أتابع مقالات الأستاذ أسعد أبو خليل لأني أجد فيها مادة أكاديمية ومعلومة موثّقة، وخاصة متى أخذ يشرح عن أسماء أكاديمية وأدبية وسياسية في لبنان وأميركا. وأختلف معه في بعض تشخيصاته وفي ذهابه أحياناً إلى أحكام مطلقة ومواقف نهائية حاسمة، وخاصة في أمور تحتاج إلى التأني والتفكّر (ويحضرني هنا ردّي على مقالته عن جبران خليل جبران قبل أعوام).
ولقد طالعت مقالته «جورج حبش والجامعة الأميركيّة في بيروت» («الأخبار»، 13 شباط 2016)، فأحسست أنّ دويّ مدافعه ضد الجامعة كان أعلى صوتاً من كتاب أسامة المقدسي مدافع الجنة. ولستُ هنا في معرض الدفاع عن الجامعة الأميركية، فلستُ من متخرّجيها وأفضّل عليها الجامعة اليسوعية في بيروت، بل إنّي اتفق مع الأستاذ أبو خليل في مواظبته على نقد السياسة الأميركية في المنطقة.
ولكني وفق مبدأ لا تلعنوا الظلام بل أضيئوا شمعة، أضيء في هذه المقالة شمعة للجامعة الأميركية في ظلام الشرق.

على مرحلة الانحدار فقط، أوافق أبو خليل بأنّ الجامعة فقدت دورها

عن التبشير وفقدان الريادة

لا شك أنّ الجامعة الأميركية ولبضعة عقود (1866-1918) مارست دوراً تبشيرياً بروتستانتياً. ولكن لمَ العجب؟ فهي في مراحلها الأولى كانت «الكلية السورية البروتستانتية» وبُناتها هم المبشرون الأميركيون الأوائل. وعملها التبشيري أتى في سياق عشرات المدارس الإرسالية الأجنبية التي انتشرت في لبنان والمشرق منذ القرن الثامن عشر، وكان بينها مدارس ومعاهد روسية وإنكليزية وإيطالية وخاصة فرنسية. أمّا كتاب أسامة المقدسي الذي يستشهد به الأستاذ أبو خليل (Artillery of Heaven: American Missionaries and the Failed Conversion of the Middle East: The United States in the World ) فهو لم يُقدّم الجامعة الأميركية بقالب سلبي استعماري ــ كما يوحي كلام الأستاذ أبو خليل ــ بل عالج الجانب التبشيري وذكر الجامعة الأميركية ضمن عرض شامل لموضوع التبشير ولم يكن دراسة عن التربية والتعليم، وهناك الكثير من المؤلفات التي تسلّط الضوء على الجانب التربوي في الجامعة.
وثانياً، لا شك أنّ الجامعة الأميركية في بيروت قد فقدت الكثير من دورها التعليمي والتنويري، ولكن هذا ينطبق على مرحلة من تاريخها تبدأ مع اندلاع الحرب في لبنان (1975)، لا على تاريخها كلّه. فعلى مرحلة الانحدار فقط، أوافق الأستاذ أبو خليل بأنّ الجامعة فقدت دورها. ولقد شهدتُ بعض انحدارها وللأسف أثناء محاضرة لي قبل سنوات، بدعوة من كلية إدارة الأعمال في الجامعة الأميركية بمناسبة صدور كتابي Warlords and Merchant. وكانت محاضرتي بالإنكليزية. تلاها نقاش، ففوجئت بضعف الحضور ــ طلاباً وأساتذة ــ باللغة الإنكليزية وافتقارهم إلى سلاسة التعبير بلغة شكسبير. كما التقيت هنا في كندا متخرجين في الجامعة الأميركية حضروا للدراسات العليا، وآلمني ضعف لغتهم الإنكليزية وفقر معرفتهم بميدان تخصّصهم (علم الاقتصاد مثلاً)، والذي من المفترض أنّ الجامعة الأميركية في بيروت قد حضّرتهم له.


