يُقال إن العلاقات الأميركية – الإيرانية تخضع لقواعد سباقات الماراثون، لا سباقات الـ 100 متر. بعد ثلاثين عاماً من العداء والتوتر والمناورات المتبادلة، تبدو المقولة أكثر من صحيحة. هل آن أوان التسوية الأميركية – الإيرانية؟ يمكن الافتراض أن السؤال أعلاه يستحق موسوعة غينيس كأكثر الأسئلة غموضاً في الشرق الأوسط. من البديهي القول إن غياب التسوية يعكس حدة الانقسامات المصلحية والإيديولوجية بين الطرفين. الإيرانيون لم يختبروا الولايات المتحدة إلا كقوة هيمنة مستكبرة لا تراعي السيادة الداخلية، ولا القانون الدولي، ولا حتى المصالح المشروعة للقوى الإقليمية. أما من ناحية الأميركيين، «فصدمة السفارة» لا تزال تحكم وعيهم تجاه إيران، بالإضافة إلى أنهم فهموا إيران من خلال «المهزومين»، أي أنصار الشاه الذين غادروا البلد، بالإضافة إلى التناقض الإيديولوجي الذي يمنع التعايش السلمي بينهما كما كانت الحال بين الأميركيين والسوفيات؛ «فالقوتان الأميركية والسوفياتية لم تكونا من هذه الناحية تنتميان إلى عالم واحد، أي لكل منهما «شكل حياة مختلف»، لذا لم يكن التعاون السلمي ممكناً»، كما كتب مارتين هوليس وستيف سميث.

سؤالان جوهريان يتجادل حولهما الأميركيون في ما يخص إيران: هل استراتجيتنا هي «الاحتواء» أم «المنع»؟ وإن كان «المنع»، فما هو المسار الواجب اتباعه لتحقيق هذه الغاية؟ في ما يخص السؤال الأول، فإنه أصبح تقليدياً كحال الإجابات، إلا أن اللافت هو إعلان إدارة باراك أوباما الثانية صراحة على لسان وزير خارجيتها جون كيري (24 كانون الثاني 2013) ونائب الرئيس بايدن (آذار 2013) أن سياستها هي «المنع لا الاحتواء»، أي ليس وارداً القبول بإيران نووية بالمعنى العسكري، ولو اقتضى ذلك اللجوء إلى الحرب. هنا يبدي بريجينسكي انتقادات قاسية لهذا المنطق الذي يرى أنّ من غير المقبول أن تمتلك إيران قدرات نووية؛ لأنه «أحياناً تكون الكلمات الكبيرة لا تعني شيئاً». البديل بالنسبة إلى بريجينسكي هو «أننا نستطيع ردع إيران النووية كما ردعنا السوفيات والكوريين مع تقديم ضمانة نووية جدية لحلفائنا في المنطقة... إن الخيار العسكري ليس في مصلحتنا؛ لأننا سنتلقى الضربة الإيرانية». بل إن كينيث والتز ذهب إلى ما هو أبعد، محاججاً أن امتلاك إيران للسلاح النووي سيُنتج توازن قوى عسكرياً أكثر استدامة في الشرق الأوسط، وهو ما سيعزز الاستقرار الإقليمي، وليس العكس (لماذا يجب أن تحصل إيران على القنبلة، فورين أفيرز، تموز/ آب 2012).
بالنسبة إلى السؤال الثاني، يتنامى الاتجاه الأميركي المؤيد لفكرة تقديم عرض للتسوية مع إيران، باعتبار أن الفرضية العسكرية مشكوك في فاعليتها، فيما العقوبات رغم قدرتها على الإضرار إلا أنها ليست كافية لتغيير السلوك الإيراني، ولا سيما «متى كانت الغاية منها هي إذلال الإيرانيين»، كما قال برجينسكي. فالعقوبات أصبحت عبثية؛ لأن واشنطن لم تطرح جدياً على الطاولة مسألة رفعها، ويمكن أوباما تجاوز هفوات سابقيه عندما يدرك محدودية القوة العسكرية الأميركية ويثق في القوة الدبلوماسية، كما يحاجج رضا مراشي في «الفورين بوليسي» (22 كانون الثاني 2013). الاستطلاع الأخير لمعهد «غالوب» يؤيد فرضية «عقم» العقوبات؛ إذ إن 63% من الإيرانيين يؤيدون استمرار البرنامج النووي في بلدهم، وذلك رغم أن 48% قالوا إنهم يعانون مباشرة من العقوبات. الأهم أن 47% يحمّلون مسؤولية هذه العقوبات للولايات المتحدة، فيما 10% يحمّلونها للحكومة الإيرانية، و23% موزعة على إسرائيل والأوروبيين والأمم المتحدة (7 شباط 2013).
