بين الغنم وتيس الماعز


جميل أن تجري انتخابات الرابطة المارونية في جو ديمقراطي أخوي، تعلو البسمة اوجه الحاضرين الناخبين وتتسابق القبلات على الوجنتين، وكأن طبعها على الخدود الحليقة بقوة وبشغف، يمنة ويسرة ثم يمنة، واجب من واجبات اللياقة الظاهرة، تؤكد عمق الصداقة والمعرفة المتبادلة على مر السنين.
ورائع ان تشاهد من يسمّون نخبة الموارنة، ورثة الصدق والامانة وحاملي سيف الشجاعة، الذين تحدّوا حكّامهم وأمراءهم، وسطّروا ملاحم البطولة ليحافظوا على قراهم وجبالهم، يتدافعون للوصول الى صندوق الاقتراع للادلاء بصوتهم أحراراً غير مكبلين، يدخلون العازل بعد ان يغرقوا سائليهم بالوعود والابتسامات المطمئنة، ثم يخرجون بعد وقت غير قصير، بعد التشاور مع ضميرهم الحي، انفرادياً، ويدلوا بصوتهم من دون التخلي عن الابتسامة والقهقهة.
وحدها عيونهم تكشف حقيقتهم، وتفضح المستور من ادعائهم، وتظهر لمن يراقبهم، مدى الافتراق الحاصل بين ما نطق به الفاه وما غمزت به العين. سبعة سنتمترات تفصل العين عن الفم، والاف الكلمات تشرح الصدور، ولكنها تزنر مطلقها بكلمة واحدة ناقصة: الصدق.
في غمرة يوم الانتخابات الطويل، حيث الكل يعرف الكل وحيث كانت «المحبة تصارع المحبة»، اسر لي احد المرشحين، الناجحين في ما بعد، وهو محام، وقد رآني في نشاط كبير، اقدم التحيات الممزوجة بالاحترام الفائق:
ــــ يا صاحبي، هل تعرف ما هي اولى حسنات المحامي الناجح؟
أجبت: هي الحنكة اولاً ومعها الكلام الموزون.
أردف محدثي: لا، بل هو الكذب.
أجبته سريعاً: وما قد تكون اذاً اولى سيئاته؟
هنا اختفى الرجل عن نظري بلمحة برق، ورأيته على بعد امتار، وقد بدأ للتو حديثاً مع شخص آخر، وفي الوقت نفسه يرمقني من بعيد بنظرة تحبب ودهاء، وكأنه يسألني ان اتعلم طريقته الناجحة في الاداء.
لقد كانت انتخابات المجلس التنفيذي للرابطة المارونية، رئيساً وأعضاء، قمة في الديمقراطية والحضارة، تلك الحضارة التي نعيشها هذه الايام والتي تذكرنا بمرحلة الانحطاط، بعد سقوط الدولة العباسية، وزمن القرون الوسطى في اوروبا.
انها حضارة الواقع الذي نعيشه كل يوم، وهو نسخة عن كل انتخابات نشارك فيها، بلدية كانت ام نيابية.
لقد كانت نخبة الموارنة سعيدة وفرحة بانتصارها على نصفها الثاني، بالصدق والامانة، وخصوصا بعنفوان الموارنة!
نديم نادر