في متابعة دقيقة ومتواصلة لتطورات الاحداث السورية، بات من الملموس أنّ المرحلة السابقة انتهت بفشل المعارضة والحلف الغربي ـ العربي. توقع الحلف سقوط النظام السوري في غضون أسابيع، أو أشهر قليلة على غرار النتائج التي وصلت إليها الأحداث في كل من مصر وتونس وليبيا. اعتقد الحلف أن انطلاق الأحداث من درعا (منذ عامين) سيمتد بسرعة في سوريا، وستكون الجماهير السورية على أهبة الاستعداد للنزول إلى الشارع، والضغط لإسقاط النظام المتمثل في رئاسة بشار الأسد. دعت التظاهرات الأولى إلى رحيل الأسد، ولم يكن بحسبان التحالف المعارض للنظام أن يصمد هذا الأخير، وأن يظل جيشه متماسكاً لفترات طويلة، وافترض أنّ الجيش السوري جيش نظامي لن يستطيع خوض حرب الشوارع، ومواجهة أنواع تقليدية ومستجدة من حروب العصابات. لكن المرحلة الأولى انتهت، ولم يسقط الأسد، ولم يتفكك النظام، لا بل تمكن من توسيع سيطرته، ومنع سقوط أي من المدن الرئيسية، دون إغفال أنه لم يستطع القضاء على الحركة المسلحة المعارضة لنظامه، والمتمثلة في الجيش الحر، وقوى آخرى كجبهة النصرة، والإخوان المسلمين.

هذه المرحلة من درعا، وشهدت ثلاث جولات بدأت بالتظاهرات والاحتجاجات، وترافقت مع ضخ إعلامي مركز اتصف بالكثير من التضخيم والقليل من الحقائق، ولم تلبث أن اندلعت الجولة الثانية من هذه المرحلة. وتمثلت في تحويل المواجهة إلى العمل المسلح الاحترافي، ومحاولات إقامة مناطق عازلة على الحدود المحيطة بسوريا، وما استمر منها بقوة هو المناطق التي دعمتها السلطات التركية، والتي تمثل الجبهة الأصعب. أما الجولة الثالثة، فكانت محاولة تصعيدية كبرى للمعارضة في محاولة منها لاقتحام حلب، والسيطرة عليها، واختراق العاصمة دمشق، لكن المحاولات لم تفلح، إذ لم تستطع المعارضة السيطرة على حلب، واقتصرت على تقاسم السيطرة على عدد من الاحياء الداخلية، بينما فشلت في الاقتراب من دمشق. لم يشعر النظام بضعف كبير يفرض عليه التنازل لحلول طرحت من الخارج، فرفضها، مما جعل الوضع السوري مستعصياً على الحل، ولم تنجح كل محاولات اخضاع النظام، بمساعدة الدعم الشرقي الذي تلقاه سياسياً ودبلوماسياً من قبل دول كبرى كروسيا والصين وإيران، وقوى يحسب لها حساب في ميزان القوى الاستراتيجي في المنطقة كحزب الله. رفض النظام العروض التي طرحت عليه، بداية برحيل الأسد، ثم بمحاورة أطياف المعارضة المختلفة، والبحث في تداول السلطة معها، مما أدخل سوريا في المرحلة الثانية من المواجهة، بعدما صعّد تحالف الدول الغربية ـ العربية موقفه، وضخ المزيد من المسلحين والمال والسلاح الأكثر تطوراً من السابق، مما جعل المعركة تستعر بوتيرة أعلى وأشد عنفاً.

نقاط على حروف المرحلة السابقة

بموازاة هذه التطورات الميدانية، استمر الحراك السياسي الخارجي والداخلي، وارتفعت أخيراً مؤشرات الحديث عن قرب التسوية في سوريا، لكن وتيرة المعارك ترتفع، ويحاول كل من طرفي المعارضة والنظام تحسين وضعه الميداني. وهذا يطرح تساؤلات عديدة عن قوة كل طرف، ومقدرته على الحسم، أو إمكانية تحصيل مكاسب جديدة، وتغيّر فعلي في الخريطة العسكرية. وتشي الوقائع بشيء من العقم في أداء الطرفين، ويبدو أحياناً أنها تصل إلى حدود العجز، فالمراوحة في الكر والفر ليست تكتيكاً بقدر ما تعني تبريراً لم يعد مقنعاً بعد انقضاء عامين على الأزمة.
