يتعرض عدد هائل من المدنيين للقتل والجرح في سوريا في الوقت الذي لا تتحمّل فيه الدول المعنية في هذا النزاع مسؤولياتها كما يجب، خاصة مجلس الأمن الدولي، الذي تدعم غالبية أعضائه الطرفين المتنازعين في سوريا. وها نحن نشهد سباقاً من نوع آخر حول توصيف الأسلحة المستخدمة، والذي ظَهر خلال اللعبة الدبلوماسية لرمي المسؤوليات بين الدول. ففي السابق، لطالما بذلت قوى الحرب الباردة قصارى جهدها كي تتمكن من الادعاء: «إن قنابلنا أقوى من قنابلكم». أما اليوم فأصبحت القوى نفسها تتنازع حول من يملك قنابل «أذكى».
إن الهجوم المزدوج الذي بالكاد فصلت بين غارتيه دقيقتان، والذي شُنّ على المستشفى المدعوم من قبل أطباء بلا حدود في معرّة النعمان في محافظة إدلب قبل أيام، تسبّب بمقتل تسعة موظفين و16 مريضاً، ومن المرجح أن تزداد حصيلة الضحايا بعد إزالة كامل الأنقاض. وما لبثت الدول المنخرطة في النزاع أن بدأت بإلقاء الاتهامات على بعضها البعض عن مسؤولية الهجوم الذي دمّر المستشفى، والذي بدا واضحاً بأنه هجوم مستهدف. فتركيا لامت الحكومة السورية وحلفاءها، أما روسيا فنفت انخراطها، في حين ألقت سوريا اللوم على التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة.

الجدال حول من يملك قنابل
«أغبى» هو جدال خادع

هذا كلّه والسماء السورية غدت ساحة تنافس لمختلف لطائرات الجوية التي تدعم التحالفين العسكريين - التحالف الذي تقوده الحكومة السورية والمدعوم من روسيا من جهة، والتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة من جهة أخرى، والذي يتضمن عضوين إضافيين في مجلس الأمن الدولي وهما المملكة المتحدة وفرنسا. ولا يُبدي أي من الأطراف أي نيّة في تحمّل مسؤولية تدمير المدارس والمستشفيات وغيرها من الأماكن المفترض أن تكون محصّنة. بل على العكس، باتت الأماكن المدنية تتعرض للتدمير مراراً وتكراراً. ولا بدّ أن نذكّر بأن الطواقم الطبية المدعومة من قبل منظمة أطباء بلا حدود تُجهَّز بالمعدات كي تقوم بتشخيص الوضع الطبي وليس لمراقبة التقنيات العسكرية. لذلك، فلا بدّ من أن تقوم جهة تحقيق مستقلة باكتشاف الحقائق.
لقد زعم وزير الخارجية الأميركي جون كيري الأسبوع الماضي أن روسيا تستعمل «قنابل غبية» في سوريا، مشيراً إلى أن الغارات الأميركية أذكى منها، وأنّها من غير الممكن أن تتسبّب بإصابات مدنية في سوريا. لكن منظمة أطباء بلا حدود لا يمكنها التسليم بهذا الأمر. ففي شهر أكتوبر/ تشرين الأول تعرّض مستشفى أطباء بلا حدود في قندوز جنوب أفغانستان لغارات جوية أدت إلى تدميره، وفي اليمن قُصفت أيضاً أربعة مستشفيات بين شهري أكتوبر/ تشرين الأول ويناير/ كانون الثاني بغارات التحالف الذي تقوده السعودية والذي يعمل بمعدات بريطانية وإرشادات إحداثيات أميركية. وتم اعتبار جميع هذه الهجمات على أنها «أخطاء» وقعت إما بسبب خلل في الدقة أو عدم احترام المرافق الطبية - والذي يعدّ أسوأ بكثير.
في أفغانستان واليمن هناك تحالف عسكري واحد يحلّق في السماء، وتقوم كافة مستشفيات أطباء بلا حدود بمشاركة إحداثياتها مع جميع القوى العسكرية بانتظام. لكن الوضع في سوريا أشد اضطراباً، بحيث يوجد تحالفان يتنافسان على السيطرة على المجال الجوي، وكل منهما يدّعي بأنه يحاول تفادي وقوع الإصابات في صفوف المدنيين بل يصبّ تركيزه على قتل أكبر عدد ممكن من «الإرهابيين» - من دون إيضاح ماذا يقصد بمصطلح «إرهابي» وماذا يعني له مصطلح «معتدل». ومن الواضح أن المستشفيات المدعومة من قبل أطباء بلا حدود في سوريا تفتقد الحصانة التي تتحقق عادةً عبر التحديد بوضوح بأنها مستشفيات أو عبر مشاركة إحداثياتها، ويعود ذلك للقانون الصادر في عام 2012 من قبل الحكومة السورية للحماية من الإرهاب والذي يعتبر تقديم المساعدة الإنسانية، ومنها الرعاية الطبية، إلى المعارضة فعلاً غير قانوني، ما أجبر البنى التحتية الطبية على العمل في السرّ ومن دون التسجيل كمرافق طبية. وهذا ما يخوّل الأطراف المهاجمة بأن تزعم بأنها لم تكن على علم بوجود المستشفى الذي قامت بقصفه.
