أحدث التدخل السعودي الإماراتي المزدوج في البحرين، تحت غطاء درع الجزيرة، منذ منتصف مارس 2011، هزة في المنطقة الخليجية والإقليمية، ولعله رسخ قناعات وأطاح أخرى. وما زالت الأسئلة تتلى عن أسباب وتداعيات هذا الإجراء غير المسبوق في عصر ما بعد استقلال المشيخات الخليجية.

هنا ما يعتقد أنها إلى جملة من القضايا التي أبرزها هذا الوجود العسكري، الذي يدخل الآن عامه الثالث.

أولاً: سقوط النظام البحريني

أعطى دخول قطع عسكرية سعودية إماراتية إلى المنامة، في وضح النهار، في الرابع عشر من مارس 2011، إشارة واضحة إلى أن النظام البحريني سقط، من الناحية السياسية، بشكل أو آخر، ولم يعد قادراً على مواجهة الآلاف الذين تجمعوا في دوار اللؤلؤة، وهم يهتفون «الشعب يريد اسقاط النظام»، و«يسقط حمد»، ملك البحرين منذ 1999.
من نواح عدة، فإن خروج أكثر من نصف الشعب في الساحات والميادين والشوارع العامة، على مدى نحو شهر كامل، مطالبين بتغيير بنية النظام القائم، لا يمكن إلا أن يعد أكبر من خدش في شرعية النظام، وأكبر من انتكاسة لحكم العائلة الحاكمة. ولعله ليس من المبالغة القول إن تلك المسيرات المستمرة قد سحبت الجانب الشعبي والرئيسي من مرتكزات شرعية النظام.
لقد بات النظام الحاكم يرتكز على شرعية القوة الفاقعة، بعدما ارتكب واحداً من أخطائه التاريخية الفادحة، حين تعالى على الشرعية الشعبية، وأقدم على إلغاء دستور 1973 في فبراير 2002، أي قبل نحو عشر سنوات من انطلاق ربيع البحرين (14 فبراير 2011).
من ناحية أخرى، فإن وصول القطع العسكرية السعودية للمنامة، لا يمكن أن يعني إلا أن النظام الخليفي في البحرين بات غير قادر من الناحية العسكرية ـــ هذه المرة ـــ على استخدام جنوده من أجل لجم الاحتجاجات العارمة، التي تفجرت قبل شهر من التدخل السعودي.
بمعنى أن شيئاً ما حدث، وهو ليس إلا ثورة 14 فبراير 2011 وتداعياتها، وبات إثره العناصر الأمنيون والجيش البحريني مكبلين وغير فعالين، بعدما استنفدت قوتهم المفرطة وغير الأخلاقية في 16 فبراير 2011، حين دك العسكر الخليفيون المحتجين في دوار اللؤلؤة، مما أدى إلى سقوط شهداء، ومئات الجرحى، أعقب ذلك تنام غير متوقع في حركة الاحتجاج.
لقد قُيدت القوة العسكرية، نسبياً، بين منتصف فبراير ومارس 2011، وجرى تفعليها بعد ذلك، إثر مدها بالذخيرة المعنوية والسياسية بعد التدخل السعودي، في صيغة قوات درع الجزيرة، المفترض أن تكون بنادقها موجهة نحو المعتدي الخارجي.
إن التدخل العسكري الخليجي المستمر، يهدف في النهاية إلى حماية النظام الخليفي من السقوط، عبر تشكيل غطاء سياسي وعسكري لقمع المتظاهرين، والمشاركة في هذا القمع، كلما استدعت الحاجة. ولعل أفضل جهة تصف ذلك هي وكالات الأنباء العالمية، التي قالت صراحة إن التدخل الخليجي جاء لنصرة العائلة الحاكمة أمام طوفان شعبي غير مسبوق، استمد نموذجه من ثورتي تونس ومصر.