عصر الجامعة الذهبي

افتراق رأيي عمّا جاء في مقالة الأستاذ أبو خليل يبدأ باستعماله عبارة «خبريّة النهضة» للإشارة إلى عصر النهضة العربية. فهو جعل كلمة النهضة بين هلالين واعتبرها «خبريّة» (أي بين الكذب والحقيقة في الدارج اللبناني) لا أكثر. فهو يسخر هنا من أجمل الحقبات في تاريخ لبنان والعرب المعاصر، أي النهضة الأدبية والثقافية في 1860 – 1940.
ولأنّي أدركُ أنّ هذا حديث يطول وفيه وجهات نظر، أكتفي بالدعوة إلى عدم الاستخفاف بمزايا النهضة المشرفة وبروّادها، وأعود هنا إلى الحديث عن الجامعة الأميركية صاحبة الدور الهام في هذه النهضة. فلا أوافق الأستاذ أبو خليل بأنّ الجامعة كانت تجربة باءت بالفشل. بل إنّ نجاحها كان الأبرز، إذ بين عهد «تبشيري» وعهد «انهيار»، ثمّة حقبة مديدة بين العهدين استمرّت أكثر من نصف قرن (1918-1975)، كانت فعلاً عصراً ذهبياً للجامعة التي قدّمت عشرات بل مئات المبدعين في كل علم وفن وعشرات القيادات الوطنية، ليس للبنان وفلسطين وحسب، بل للعراق ومصر والجزيرة العربية وحتى لبعض بلدان آسيا.
وكما لا يجوز اجتزاء سيَر مبدعين كسعيد عقل مثلاً بمرحلة أو بتصريح له، أو كأفلاطون برأيه في الاستعباد، لا يجوز أيضاً اجتزاء تاريخ الجامعة الأميركية لنختار شطراً نستعمله لإعادة صياغة تاريخها كلّه على أنّه سلبي، أو أنه كلّه تبشيري. فهذا ليس من عمل المؤرخين، بل هو تاريخانية انتقائية تبدأ من عام صفر حدّده باحث ينظر إلى الجامعة من منظور الأحداث الحالية على أنّها أداة للسياسة الأميركية. وهكذا إذاً ــ في مقال الأستاذ أبو خليل ــ تصبح «حكاية الجامعة الأميركية في بيروت هي حكاية محاولة استعمارية تبشيرية».
وقد أتفهّم دفاع الأستاذ أبو خليل عن اسم جورج حبش في المقالة لما للدكتور حبش من مقام بعدما استفزّه تجرّؤ الإعلام على ربط اسم حبش بالجامعة. ولكن لو وضعنا أسلوب المقالة الغاضب جانباً، لوجدنا زبدة النص تكاد تقول إنّ حبش وحده دون سواه هو أبرز من تخرّج في الأميركية وكفى، أو أنّه يكفيها فخراً. وأنّ جورج حبش هو الذي أثرى الجامعة الأميركيّة وأغنى جوّها الثقافي، وليس العكس. نتساءل: جورج حبش أثرى الجامعة وهو المتخصّص بالطب وليس العكس؟ إنّ هذا الرأي يحتاج إلى التدقيق عن تلك المرحلة التأسيسية ولا يكفي ما جاء في كتاب فؤاد مطر عن «حكيم الثورة». فقد سبقت أفكار العروبة والتقدمية في الجامعة الأميركية وصول الطالب جورج حبش بعقود مع ولادة جمعية العروة الوثقى في الجامعة ومجلتها وعمالقة الأدب والفكر من قسطنطين زريق وكمال اليازجي وأنطوان غطاس كرم وخليل حاوي، إلخ. وليس مقبولاً الفصل في تاريخ العروة الوثقى بين مرحلة ما قبل حبش وما بعده، أو القول إنّها تخصّصت في الأدب وفي اللغة فجاء حبش وثوّرها. وهل كان ممكناً عام 1920 نهوض العرب والفكر القومي والعلماني من دون اللغة والأدب، وهل كان ممكناً أن يفعل الدكتور حبش ما فعله لو تخرّج في جامعة دمشق في الفترة نفسها مثلاً؟
وكيف يمكن لأي باحث أن يتجاهل دور مكتبة الجامعة الأميركية العريقة والغنية بكنوزها ومحفوظاتها، وقد ذكرها الشاعر أدونيس وكأنّه الاكتشاف الأكبر منذ قدومه إلى بيروت. وأنّه كان يزورها يومياً في الستينيات لمطالعة كتبها النادرة. حتى إنّه سرق من تلك المكتبة كتاباً نادراً عن «الشاعر النفري» اعتبره كنزاً نادراً لا يزال يحتفظ به إلى اليوم، واستوحى منه الكثير (كما ذكر في كتاب حوار مع أدونيس لصقر أبو فخر، ص 51 – 52).
وفوق ذلك، يقول الأستاذ أبو خليل إنّ «مقابل كل حالة نادرة مثل جورج حبش، هناك حالات بالآلاف لأشخاص مثل فؤاد السنيورة ووليد جنبلاط وزلماي خليل زاد». وهذا المنطق تعوزه الدقّة. فليس صحيحاً «أنّ حبش كان استثناءً، فيما السنيورة وجنبلاط وميقاتي وزلماي خليل زاد هم القاعدة»، بل ثمّة العشرات في «معسكر حبش» كما العشرات في معسكر «السنيورة وجنبلاط». ونذكر هنا بعض الأسماء ــ النجوم في دنيا العرب ممَّن درسوا في الجامعة الأميركية أو عملوا فيها ونهضوا بالبلاد ويستحق معظمهم دراسة مفصّلة:
أنيس فريحة وأحمد إيبش وأسد رستم وأمين المعلوف وأنطون سعادة وأنيس صايغ وإبراهيم طوقان وأغناطيوس الرابع هزيم وإميلي نصرالله وتوفيق صايغ وربيع جابر وجرجي زيدان.
وكذلك، حسن كامل الصباح وحليم بركات وخليل حاوي وخليل رامز سركيس ورياض سلامة وسعدون حمادي وسلمى الخضراء الجيوسي وسليم الحص وشارل مالك، وشبلي الشميّل وشفيق الحوت وصادق جلال العظم وصبحي المحمصاني.
وأيضاً، عادل ضاهر وعبد الحميد شومان وعبد الرحمن الشهبندر وعبدالله الريماوي وعبد المنعم الرفاعي وعدنان الباجه جي وعدنان البخيت وحنان العشراوي وعصام نعمان وعلي الوردي وعمر أبو ريشة وعمر فروخ وغادة السمان وغسان تويني وفواز طوقان.
كذلك، فيليب حتي، وقدري طوقان وقسطنطين زريق وكمال الصليبي وكمال ناصر وليث شبيلات ومجيد خدوري ومحمد جابر الأنصاري، ومحمود كحيل ومعن بشور ومنير البعلبكي ونبيه أمين فارس وناصر الدين النشاشيبي، ونقولا زيادة وهشام شرابي وديفيد هيرست ووليد غلمية ويعقوب صروف.
وعلى هامش الأسماء، أشار الأستاذ أبو خليل إلى تنويه الأستاذ سمير عطاالله بمتخرّجي الأميركية كألبرت حوراني و«فات عطاالله أن ألبرت حوراني لم يدرس يوماً في الجامعة الأميركيّة في بيروت». والحقيقة أنّ ألبرت حوراني لم يكن بعيداً عن الجامعة الأميركية في بيروت، بل كان أستاذاً فيها في الأعوام 1937-1939. (أنظرAl-Sudairi, Abdulaziz, An Intellectual Biography of Albert Hourani, p. 21).

