يعترف النظام اللبناني بشرعية الطوائف بموجب المادتين ٩ و١٠ من الدستور، لكن حدود مسؤوليات هذه الطوائف قابلة للتمدد والتوسع في الواقع، ولا سيما في أوقات الأزمات، مما يؤدي إلى احتكار التمثيل الطائفي وتجاوز صلاحيات الدولة.

إن انعدام وجود حدود للسياسة في لبنان ينطبق على المقدس أيضاً. ففي هذا البلد، نستطيع إعطاء طابع سياسي لكل مشكلة، كذلك نستطيع دراسة هذه المشكلة من وجهة نظر طائفية.

فالمواضيع الاجتماعية، الإقليمية، الثقافية، الحزبية، الايديولوجية،... كلها مواضيع تعكس الاختلافات الدينية أو هي متلازمة مع الدين والطائفة. فكل عضو في طائفة ينتمي إلى منطقة، إلى طبقة اجتماعية وإلى مستوى ثقافي معين. فالمنطقة، كما المستوى الاجتماعي والتعليمي، متلازمة مع العامل الديني. إن التمييز الديني يسلط الضوء على كل العوامل الأخرى.

تسييس المقدس

تعامل البعض مع تطويب بابا الفاتيكان بول السادس للراهب الماروني شربل (١٨٢٨-١٨٩٨) على أنه وسيلة للدفاع عن الهوية الوطنية، بينما تعامل البعض الآخر معه كوسيلة لرفض الانتماء. ففي سبيل الاستغلال السياسي، جرى طمس الطابع الكوني للقداسة وسموها والتركيز على جنسية القديس الجديد. فكتبت جريدة العمل في ٩ تشرين الأول ١٩٧٧: «إنه يوم الفرحة العظيمة للطائفة المارونية. إن تطويب مار شربل قديساً اليوم يعني أن الله حريص على مستقبل الطائفة المارونية بوجود أحد قديسيها معه». وذكرت نفس الصحيفة مراراً وتكراراً كلمة «لبنان» في كل مرة كانت تذكر فيها اسم القديس شربل. أما رئيس الوزراء «السني»، فقد اعتذر عن عدم حضور الاحتفال الديني الذي كان مدعواً إليه في عنايا في ٩ تشرين الأول ١٩٧٧، ما سمح في المجال لعدة تفسيرات طائفية سياسية من قبل صحيفة أخرى.
في مواجهة هذا «التأميم» للقديس الماروني، أصدر المركز الإسلامي للتربية بياناً من خمس نقاط في بيروت، يحتج فيه على «الحكومة اللبنانية والطائفة المارونية لإظهارهما لبنان كأنه بلاد للموارنة، من خلال التسميات التي أطلقتها هذه الطائفة على شخصيات ومرجعيات عليا، بمباركة الدولة». وأضاف البيان: «إن تسميات مثل سيدة لبنان، راعي لبنان، قديس لبنان، والإجراءات المرافقة لتكريم المستفيدين من هذه الألقاب بمشاركة رسمية من الحكومة في معظم الاحتفالات تعطي لبنان طابعاً مارونياً، ما يمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق ومشاعر الطوائف الأخرى. إن تقديم مار شربل كقديس لبنان هو احتقار فاضح، لأن معظم سكان لبنان ليسوا موارنة. إن مشاركة رئيس الدولة في هذه الاحتفالات مقبولة بصفته المارونية، لكن مشاركته كممثل لجميع اللبنانين مرفوضة من قبل المسلمين الذين يؤمنون بدينهم. ولا يحق للبرلمان أن يرسل وفداً للمشاركة باسم جميع اللبنانيين في هذه الاحتفالات، لأن من شأن ذلك أن يظهر كأننا نعيش جميعاً في بلد ماروني لا بلد متعدد الطوائف. كما أنه من غير المسموح به أيضاً لوسائل الإعلام أن تقدم تطويب الراهب شربل كأنه عيد للبنان، وذلك لعدم تصوير لبنان في وسائل الإعلام الرسمية كدولة مارونية» (الوطن، 10 ت1 1977).