ثانياً: الغرق في الحل الأمني

لقد حسم التدخل العسكري السعودي خيارات السلطة في البحرين، إنها متجهة تماماً، وما زالت، نحو النهج العسكري (أو ما يمكن تسميته النهج السعودي) بلا تردد أو تباطؤ.
إبان مارس وفبراير 2011، جرت مباحثات مهمة بين الجمعيات السياسية المعارضة وولي عهد البحرين الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة. وكان لافتاً أن النقاط السبع التي أعلنها ولي العهد قبل ساعات قليلة من التدخل السعودي، تضمنت ملامح مهمة لبعض أسس الملكيات الدستورية، مثل الحكومة المعبرة عن الإرادة الشعبية، والمجلس النيابي المنتخب والكامل الصلاحيات، كما بدا لافتاً أن المسؤول الرفيع السابق في الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان، قد عبّر عن دعمه لسيرورة الحوار والمبادرة الإيجابية لولي العهد، بيد أن التدخل السعودي دفن الحل السياسي، وأحدث انكسارات عميقة في بنية الحالة الوطنية، وأوقع انتهاكات مروعة في حقوق الإنسان سجّل بعضها تقرير بسيوني الشهير.
لقد أغرق النهج السعودي البلاد في دوامة طاحنة، لا يبدو من السهل الخروج منها. وكان كثيرون يتمنون لو تدخلت العربية السعودية في البحرين، كما تدخل الخليجيون في صنعاء. صحيح أنهم شوهوا الثورة اليمنية، بيد أنهم شجعوا الحوار، بدل سفك الدم، وهي نقطة تستحق الإشادة، عكس ما فعلوا في سوريا.

ثالثاً: هتك شرف المؤسسة العسكرية في البحرين

لقد زاد التدخل العسكري السعودي في البحرين من أهمية السؤال عن دور المؤسسة العسكرية البحرينية الرسمية من ربيع 14 فبراير.
السؤال عن موقف الجيوش وأجهزة الأمن والاستخبارات، ودورها عموماً في الحياة العامة، طرح بقوة في دول الربيع العربي الأخرى: تونس ومصر وسوريا واليمن ولبيبا. والافتراض الذي يستحق التدقيق فعلاً هو أن مواقف المؤسسة العسكرية تبدو حاسمة في مسار الثورات، ففي البلدان التي انحاز فيها العسكر للثورة أو لم يقمعوها كما في تونس والقاهرة انتهى الأمر سريعاً إلى سقوط رأس الدولة، أما في اليمن التي انقسم فيها الجيش بين نظام الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح والثوار، فقد جرى التوصل فيه إلى صيغة تشاركية ضبابية، ومرحلة انتقالية قد لا تنتهي. ذلك كله سلّط مزيداً من الضوء على المؤسسة العسكرية في البحرين، وعلى تشكيلتها، وعقيدتها، وهل هي مع أو ضد أو محايدة إزاء مطلب التحول الديمقراطي في المنامة، ولماذا.
لقد اتضح أن الجيش البحريني، والقوة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية، تتكوّنان من عناصر من المرتزقة، من باكستان واليمن وسوريا والأردن، ومن خبراء أمنيين غربيين وعرب، وأنّ شيعة البحرين، الذي يشكلون الغالبية، غير ممثلين في الجهاز العسكري، وأن العقيدة الراسخة لهذه المؤسسة هي الدفاع عن الحكم الخليفي، وإذا استُعملت كلمة الدفاع عن حياض الوطن، فإنه مصطلح يتماهى وقبلية آل خليفة الحاكمة.
إن الجيش وعموم المؤسسة العسكرية في البحرين متورطان في الانتهاكات ضد المطالبين بالديمقراطية، لذا فإن من أبرز توصيات تقرير بسيوني إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، بيد أن ذلك فيما يبدو غير مطروح على جدول أعمال الأسرة الحاكمة وداعميها الاقليميين، الذين يؤمنون بخيار القوة، ويعتبرون الحوار أداة عنيفة مساعدة له.
بعد التدخل العسكري السعودي، فقدت المؤسسة العسكرية جزءاً كبيراً من شرفها، مرة لأنها احتاجت سنداً من الخارج لقتل المواطنين، وقبل ذلك لأنها هي نفسها قتلت مواطنين قتلاً موثقاً، لكنها أصلاً كانت محل امتعاض شعبي وعدم اجماع وطني ما دامت تستند في تشكيلتها إلى الغريب المرتزق.