ولم يكن القصف على المستشفى في إدلب استثنائياً. وأصدرت المنظمة تقريراً يكشف عدد الهجمات على البنى التحتية الطبية المدعومة من قبل المنظمة في سوريا، والذي بلغ في العام الماضي 94. وعدد كبير منها كان هجمات جوية عشوائية لم تدمّر المستشفيات فحسب بل طالت غيرها من البنى التحتية المدنية كالمدارس والجوامع والمحلات التجارية - وهذا ما يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي. وفي بعض الحالات بدا واضحاً أنه يجرى استهداف فرق الإنقاذ أيضاً بشكل متعمد ومنها العاملون في مجال الاستجابة الطبية. ويحصل ذلك فيما تحضر هذه الفرق للاستجابة لتداعيات غارة ما، وتُعرف هذه الممارسة بـ«الهجوم المزدوج».
وقد كشفت البيانات الصادرة عن المرافق الطبية المدعومة من قبل المنظمة عن الحصيلة الصادمة للنزاع والتي تمثلت بـ 155,000 جريح حرب تمت معالجتهم في 70 مستشفىً، لكن هذه البيانات تغطي فقط مساحة جغرافية صغيرة نسبياً من الأراضي السورية. ومن بين جرحى الحرب، كان ما معدله بين 30% و40% من النساء والأطفال، ما يعدّ إشارة واضحة على أن المدنيين والمناطق المدنية لا تنجو من هذه الهجمات.
ولم يكن مفاجئاً عدد قتلى الحرب المسجّل في المرافق الطبية المدعومة من قبل منظمة أطباء بلا حدود في شمال سوريا والذي ارتفع بشكل هائل في شهر أكتوبر/ تشرين الأول، حين نشرت دولتان عضوان في مجلس الأمن، وهما فرنسا وروسيا، قواتهما الجوية. وكانت هذه المرة الأولى منذ الأزمة الكورية في عام 1953 التي ينخرط فيها 4 أعضاء من أصل 5 في مجلس الأمن الدولي بشكل فعّال في نزاع واحد. وكان مجلس الأمن نفسه قد مرر قراراً تم التصويت عليه بالإجماع في شهر ديسمبر/ كانون الأول 2015، يقضي بحماية المدنيين في سوريا. ولغاية الآن ليس هناك أي دليل على أن القوى العسكرية التابعة للدول الأعضاء وحلفائها، سواء كانت الحكومة السورية أو المعارضة «المعتدلة»، تلتزم بهذا القرار.
بل على العكس، يعرض كل عضو من الأعضاء الأربعة قواته على أنها قوى إنسانية تحارب الإرهاب، وتتعهد باستعمال نفس القوات الجوية التي ترمي من خلالها القنابل لإنزال المساعدات الغذائية في المناطق السورية المحاصرة. واللافت أن إنزال المساعدات الغذائية في المناطق المحاصرة - التي بلغ عدد سكانها قرابة المليونين - يؤمن كميات ضئيلة من المساعدات ولا يمكنه أن يحلّ محلّ القوافل الإنسانية، وهذه حقيقة اعترف بها المتحدث باسم الحكومة الأميركية الأسبوع الماضي. بالإضافة إلى ذلك، يموت الناس في المناطق المحاصرة بشكل أساسي جرّاء إصابات الحرب والافتقار إلى الرعاية الصحية. لذا عملياً أصبح إنزال المساعدات الغذائية المقترح لا يعدو كونه أكثر من شكل من أشكال العلاقات عامة، والذي يتسبب بمزيد من الالتباس. وبالنسبة إلى الشعب السوري يعدّ سماع صوت محرّك الطائرة أمراً مرعباً! فكيف لهم أن يميّزوا بين طائرة تحمل مساعدات غذائية وأخرى تحمل قنابل؟ أو طائرة تحمل الاثنين معاً؟!
وبالنسبة لأطباء بلا حدود الجدال حول من يملك قنابل «أغبى» ومن يملك طائرات أكثر إنسانية هو جدال ببساطة خادع في ظل فداحة الخسائر الإنسانية الكارثية في هذه الحرب المستعرة. فالمدنيون يُقتلون والمستشفيات تُدمّر والناس الذين يحاولون الهرب إما عالقون داخل المناطق المحاصرة أو على الحدود التركية والأردنية.
لذلك، فقد آن الأوان أن تحترم الدول الأربع الدائمة العضوية في مجلس الأمن، والتي تشارك حالياً في النزاع، قراراتها، وأن تضمن بدء قواتها العسكرية وقوات حلفائها بتطبيق القرارات التي صوتت عليها بالإجماع.
* مختص أول في الشؤون الإنسانية في منظمة «أطباء بلا حدود»