التسييس الطائفي للتربية

واجه المشروع الذي ينص على اعتماد الطلاب في المراحل الابتدائية على لهجتهم المحكية في التعبير باللغة العربية حملة دينية بحجة الخوف من تحوير لغة القرآن، لكن هذه الحملة تبرز ظاهرة إقحام مواضيع تربوية في أطر سياسية، وجرت معالجة هذا الموضوع من قبل واضعي المشروع الذين أظهروا طابعه التعليمي البحت. ففي عام ١٩٧٣ تعرض مركز البحوث والتنمية التربوية لحملة من قبل أحد رجال الدين، تحت عنوان الخطر الذي يمثله المشروع المذكور على لغة القرآن. لم يتم الرد على هذه الحملة، لأنه تبين لاحقاً أنّ الهدف منها لم يكن تربوياً، بل استغلال الموضوع من ناحية دينية كوسيلة للضغط من أجل تجديد عقد توظيف أحد الموظفين.

التسييس الطائفي للاقتصاد

في زيارة للاقتصادي البلجيكي «فان إد» للبنان في الأربعينيات من القرن الماضي بهدف وضع خطة للاقتصاد اللبناني، شرح للرئيس رياض الصلح المشاكل التي تعيق وضع خطة اقتصادية للبنان كما يلي: «لم أكن أعرف أن التفاح في بلدكم ماروني، والليمون سني، والتبغ شيعي، والزيتون أرثوذكسي، والعنب كاثوليكي. لو عرفت ذلك قبل مجيئي لما كنت قد خاطرت بسمعتي كخبير في بلد تنتسب فيه كل فاكهة ونبتة إلى مذهب وطائفة» (الحوادث، 7 نيسان، العدد 1118).
إن كل شيء يجري تقديسه لأسباب لا تتعلق بالتنمية الاقتصادية المتوازنة بين «المناطق الطائفية»، بل من أجل استخدامه في المنافسة السياسية.

التسييس الطائفي للمؤسسات

إن ظاهرة منح امتيازات للرئيس الماروني للجمهورية وللرئيس السني للحكومة كانت دائماً موضوعاً خاضعاً للتسييس تحت غطاء حقوق الطوائف، كوسيلة في المنافسة السياسية، لكون الرئاستين تشكلان موضوعاً مهماً داخل كل من الطائفتين. إن تشويه سمعة كل من رئيس الدولة أو الحكومة يكون بإثارة موضوع امتيازات كل منهما. ينجح التسييس عندما ينبري اختصاصيو وقادة الطائفة التي ينتمي إليها الرئيس موضوع النقد للرد بدراسات «موضوعية» على مثيري الموضوع. الهدف من ذلك هو حشر أحد الرئيسين ودفعه إلى الاستقالة، إلى اعتماد وتبني سياسات معينة أو الوصول إلى تسوية معه. كل ذلك في سبيل تسلق موقع أو من أجل موضوع خاص. لذلك يجري تسييس مشاكل الخوف بين الطوائف، كما الامتيازات والضمانات على نحو دوري ودائم دون إيجاد حلول جذرية لهذه المخاوف.