رابعاً: بروز إشكالية التدويل وعقدة الجيوبوليتيك

هذا العنوان برز على نحو جلي بعد دخول أرتال عسكرية خليجية إلى المنامة، تحمل إشارات النصر! وفي الواقع يبدو الحديث الرسمي البحريني عن رفض التدخل الخارجي كليشيهات فارغة ما دام الجيش السعودي على الأرض البحرينية، الأمر الذي يفتح أبواباً لتدخلات أخرى، لعل أبرزها الصوت الإيراني، الذي ظلّ داعماً لثورة البحرين، لكنه أيضاً بدا حذراً من أن يمضي إلى أكثر من دعم إعلامي وسياسي.
لقد سجّل الغرب والشرق مواقف تشي بأن الحدث البحرين بات ذا أبعاد غير محلية فقط. ومع ذلك فإنه يبدو واضحاً أن ثورة البحرين وحدها لم تناقش في الأمم المتحدة، التي تداول مجلسها ثورات الربيع الأخرى، وما زال. ولم يخف ذلك قضية تدويل المسألة البحرينية، ولعله عرّى طبيعة التحالفات القائمة، التي تشتغل ضد مطالب المنتفضين وحقهم في انتخاب حكومتهم ومجلسهم النيابي.
ومع ذلك، فإن 44 دولة دانت البحرين في مجلس حقوق الإنسان مطلع مارس 2013، بينما 27 دولة فقط كانت قد دانت المنامة في مايو 2012 بسبب عدم تنفيذها توصيات بسيوني. ويفترض أن ذلك يعكس أيضاً أن الثقة بوعود السلطات البحرينية تكاد تكون معدومة دولياً، حتى والقرار الدولي يدعم الدكتاتورية القائمة.
الأرجح أن قضية التدويل وعقدة الجيوبوليتيك الخليجية والاقليمية لا تشتغل ضد السلطات بالقدر الذي يتطلع إليه التواقون للديمقراطية في البحرين والمنطقة.
وحتى معادلة إيران والعراق والمنطقة الشرقية في العربية السعودية، وهي مناطق ينظر إليها على أنها معطيات داعمة لثوار البحرين، وهي كذلك عموماً... فإن هذه المعطيات يجري استغلالها، عموماً، خليجياً وعربياً وغربياً على نحو يؤذي الثورة البحرينية ويبتغي حصارها، لأسباب يبدو أنها تتعلق بما يقال عن تأمين امدادات النفط وحماية إسرائيل وتطويق إيران، في ظل فرضية غربية مسبقة بأن تحولاً ديمقراطياً في البحرين قد يصب لصالح إيران، كما تشي تجربة العراق.
ويتم ذلك حتى وتقرير بسيوني ينفي تورطاً إيرانياً في حدث البحرين، الداخلي بامتياز، فيما تصريحات الدول الغربية وتقارير ويكيليكس الشهيرة تؤكد فهم الغرب للأزمة البحرينية، المتمثلة في احتكار آل خليفة للقرار السياسي والثروة القومية، وأنه لا بد من دور لإيران في كل حراكات البحرين الشعبية الممتدة عقوداً.
بيد أن ثورة البحرين ما زالت تدفع دماً ودموعاً وتمييزاً ومواصلة للانتهاكات لأسباب يبدو من أبرزها أن المعطى الإقليمي والتدويل يمضي في ثورة مضادة لحقوق الناس في أن يقرروا بأنفسهم نمط حكمهم.

خامساً: إحراج الربيع العربي

يصعب أن تجد فارقاً جوهرياً من مطلب البحرين الديمقراطي بين موقف النظام المصري ومشيخة الأزهر إبان حسني مبارك، وموقف النظام المصري الجديد، كما يصعب أن تجد فارقاً ذا معنى بين موقف تونس قبل وبعد ثورة الياسمين.
وهكذا، بينما تجتاح الشعوب العربية آمال عريضة بأن تفي النظم الجديدة التي أفرزتها الثورات ببعض مقولاتها تجاه أشقائها، فإنها تبدو غير معنية إلا بإرضاء الحكام المستبدين كما كان عليه الحال قبل الربيع العربي. وهل من فشل أكبر للإضرار بصدقية هذه الأنظمة أكبر من ذلك: أن تفعل عكس ما تقول.
وإذا دققت النظر في زاية حادة، فإنه يبدو مثيراً للدهشة مثلاً، أنك لن تجد فرقاً بين موقف حركة فتح الحاكمة في الضفة الغربية، وحركة حماس الحاكمة في غزة، ولعل الهجوم الحمساوي على إيران وحزب الله طاغٍ في ذلك، فيما السلطة الوطنية الفلسطينية لا تبدو معنية كثيراً بما يقال عن دعم إيران لناشطي البحرين، أو على الأقل لا تؤطرها أو تغالي فيها على نحو ما يفعل المقربون من حماس.
أما الجامعة العربية، فموقفها ثابت لم يتغير من ثلاثة عقود، وحين تراجع بياناتها إبان انتفاضة التسعينيات البحرينية، وبياناتها راهناً ستجد العبارات نفسها، التي تستنكر ما تسميه الإرهاب الشعبي، والدعم الخارجي للحراك، إنه موقف معاد بالفعل لشعب البحرين ومطالبه العادلة.