وقد سبق لغراهام أليسون (واشنطن بوست، 7 تشرين الأول 2011) أن دعا أوباما إلى تلقف عرض أحمدي نجاد «لتبادل اليورانيوم»، مشبهاً هذه الخطوة بتلك التي قام بها ريغان تجاه غورباتشوف بعد إعلان الأخير مرحلة جديدة من الانفتاح، والتي تلقفها ريغان من خلال دعوته غورباتشوف من برلين إلى «تمزيق الجدار»، وهو ما حصل بعد سنتين. كذلك دعا باتريك كلاوسون إدارة أوباما إلى تقديم عرض سخي لإيران يشمل تخفيف العقوبات والمرونة في تخصيب اليورانيوم. ورأى كلاوسون أن مجموعة 5+1 اعتمدت تكتيكاً قديماً لإحياء المفاوضات، هو «تغيير الموضوع»، الذي لم يعد وقف التخصيب، بل ضمان عدم قدرة إيران على صنع سلاح نووي من خلال شحن اليورانيوم إلى الخارج (ذي أتلنتيك، 16/1/2013). يوافق دينيس روس، بدوره، أنه في ظل تصاعد ضغط العقوبات وجدية الخيار العسكري فإن إيران تبدو جاهزة لتلقي مبادرة دبلوماسية، ولا سيما متى كان الإقرار بحقها ببرنامج نووي سلمي جزء منه، ويخلص إلى أن «البيئة مواتية الآن لإنجاح المساعي الدبلوماسية. وسوف تحدد الأشهر القليلة المقبلة ما إذا كانت ستنجح أو لا».
من مخاطر هذا العرض كما يتفق كل من كلاوسون وأليسون وروس أن تتقاعس طهران عن القيام بخطوات مقابلة أو تنفذها ببطء لتكسب الوقت. والأخطر أن يُعتبر أي عرض لإيران بمثابة إقرار بطموحاتها الإقليمية، وهذا ما يجب نفيه للإيرانيين من جهة ولحلفاء واشنطن من جهة أخرى. بحسب هؤلاء، إن رفض الإيرانيين لصفقة سخية سيكشف نيات إيران الحقيقية، ويعطي الشرعية لعملية عسكرية ضدها من ناحية أخرى، باعتبارها «شراً لا بد منه». ولذا رجح روبرت ساتلوف، المدير التنفيذي لمعهد واشنطن، أن أوباما في ولايته الثانية سيقدم لإيران «صفقة كبرى».
في المقلب الآخر، لا زال فريق «الصقور» (أمثال مايكل سينغ ومايكل إيزنشتات من معهد واشنطن) يدعو إلى إبراز جدية أكبر للخيار العسكري، بل إن ماثيو كرونيغ كتب في «فورين أفيرز» بعنوان: «إنه الوقت لمهاجمة إيران» عبر عملية عسكرية جراحية ثم امتصاص الرد الإيراني والسعي بسرعة لاحتواء الأزمة، وإلا فإن واشنطن ستضطر إلى مواجهة أكثر كلفة في المستقبل قد تصل لدرجة الحرب النووية (كانون الثاني/ شباط 2012). أما الخلاصة اللافتة، فقد كانت من نصيب مؤسسة راند البحثية، التي رأت أنه لا الدبلوماسية ستكون مجدية، ولا جهود تغيير النظام، لذا «لا يبقى إلا دعم الإصلاح في إيران، ولكن من خلال تشجيع التحول الديموقراطي في محيط إيران – بالإشارة إلى «الربيع العربي» – بما يعطي صدقية لجهود الولايات المتحدة في دعم الإصلاح داخل إيران (مجموعة كتاب، ربيع 2012).
رغم هذه الدعوات لتقديم صفقة كبرى لإيران، وهي ما تبدت ملامحها في جولة كازاخستان بين إيران ومجموعة 5+1، التي فتحت كوة في الحائط المسدود، إلا أن التسوية الكبرى ما زالت ممتنعة، ولا سيما بسبب أن «العداء بين الطرفين، وبعد ثلاثين عاماً، أصبح مؤسسة قائمة بذاتها وليس فقط ظاهرة»، كما يحاجج تريتا بارسي (رئيس المجلس القومي الأميركي – الإيراني). ويكمل بارسي بأن تمرّس دبلوماسيي البلدين على شيطنة بعضهما، التعقيدات الداخلية، القيود الإقليمية، والضبابية التي قد تنتجها التسوية، كلها تقف أمام التسوية الكبرى (ذي أتلنتيك، 25 كانون الأول 2012). يبدو من السياق أعلاه أن إيران انتزعت اعترافاً جزئياً بكونها قوة نووية وبحقها بالتخصيب من حيث المبدأ، إضافة إلى إثباتها أن التعاطي بمنطق العقوبات والإكراه لا يسري عليها. الطرفان بحاجة إلى تبريد الأزمة، ولكن مستوى التبريد مرتبط مباشرة بما يجري في سوريا؛ إذ سيبدي الإيرانيون مرونة أكبر كلما تقدمت التسوية السورية، والعكس صحيح. لكن بالخلاصة، إنها «العداوة المؤسسة» كما يقول بارسي، ويستمر الماراثون ولو تخلله بعض محطات الاستراحة.
* كاتب لبناني