التعبير الطائفي السياسي

من الصعب أن تخلو أي من خطابات رجال السياسة في لبنان اليوم، أو من كتابات الصحافيين وكل من يتعاطى الشأن السياسي، من تعابير طائفية أو دينية. فلو عدنا بالذاكرة إلى الوراء، ولنأخذ مثالاً أحد المؤتمرات الصحافية بتاريخ ١٨ نيسان ١٩٦٨، حيث صدرت الصحف في اليوم التالي محتوية في صفحة واحدة على ١٠٤ كلمات طائفية:
«إذا فازت اللائحة (...) فإن تمثال السيدة العذراء سيستبدل بتمثال عبد الناصر».
«لقد رفع أحد المرشحين الصليب وقال: أنا مرشح الصليب، انتخبوني!». «اتُّهم أطفال مسلمون زوراً برمي الحجارة على كنيسة». «أجهضت ثلاث مسلمات بسبب صعوبة الوصول إلى صناديق الاقتراع». «قال أحد رجال الكنيسة لأتباعه: إن لم تنتخبوا (...) فإنكم ترتكبون خطيئة».
كان الهدف من المؤتمر الصحافي إدانة الاستغلال الانتخابي للمشاعر الطائفية. فكان المؤتمر الصحافي وسيلة تهدف إلى التسويق السياسي أكثر منها إلى فتح نقاش في الموضوع الأساس.
ففي السوق السياسية هذه، يؤدي إطلاق بعض الكلمات إلى زيادة الزبائن ـــ الناخبين، وإطلاق كلمات أخرى لاحقاً، تكون أكثر حدةً ومثيرة للجدل، من شأنها أن ترفع منسوب التنافس. تستمر النقاشات والمناظرات والتصريحات حتى إقفال الموسم الانتخابي الذي تدخل فيه كلمات وتختفي أخرى. فلا يرمي السياسيون كل عباراتهم دفعة واحدة في السوق الإعلاني ـــ الانتخابي، آخذين بالحسبان قدرة السوق على الاستيعاب. ويغلف الساسة عادةً عباراتهم بمفاهيم علمية و«بكل موضوعية» للتجييش النفسي والطائفي للمستهلك. ويكون لبعض الكلمات والعبارات مفعول الشحن الجدلي الدائم، بغض النظر عن وجود موسم انتخابي أو
لا.
وشمل التسييس الطائفي مواضيع كالبطالة، الطوابع البريدية، موعد افتتاح جامعة، أو موعد منح بعض المعونات. بين تشرين أول ١٩٧٢ وشباط ١٩٧٣ شُغل الرأي العام بموضوعين: قرار الحكومة بالتوقف عن الحضور الرسمي للاحتفالات الدينية، وحملة المسلمين من أجل جعل يوم الجمعة يوم عطلة أسبوعية. يتبيّن من بعض ما ورد من الصحف أن هذه الحملة الأخيرة هي حملة مسيسة نظراً للنزاع بين أحد كبار رجال الدين ورئيس الحكومة.
في موضوع الطوابع البريدية، فقد تحدث فؤاد البستاني عن صعوبة إصدار أربعة طوابع بريدية بمناسبة انعقاد مؤتمر الأونيسكو في بيروت عام ١٩٤٨ وذلك، كما ذكر البستاني، بسبب «عدم قدرتنا على إيجاد وجهين مسلمين لتحقيق التوازن». أضاف البستاني أن «حظ مؤتمر الزراعة والطب البيطري كان أوفر حيث وجدت بعض الحيوانات الأليفة، كالحمار والحصان والماعز، صورها تجوب العالم على الغلافات البريدية. هنا ظهرت سهولة الاختيار حيث كان تهديد التوازن الطائفي منعدماً».
لم يسلم الاعتراف الكنسي من التسييس أيضاً، بحسب مراسلة بين القنصل العام لفرنسا في بيروت لسباردا ووزير الخارجية في باريس الكونت «دو لا هيت» بتاريخ ٥ تشرين الأول ١٨٥٠. تطلب تعيين الكاهن في تلك الفترة سلسلة من الإجراءات الديبلوماسية بين بيروت وباريس. وكما ذكر لسباردا في إحدى رسائله، فإنّ «الهدف من التعيين كان، دون أدنى شك، إدارة الانتخابات، عبر تجاوز حد السلطة. كان الموضوع حساساً جداً»، كما كتب القنصل لوزيره. إن القول بطريقة مطلقة بعدم جواز تدخل رجال الدين في السياسة يؤدي إلى تدخل رجال السياسة في الدين بهدف التجييش وبثّ الحماسة، فيما يستطيع رجال الدين ممارسة دور فعال في حل وتسوية النزاعات المتعلقة بالطوائف وبالتعايش في ما بينها. عام ١٩٨٣ برّر أحد القادة العسكريين في أحد التنظيمات قصف المطار بأن «الله لم يرد للمسافرين أن يسافروا، فطلب منا قصف المطار. رفض الله (...) فكان القصف» (النهار، 29 كانون الثاني 1983).
مسلمون/ مسيحيون، يمين/ يسار، أقصى اليمين/ أقصى اليسار،... هنا تكمن مشكلة التشققات العمودية في المجتمع اللبناني. هذا الانشقاق هو في أصل أزمة الثقة المتزايدة في الممارسة السياسية في لبنان، وخاصة عبر وسائل التعبير السياسي، ولا سيما منها النظام الانتخابي المعتمد.
* أستاذ القانون الدستوري في الجامعة اللبنانية