سادساً: الإساءة إلى مشروع الاتحاد الخليجي

لقد طُرح الاتحاد الخليجي في ذروة القمع الرسمي المدعوم خليجياً في المنامة. بدا الاتحاد حينها تلويحاً عنيفاً رداً على مطلب الديمقراطية الذي اشاعه الربيع العربي، والذي شجع الشعوب الخليجية على أن تظهر بعض توقها إلى الديمقراطية، في الكويت وعمان، وأيضاً في الإمارات وقطر، ودون شك في السعودية.
لا أحد من شعوب الخليج، عموماً، يعارض تعزيز العلاقات الخليجية، وصولاً إلى أنماط اتحادية، ولعل الشعوب أكثر حماسة لهذه الوحدة، التي لا تتحمس لها الأنظمة وربما تعارضها. لذا لم يكن مفاجئاً أن الحديث عن الاتحاد يكاد يكون قد توقف مع الاعتقاد الخاطئ بأن الوضع تحت السيطرة الأمنية في البحرين.
إن إساءة بالغة لحقت بمشروع الاتحاد الخليجي بعد اتهام جنود خليجيين بقتل خليجيين آخرين لمجرد تعبيرهم عن رأيهم. وكأن السلطات الخليجية تقول بالفم الملآن إن خيار الاتحاد الأمني مطروح إذا ما زاد الضغط الشعبي الخليجي على السلطات الحاكمة.
ومع ذلك، فإن الحالة البحرينية تبدو مثيرة للاهتمام، لجهة أمرين: اندفاعة رسمية غير منضبطة نحو ما يمكن تسميته تسليم السلطة البحرينية للعربية السعودية، تضاف إلى أمر خطير آخر وهو تجنيس الأغراب والمرتزقة بما يخل بطبيعة التكوين السكاني ذي الغالبية الشيعية.
صحيح أنه يحدث أن ترهن السلطة الدكتاتورية قرارها للأجنبي، وهو ما اعتادت أن تقوم به العائلة الخليفية، لكن ليس من المعتاد أن ترمي الدكتاتورية الوطن للأجنبي، مهما كان قربه عروبة وإسلاماً.
إن هذين الأمرين (بيع الأرض والتجنيس) يبدوان نمطين شاذين في تعاطي الدكتاتوريات مع شعوبها وأوطانها.
وفي النهاية، بدا الاتحاد الخليجي كأنه تحذير لكل خليجي «تسول له نفسه» أن يحلم بالديمقراطية، ليكون مصيره اتحاداً خليجياً! كأن الخيارات: إما الدكتاتورية القائمة أو اتحاد أمني ضد الشعوب.

سابعاً: المصالح الخليجية معيق للتغيير في البحرين

التدخل الخليجي في البحرين، أظهر أن الحالة الإقليمية ذات تأثير بالغ في طبيعة الحكم في البحرين، وأنه قد لا يتمكن المعطى الجماهيري الداخلي مهما كان زخمه من تبديل الوضع القائم على النحو الذي جرى في تونس، مثلاً، من دون الأخذ بالاعتبار مصالح العوائل الحاكمة الخليجية.
لقد دعم الخليجيون البحرين عسكرياً بقوات وعتاد، وسياسياً على كل الصعد، واقتصادياً بعشرة مليارات دولار، ولعل المخاوف في محلها من أن يكون المارشال الخليجي بديلاً للإصلاح السياسي والاقتصادي.
إن البعد الإقليمي، الخليجي خصوصاً، يبدو طاغياً في مسار البحرين السياسي، ومستقبلها، لذا، فإنه يبدو خطأ الاعتقاد بأن ثورة البحرين تواجه آل خليفة، إنها تواجه كل العوائل الحاكمة في الخليج، ظناً من هذه العوائل أن البحرين الديمقراطية قد تنقل عدوى الحريات إلى الجوار الخليجي، كما قد تكون منصة لدعم الديمقراطية في هذا الجوار المحافظ.

