أطلق الملك الأردني في الثاني من آذار الماضي ورقته النقاشية الثالثة، تحت عنوان «أدوار تنتظرنا لنجاح ديمقراطيتنا المتجددة»؛ وفيها يتغنى (كما يتضح من العنوان) بما يسميه «الديمقراطية الأردنية المتجددة» في ظل «ملكية هاشمية» صممت الانتخابات النيابية الأخيرة، التي يعدّها «مؤشراً إلى طريق الإصلاح والتغيير». والورقة تطري بلا تحفظ على هذه الانتخابات «التي جرت إدارتها والاشراف عليها، لأول مرة، من قبل هيئة مستقلة ومراقبين محليين ودوليين»، وجرت ـــ بحسب الملك أيضاً ـــ في «أجواء تسودها الديمقراطية والشفافية»، وعبرت عن «قدرة الوطن على تجديد نخبه السياسية».

ولسوء حظ «الورقة» وصاحبها، فإن الإطراء الملكي لم ينقذها من رياح الواقع (النيابية) الهوجاء؛ إذ لم تمض أكثر من خمسة أيام، حتى اتضح أن من أبرز مظاهر تلك «الديمقراطية الأردنية المتجددة» العنف النيابي، غير المسبوق، الذي جاء ليكرس أسوأ ما في البرلمانات الفاشلة السابقة، التي لم تحظ بإدارة وإشراف مستقلين، وأقر منظموها بأنها لم تجرِ في «أجواء تسودها الديمقراطية والشفافية».
لقد مثلت الحادثة «صدمة» من نوع ما، ليس لأنها جاءت مفاجئة، بل لأنها كانت متوقعة؛ فيما تزامنها المناسب مع نشر ورقة الملك النقاشية، جعل منها رداً عملياً على ما تضمنته من أفكار وتصورات، بما يغني المعلقين عن النقاش في التفاصيل، إلى التعامل معها باعتبارها وثيقة تمثل واحدة من الحالات النموذجية لانفصال الفكر عن الواقع.
اللافت أن هذا العنف النيابي (الذي يستحضر دور القصر والأسلحة الشخصية في الحياة السياسية)، لم ينجم عن خلاف شخصي، لكنه كان أسلوباً لإدارة العمل النيابي نفسه؛ فقد جاء كرد فعل من نائب غاضب تجاه زميل انتقد رئيس الوزراء واتهمه بالفساد، فتطور هذا الخلاف بلمح البصر ليشمل قائمة واسعة من النواب، حتى تحولت جلسة البرلمان الجديد إلى حالة من الفوضى والعنف اللذين لا يمكن أن يشهدهما المرء إلا في سياق عنف الملاعب ومدرجات كرة القدم.
هذا السلوك نفسه، يأتي في حلقة تالية من السلوك المتهافت والمنافق، الذي تمثل في حقيقة أخرى من المسلك العام لنواب المجلس النيابي الجديد، إذ أفضت المشاورات التي أجراها رئيس الديوان الملكي باسم القصر مع أعضاء البرلمان و«كتله» النيابية لتحديد شخصية رئيس الوزراء الجديد، إلى تفويض النواب للملك ليختار من يشاء، باعتبار أن «سيد البلاد» هو الأدرى بمصلحة الدولة والعباد (ما ضرورة النواب ومجلسهم، إذاً!).
أما الحلقة الثالثة في هذا السلوك، فجاءت بالكيفية التي جرى فيها تجاوز الحادثة العنفية النيابية، التي كشفت بدورها عن نكوص اجتماعي إلى مرحلة ما قبل الدولة؛ فتصفية ذيول الجلسة وما شهدته من حالات اشتباك بالأيدي والتهديد بشهر المسدسات جرت تحديداً وفق التقاليد العشائرية، التي يزداد حضورها في الحياة العامة في الأردن عموماً، والحياة السياسية على نحو خاص؛ مع إشارة ضرورية إلى أن الصيغة «البرلمانية» التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة لم تنتج كتلاً بالمعنى المتعارف عليه، بل عشائر نيابية مشوهة. الحادثة النيابية كذلك لفتت الانتباه إلى ما أفرزته «قدرة الوطن على تجديد نخبه السياسية»، إذ اتضح أن ما لا يقل عن 32 نائباً (يمثلون النخبة السياسية الجديدة، وفق الملك) يحضرون جلسات مجلسهم النيابي متسلحين بمسدساتهم الشخصية. وهذا رقم أغفلته الورقة النقاشية التي اعتمدت حشد الأرقام للتدليل على القفزة النوعية في مجال «الديمقراطية الأردنية المتجددة». وهذا بالمناسبة، أقل ما يمكن اكتشافه من حقائق مفجعة معاكسة للقراءة السطحية المنفصلة عن الواقع للأرقام التي قدمتها ورقة الملك النقاشية.
وعودة إلى ورقة الملك النقاشية ذاتها، بأسلوبها التعليمي والتثقيفي الذي تجاوزه الزمن والواقع، وما تبطنه من وعي يقوم على افتراض أن التجربة والثقافة السياسية في الأردن وقف على أهل الحكم ونخب القصر، وأن تاريخ الأردن يبدأ (أو ربما.. يجب أن يبدأ) بعهد الملك الرابع عبد الله الثاني؛ فينطلق صاحب الورقة من الحديث عن الحاجة الماسة إلى تجذير الثقافة الحزبية والديمقراطية، متناسياً (أو ربما ليس في علمه فعلياً) أن الحياة الحزبية كانت موجودة في الأردن طوال الوقت، وبقيت موجودة حتى حينما انقلب الحكم عليها بالأحكام العرفية والمنع والحظر، ومارست دورها من خلال العمل السري في ظروف صعبة، من داخل وخارج أسوار المعتقلات الشهيرة التي جرى فتحها في عهد والد صاحب الورقة النقاشية نفسه.