الجامعة الأميركية ونهضة رأس بيروت

ثم نستغرب نوعاً ما تحليل الأستاذ أبو خليل أنّ بيئة الجامعة هي التي أثرت الجامعة وليس العكس. حتى إنّه يقول إنّ «دور مطعم فيصل يفوق دور الجامعة من حيث ضخ روح قوميّة علمانيّة وحدويّة متسامحة في المنطقة التي وُجدت فيها الجامعة صدفة». ونتساءل: وجود الجامعة كان «صدفة»؟ مطعم فاق دور جامعة؟
فلو قال الأستاذ أبو خليل إنّ المسألة بين الجامعة وبيئتها كانت تفاعلاً من الجانبين، لانسجم ذلك مع وجهة مقالته. إلا أنّه أنكر أي دور للجامعة في إنعاش ونهوض حي رأس بيروت الذي وصفه بأنّه «واحة من التسامح والليبراليّة والحريّة» في صحراء «التخلّف العربي» وأنّ «بيئة الجامعة هي التي أثّرت عليها إيجاباً وحدّت من جشعها التبشيري والاستعماري».
والحقيقة أنّ رأس بيروت لم تكن لتلد وتنهض من دون وجود الجامعة الأميركية هناك، وهذا واضح إلى اليوم. لا بل إنّ أي نهوض في رأس بيروت لم يكن ممكناً من دون الجامعة، وخاصة منذ الخمسينيات، أي بعدما مضى على وجود الجامعة الأميركية 90 عاماً. وأي دراسة للعاصمة قبل 1940 سوف تظهر أنّ رأس بيروت كانت أراضي بريّة ومساحات مزروعة. وما جاء شقّ خط الترامواي إلا ليصل باب ادريس بالجامعة وحسب (راجع كتاب تاريخ بيروت لسمير قصير ص. 143-184) وظهور المطاعم والمقاهي والمكتبات كان بفضل الجامعة. نهضة رأس بيروت ليست حدثاً عرضياً ذاتياً، بل إنّ تجمّع عدد هائل من الطلاب العرب، ومن مختلف الأقطار العربيّة حصل بالضبط لأنّهم جاؤوا إلى هذه الجامعة.
ثم من أين لرأس بيروت الأفكار الليبرالية والتقدمية وسواها وهي أفكار أوروبية وأميركية؟ سوى لأنّ الجامعة الأميركية كانت هناك وخلقت تلك الفئة المثقفة الواعية في عصر كانت فيه بيروت خارجة من قرون الجهل والتخلّف التركي، فتعلّمت الأفكار الأوروبية من جامعات ومعاهد كالجامعة الأميركية. والأستاذ أبو خليل لم يجد سوى الاعتراف بذلك في معرض مقارنته بالجامعة اليسوعية. فيقول إنّ الأميركية درّبت نخباً عربيّة وكانت مساحة لنشاط الحزب القومي العلماني. كما تشهد مئات الندوات والمؤتمرات الفكرية ومنشورات الجامعة من كتب وملخصات، بتاريخ الجامعة الأميركية في الفكر العربي المعاصر.
*أستاذ جامعي