المجموعات المسلحة تحاول الاستفادة من الانتشار الواسع للجيش لتحقيق مكاسب في مناطق نائية لا تقدم ولا تؤخر بالمعنى الفعلي والحاسم، مع محاولات استعراضية داخل المدن، لكن لبضعة أيام أو ساعات مع تكلفة باهظة جداً. يجري ذلك في ظل الإخفاق في توحيد فصائلها السياسية المعارضة، وتشكيل قيادة مركزية لقيادة المعركة وحسمها، فاستمرار المعارضة كمجموعات متنافرة، مشرذمة تعتمد على المبادرة الفردية، لن يمكنها من انجاز أكثر مما تحقق، بل سيتحول لاحقاً الى عبء ومشكلة. في المقابل لم يتطور أداء الجيش. ولا شك أن القيادة السورية ارتكبت أخطاء جسيمة طيلة العامين المنصرمين مما أطال الأحداث، وأدخل البلد في مزيد من الدمار والقتل والتهجير.
صحيح أن تماسك المؤسسة العسكرية يسجل لها، وهي لجمت اندفاع المسلحين وأنهت الجولة الاولى بصمود كبير للنظام، وهذا جعل الحكم في سوريا يرفض كل محاولات التسوية، بل خرج من المرحلة الأولى منتصراً، لكن هذا لم يعد كافياً، فمعركة دمشق الثالثة تؤكد وجود شوائب وثغر لم يعد ممكناً تبريرها أو حجبها. بالرغم من أن عامل تماسك المؤسسة العسكرية سيعطيها فرصاً أخرى لإحداث تطور نوعي لاستدراك الأخطاء السابقة، وهذا ممكن، فالمقدرة على إعادة هيكلة الجيش في الواقع الميداني، ووفق شروط متغيراته، هو من شروط الجيوش القوية.
لقد بنى ستالين جيشه العظيم إبان الحرب العالمية الثانية، وكذلك الفيتكونغ، ولم يكن جوكوف وهوشي منه معروفين قبل الحرب، بل مغمورين.
إن عدم تقدير الموقف واستثمار المعلومات أوقع قيادة الجيش في سقطات مكلفة. فقد شبهت اندفاعة النظام الأولى باندفاعة الفيل الأعمى، فاجتاح ودمر، لكنه افتقد في المرحلة الأولى الوحدات المحترفة لخوض حروب شوارع، ولم يثبت مواقعه في المناطق الكثيرة التي أعاد السيطرة عليها.
من بداية الأزمة، كانت المعركة مفتوحة على كل الاحتمالات، أو على الأقل مبهمة، وتطورت على نحو دراماتيكي: حدود مشرعة، توافد مسلحين، أموال، سلاح، اعلام مركز، مع مدن ثائرة. حركة دائرية كاملة، يصعب مواجهتها بالطرق المتبعة، وآليات العمل السابقة، هذه المعطيات تفرض عدم التسرع وتشتت الجيش، إنما التريث والمناورة والاكتفاء بالاختبارات النارية لحين إنضاج الصورة ومعرفة قوة الخصم. لقد استعجل النظام الأمر، وحاول اخماد الاحتجاجات في كل المدن ففشل. نعم لقد نجح في لجمها، وعدم السماح بسقوط المدن الرئيسية، وطرد المتحركين إلى الأرياف، لكن بتكلفة باهظة جداً أثرت في أدائه لاستكمال مهمته، مما أتاح للمقاتلين الوصول إلى عقره داره، العاصمة.
هذه الثغر كانت ناتجة عن عوامل عديدة منها: تشابك الأذرع العسكرية، عدم تنسيق الحركة والنار، ضعف الأجهزة الأمنية، أو فرق الاستطلاع، تشتت الجيش. فتشتّت الجيش أوجد ثغراً تحولت إلى مواقع، كبرت كبقع الزيت، فالنجاحات السريعة تترك جيوباً مزعجة، لا بل تكون أحياناً قاتلة (داريا مثلاً)، كان أن الغوطة الشرقية أصبحت منطلقاً لشن عمليات واسعة.
في مواجهات كهذه يفترض أنّ كل شيء محسوب، وخاصة أن سوريا تحت مجهر كل استخبارات العالم. لذا يمكن الاستفادة من كل ثغرة. فهتلر، مثلاً، نجح في اختراق كل مدن الاتحاد السوفياتي، لكن هذا كان مقتله، بينما كان ستالين المتحصن في الكرملين يُعدّ لهجومه الكاسح على برلين، فالأطراف تبقى أجزاءً وهي بكل الحالات أطراف.
كما أنّ معركة تفتناز استمرت تسعة أشهر، وهي مدة طويلة، باهظة الثمن لمنطقة ريفية ـــ نائية، لا قيمة استراتيجية لها، وهي عبارة عن مهبط صغير للطائرات المروحية يمكن استبداله بأي مكان آخر، والانسحاب إلى داخل مدينة ادلب والسيطرة عليه بالنار.