وبنفس الدرجة، يتناول صاحب الورقة النقاشية الحياة الديمقراطية باعتبارها حالة متقدمة يجب تهيئة المجتمع الأردني الجاهل لها، بينما يتناسى (أو ليس في علمه فعلياً) أن التجارب الديمقراطية في الأردن، كانت على الدوام تجد أرضية ثقافية مناسبة ومعقولة، وكانت خياراً جذاباً للمجتمع، إلا أن كل تلك التجارب كانت تحبط من الحكم نفسه، وليست أولى ثمارها حكومة النابلسي 1957 التي أطاحها الملك الراحل في انقلاب مباشر على الحياة السياسية والحزبية... وعلى الديمقراطية! وفي جهة أخرى، تُبرز الورقة رغائبية صاحبها المسكون بأخذ امتياز تصميم الحياة الحزبية على هواه، فيريد أحزاباً كبيرة لا تزيد على ثلاثة، تمثل اليمين والوسط واليسار؛ بمعنى آخر، يمكننا أن ننتبه إلى رجل يعد الوقائع السياسية خياراً إنسانياً محضاً لا علاقة للواقع به. وبهذا يمكنه أن ينتظر من الأردنيين أن يعتبروا رغبته «السامية» فيكيّفوا أنفسهم سياسياً وفق ثقافة ملكهم السياسية. طبعاً دون أن يمنعه ذلك من الحديث المتكرر عن خصوصية الأردن التي تستلزم وتحتاج حصراً إلى «ملكية هاشمية»!
وهنا، يلفت كل مراقب أن نص الورقة النقاشية لا يختلف في تعسفه عن حادثة العنف النيابية، ويثير سؤالاً عن مسألة الاتصال بالواقع، وهل يتناسى الملك أو هو لا يعرف فعلياً أن التاريخ السياسي للأردن الحديث يبدأ قبل عهده، أم أنه يحاول تسويق هذه الفكرة، وصولاً إلى النص الذي يتحدث فيه عن «حرص الملكية الهاشمية على اتباع نهج يستشرف المستقبل، والمحافظة على دور الملك كقائد موحِّد يحمي مجتمعنا من الانزلاق نحو أي حالة استقطاب، كما يحمي قيمنا الأردنية الأصيلة»، حيث يمكن فهم النص فهماً صحيحاً، بقراءة عبارة «دور الملك كقائد موحِّد»، كالتالي: «دور الملك كقائد أوحد»!
ولا داعي هنا، إلى الحديث عن الأردنيين الذين هم في تفكير ورقة الملك عرضة للاستقطابات، التي تجعل من الملك ضرورة موحدة. مع ضرورة الإشارة إلى أن هذا الدور الذي يحدده الملك للملكية مبعثه وهم الانقسام الأردني الفلسطيني تحديداً؛ وهو الانقسام الذي يبتهج به الملك على ما يبدو، على وجه التخصيص، لأنه يمنح الملكية دوراً تاريخياً مذهلاً، ويمنحه هو مكانة خاصة فريدة، لكن ماذا بوسع الملك أن يفعل إن كان هذا الانقسام موجوداً على نحو موضوعي بين نخبه وخاصته تحديداً، وفي أوساط القصر وهوامشه حصراً. وكيف سيبرر حينها «الملكية الهاشمية»، وأين سيجد مكانته كملك رابع يفشل في إدارة ما أداره ثلاثة ملوك من قبله!
وفي معرض تأمل أوراق الملك النقاشية من حيث فكرتها، يمكننا أن نلاحظ أن الملك قد اتخذ منذ فترة وضعية هجومية، فدخل ميدان التنظير السياسي منافساً عمه ولي العهد السابق حسن بن طلال وجموع منظري السياسة من القوى السياسية المناوئة. وللأسف، فإن بعض هؤلاء الأخيرين ينضمون إلى الجوقة المكرسة لتحويل أي كلام ملكي عارض إلى نبراس فكري يضيف إلى قدمه أساطين الفكر العالمي.
وهنا، أيضاً، يمكننا أن نلاحظ أن الملك في إعلانه عن أوراقه النقاشية (تكرر مع كل ورقة) يؤكد أنها مطروحة للنقاش العام، لكن «الموقع الرسمي لصاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد الله الثاني بن الحسين المعظم» (هكذا يشترط الإشعار القانوني للموقع الإلكتروني الإشارة إليه!) يحتفي بالآراء المؤيدة، والمرحبة، والمحتفية بتلك الأوراق النقاشية، ويغفل كل رأي يبدي ولو ملاحظات نقدية بسيطة (يفترض أن الملك من جهة الأم حفيد الثقافة السياسية البريطانية، ومن حيث الدراسة والهوى متشرب للثقافة السياسية الأميركية، وهذا يؤهله لأن يدرك أنه يعيش في القرن الحادي والعشرين، وليس محظوظاً بالقدر الكافي ليمارس ملكية أوائل القرن العشرين!).
وهذا ليس بأهمية أن الملك بات، بالفعل، يجد الظرف مواتياً ليتخذ وضعية هجومية، إلى درجة أنه قرر وعزم على طي صفحة الحوار الوطني، وعلى الاكتفاء بإعلان آرائه السياسية، لِيَتَّبِعها شعب من المفترض به أن يقرّ بحاجته المصيرية والحياتية الملحة لـ«ملكية هاشمية» تصنع «ديمقراطية أردنية متجددة»، تستمد عدتها البرلمانية من سوق السلاح الخفيف!
* كاتب أردني