفيدرالية الروسية.
ولهذا، وقفت روسيا بحزم ضد التدخل في الشؤون الداخلية للدولة السورية والشعب السوري، ودعت إلى ترك السوريين يحلون شؤونهم بأنفسهم على قاعدة السلم الأهلي والوحدة الوطنية والسيادة الوطنية. وهو ما يحفظ حقوق جميع مكونات الشعب السوري، بكل الأبعاد الديموقراطية، والسياسية، والإتنية.
وأدّى الموقف الحازم الروسي ضد المؤامرة الكبرى على سوريا، إلى فضح حقيقة هذه المؤامرة وأهدافها السوداء، التي يأتي في رأس ضحاياها: الوجود المسيحي في سوريا، ومن ثم في باقي الدول العربية. والموقف الروسي الحازم من الأزمة السورية، كسر تماماً حدّة الهجمة الأميركية ـــ الأطلسية ـــ الصهيونية على الشعوب والبلدان العربية. وأرسى الأسس الموضوعية لتحطيم هذه الهجمة نهائياً.
على خلفية هذه المعطيات الموضوعية، قام البطريرك مار بشارة بطرس الراعي بزيارته التاريخية لروسيا. ومن خلال ما أعلن عن هذه الزيارة، يتبيّن بوضوح أن الزيارة كان لها ثلاثة أبعاد مصيرية هي:
أولاً: الوجود المسيحي في لبنان وفي جميع الأقطار العربية، باعتباره جزءاً حضارياً وبشرياً من المكونات الأساسية للأمة العربية.
ثانياً: مستقبل ومصير البلدان العربية كبلدان مستقلة وحرة، محصّنة ضد الهيمنة الاستعمارية الخارجية، وضد النزعة الظلامية «العثمانية الجديدة»، وجديرة بأن تنعم بالديموقراطية والرفاهية، بعيداً عن التسلط والهيمنة الغربية والصهيونية وتضطلع بدورها الحضاري العالمي.
ثالثاً: التفاهم والتقارب على طريق الوحدة بين الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية كشرط من شروط تجاوز السياسة الاستعمارية العالمية وللوقوف بوجه سياسة التسلط والهيمنة الأميركية ـــ الصهيونية، وأداتها المفضلة، أي التنظيمات الإسلامية المزيفة.
* كاتب لبناني