ثامناً: الحقيقة السعودية

الحقيقة البازغة الآن هي أن وجود الجنود السعوديين في البحرين، واستمرارهم لأكثر من سنتين، يظهران على نحو فاقع، أن السعودية لا إيران أو غيرها هي القوة الخارجية صاحبة اليد الطولى في المنامة.
هذه الحقيقة الجيوسياسية تبدو جلية لإيران والغرب، أكثر من وضوحها لدى بعض أطراف المعارضة.
وبالنسبة إلي، وقد كتبت عن السيناريوهات المحتملة للتسوية في البحرين، التي أراها مقبلة، وأظنها تسوية هشة وغير تاريخية، ولعلها شبيهة بتسوية أوسلو الفلسطينية، كما سميتها في سلسة مقالاتي تحت ثيمة «البحرين 2014» المنشورة في صحيفة «الأخبار» اللبنانية، فإنه لا يوجد عندي من المعطيات ما يجعلني أقول إن البحرين ستخرج من النفوذ السعودي في أي تسوية مقبلة.
إن ذلك ما يجعل معارضين مرموقين يتحدثون عن أن التغيير في السعودية مدخل أولي كي ينجَز إصلاح جوهري في البحرين، وقد يكون هذا صحيحاً، لكنني لا أشجع على التسليم لهذه الفرضية، لأنه يعني أنه يجب على البحرين أن تتنظر ردحاً من الزمن، أخشى أن يطول، كي تنجز ديمقراطيتها.
لعل البحرين بالنسبة إلى السعودية كما لبنان بالنسبة إلى سوريا، بغض النظر عن أي أمور تتعلق بطبيعة الأنظمة وتحالفاتها المتغيرة، وهكذا فإن الوجود السعودي في البحرين هو من جوانب عدة شبيه بما كان وجوداً سورياً في لبنان. وسواء سمي الوجود السعودي في المنامة احتلالاً أم لا، فإنه دون شك احتلال بالمعنى السياسي، ودون شك فإنه يخل بسيادة مملكة البحرين، ويصادر قرارها الوطني.
السؤال هنا: هل يمكن البحرين أن تكون لبنان الخليج، ولا أقول هونغ كونغ الصين، لأن ذلك قد يفهم منه دولة واحدة ونظامان، وهو ما لا أظنه خياراً يجب أن يواجه، فالبحرين دولة مستقلة، ولا يجوز التفريط في استقلالها تحت أي ظرف.
وحين أتحدث عن أن البحرين لبنان الخليج، لا أقصد تحولها إلى ساحة نفوذ وصراع اقليمي، بل قصدت كونها ديمقراطية محاصصة (توافقية بالمعنى الإيجابي) وسط دكتاتوريات عربية، ما زالت راسخة.
إنها دعوة ولا شك ليست مثالية، ولا ترضي الكثيرين الذي يتطلعون إلى ديمقراطية الأغلبية الكلاسيكية، التي ربما تكون بعيدة المنال وفق التوازنات الراهنة، لكن علينا أن نحذر بأنه إذا ما حدثت ديمقراطية على النمط الغربي الأغلبي، فإن زرقاوي بحرينياً سيكون سيد المشهد في اليوم التالي لتأليف حكومة بغالبية شعبية.

تاسعاً: الحل في العمق الشعبي والبعد عن المحاور الإقليمية

لقد أسقط ربيع البحرين أطرافاً عدة في تناقضات عميقة، وأظهر نفاقها، وعدم التزامها بمقولاتها، ويسري ذلك على دول الربيع العربي والإسلام السياسي والغرب والأمم المتحدة ودرع الجزيرة، وأيضاً الإعلام العربي، وأغلبه خليجي، الذي تعاطى مع انتفاضة البحرين كأنها حدث لا يستحق أن يعطى فرصته للتحليل.
أما السعودية، فإنها مشكلة البحرين ومعضلتها، ومن المؤسف أنها ليست جزءاً من الحل، في ظل عقيدة سعودية صارمة: أمتلك البحرين أو أحرقها. وهي عقيدة نفذتها الرياض في العراق، وتنفذها في سوريا، وبذلك تخسر الرياض، وتخسر البحرين والأمن الاقليمي.
إن الخطأ الفادح الذي ترتكبه السلطات البحرينية برمي كل أوراقها في سلة السعودية، يذكرني برمي الكويت جل أوراقها لدى صدام حسين الذي أجهز عليها في اليوم التالي لانتهاء حربه مع إيران. وحالياً فإن الكويت تحاول خلق توازنات بين ثلاثي إيران والعراق والسعودية، وهكذا لعله يجب على البحرين الجديدة أن تفعل، ذلك أن ملاذات الدول الصغيرة هي أن تضع بيضها في سلة شعوبها أولاً، وتوزعه بين الطامعين الخارجيين فيها ثانياً، لعل ذلك ينجيها من جورهم وجور الزمان.
* كاتب بحريني _ لندن