أو معركة حارم التي ليست سوى قلعة أثرية، لا تقدم ولا تؤخر، كما الأتارب وبنش، مناطق تقع على الحدود السورية ـــ التركية ومن السهولة تحويلها إلى مناطق تماس، أو كما يقال مشاع، بدلاً من استنزاف الجيش في تلك المناطق النائية.
بالتأكيد لقد صمد الجيش ومعه نظامه، ومنع السقوط الحتمي، الذي كان مقرراً إلى أبعد حدّ، في النصف الثاني من كانون الأول 2012. استطاع الجيش احتواء الهجمات وتثبيت المدن الرئيسية، وبناء خطوط تماس داخل العديد منها، لكن هذا لم ولن يحسم المعركة، وسيكون لاستمرار المراوحة تداعيات خطيرة.
بدخول الأزمة السورية عامها الثالث، تكون قد انتهت الجولة الأولى، وبدأ الإعداد للجولة الثانية، بعد وجبات ساخنة عدة. في الجولة الأولى، سقطت أوهام التسويات والمفاوضات والتنازلات، وخرج النظام من الجولة الأولى صامداً وثابتاً في مكانه، لهذا بدأت الاستعدادات لجولات عنف أشد. ولم يعد أمام كلا الطرفين سوى الحسم.
لكن الحسم يتطلب آليات أخرى، وعلى الجيش إعادة النظر في هيكليتة وفي كيفية إدارة المعركة. فتشتت الجيش عبر استراتيجية الشجرة التي تمد أغصانها على نحو عام ثم تنكفئ لم يكن مجدياً، لهذا سيكون من الأولويات إعادة التجميع لبدء المعركة من الثبات، والبداية من المدن الخمس.
فالعاصمة دمشق تمثل قاعدة النظام، ومنطلقاً لإدارة المعركة العسكرية والسياسية، وريفها الدرع الواقية لتجميع وتحشيد العسكر. وحمص المحافظة الوسطى، المتداخلة مع عدة محافظات، والمفتوحة على لبنان.
وحماه عاصمة الإخوان المسلمين، وهي متصلة بحمص، إضافة إلى حلب عاصمة الصناعة والاقتصاد المرتبطة بالنظام. ودرعا المتاخمة للأردن المتواطئ مع النظام السوري والمساند له لاستئصال «الإخوان المسلمين».
يقال إنّ معركة المدن الخمس ستبدأ قريباً، وتتضمن الخطة تأمين كامل الريف الدمشقي مع السيطرة على طريق دمشق ـ حمص ـ دمشق ـ حلب، دمشق ـ حماه، وطريق حمص حماه، وتنظيف المناطق المتاخمة للحدود اللبنانية، كذلك إعادة السيطرة على كامل مدينة حلب.
وفي المرحلة الثانية من الصراع، وبغض النظر عن أخطاء الطرفين، وما آلت إليه نتيجة المعارك، يحاول كلا الطرفين الاستفادة من تجارب المرحلة الأولى، فكل منهما حقق نسبة معينة من النضج العسكري خلال عامين من القتال. وتبقى الأرجحية للنظام الذي استطاع أن يحافظ على جيشه متماسكاً، وأثبت مقدرة في إعادة التجميع والتحشيد والتعبئة، مركزاً على تجربة طويلة، ودينامية عالية في استيعاب الدروس. ومن المعلومات المتوافرة أن النظام قد بدأ تنظيم صفوفه منذ تشرين الثاني المنصرم، استعداداً لحسم خمس مدن حسماً كاملاً قبل نهاية العام الجاري، مدركاً الأخطاء السابقة، ومستدركاً لها. وفي حال نجاح النظام فسيُعاد ترتيب الوضع الاقتصادي والمعيشي، على أن تستكمل بقية المدن لاحقاً بعد تثبيت وضع المحافظات الأساسي بهدوء، فتصبح عمليات الجيش انطلاقاً من الثبات أكثر ضمانة، وأقل تكلفة.
في المقابل تشير المعلومات أيضاً إلى استعدادات كبيرة للمعارضة، وحشد أكثر من سبعين ألف مقاتل في محاولة منها لحسم معركة دمشق.
وكلا الطرفين يعتمد على مطابخ عسكرية وأمنية ودعم لوجستي، لهذا يرجح أن تكون المرحلة الثانية هي المرحلة الأخيرة الحاسمة. هذه المعركة ستمتد إلى نهاية العام، والمنتصر فيها سيفرض شروطه، ويحكم سوريا في انتخابات 2014.
* كاتب لبناني