في فيلمه «الحظوة» the prestige يسرد الكاتب والمخرج كريستوفر نولان رؤيته حول السحر والخديعة. في السحر مراحل ثلاث، تبدأ أُولاها بأن تتصرف باعتياد وواقعية. تمارس بواقعيتك فعل السرد، كأن تُسكن المشاهد عالم الوهم. تنتخب من الوقائع كلها أمراً محدداً، تتلاعب بالواقعة المحددة عند لحظة فارقة ومحددة أيضاً لتقنع المشاهد بأنّ أمراً ما قد حدث. السحر نظام واقعي ومنطقي يكتنز علاقة ضمنية مضمرة، على الساحر أن يختار بذكاء وعناية بالغين لحظة محددة يعيد إنتاج الواقع والمعطى والمشاهد أيضاً وفق فاعلية تصوّر خاص. للسحر نظامه الخاص الجدير بالقراءة والتفسير، مثلما لنظامه النفسي مبنى دلالي خاص. هو يختلف عن العرافة أو الطالع، لكنه يشترك معهما في شِرطة علاقة الخضوع والهيمنة. في كل سحر، كما في كل عرافة، مهيمن وخاضع، وإن اختلفا في مرجعيتهما وفلسفتهما.

المفهوم له سحره الخاص هو أيضاً، ربما من خلال مساهمته في اكتشاف لغز ما، أو من خلال تكثيفه وبنائه حقولاً مفهومية مركبة. قد يكون هذا من نوازع ما حمل ماكس فيبر مثلاًَ، للحديث عن أهداف معرفية محددة «لمفهوم الدولة». إن لمفهوم الدولة عناصر يتركب منها ويتحدد بها في كل لحظة من لحظات إعمال المفهوم واقع. الأسطورة، واللغة، والسرد، والمعنى، بنائية تأصيلية هي الأخرى تترابط وتتنازع العلاقة مع الدولة في تحديدها للهوية، الرمز، الذاكرة، والوعي الإنساني.
لقد أدّت الدولة عبر التاريخ دوراً انتزاعياً في الصراع على السرد. لم يكن تفكير أفلاطون في كتاب الجمهورية منبتّاً عن نزاع اللغة والأسطورة والذاكرة، الفلسفة والشعر. ثمة حاجة لحسم مرجعيّة الأنا الواعية. بدت أثينا عشية محاورات فيدون، وفيدوراس، والمأدبة، مشغولة باختبار سرد الأسطورة. تنقل إلينا «فايدروس» بعضاً منها، كيف استطاع فايدروس استدراج سقراط لخارج أسوار المدينة وسؤاله عن صدق الأسطورة بورياس وميلاد أوريثيا.
غريب جواب سقراط وجميل في آن واحد، من العبث ما دمت أجهل نفسي أن أهتم بمثل هذه القضايا الغريبة (فايدوراس، الفقرة 229). إن معرفة الذات وطبيعة الجوهر الإنساني سابقة ـ لا شك ـ على معرفة العلاقة الناظمة للغة والوعي والأسطورة والسلطة.
شغلت علاقة الذات بالأسطورة الملحمية والدولة (الشعر والفلسفة) حيزاً مهماً من السجال اليوناني: من يعطي المعرفة؟ ومن يضفي المشروعية؟ سؤال شغل الأكاديمية اليونانية من سقراط إلى أرسطو. كانت اللغة حقل هذا الصراع ووجهه، هل اللغة دالة أو مولّدة؟ مرة جديدة لم يكن أفلاطون في رفضه للشعر رافضاً للأسطوري فحسب، بل كان رافضاً للواقع المغترب عنه، للسياسة والمدينة بشكل مضاف. السماح للشعر في نظر الأفلاطونية هو السماح بالأسطورة، والسماح بالأسطوري هو سماح بتفلت لغوي، لا يتحقق بغير إحباط لكل المحاولات الفلسفية، ودون إضعاف لأسس الدولة نفسها. تبدو هذه المقاربة مناسبة لفهم علاقة الدولة بالأسطورة واللغة، كان ارنيست كاسيرر نفسه قد نذر جزءاً وفياً من حياته بداية الأربعينيات لاكتشاف أواصر هذه العلاقة. هل تسمح الدولة بتمادي الأسطوري في الزمن؟ وما علاقة اللغة بالزمن والأسطورة؟
حسم كاسيرر رأيه. ليست الأسطورة تشوّهاً لغوياً أو ظلالاً عتِمة لوعي اللغة ــ كما افترضها ماكس مولر ــ إنها فاعلية التعبير الذي يكسي الإنسان القدرة على تنظيم غرائزه البعيدة الغور وآماله ومخاوفه. ربما من هذه الزاوية كانت نبتة القرابة بين الأسطورة والدين. للأسطورة نظامها الخاص كما للدولة، تعيد معه إنتاج اللغة، والذات/ الوعي، والسرد، والزمن.
مع نهاية مرحلة النهضة، وبداية عصر الأنوار، كانت أوروبا تستعيد الميراث اليوناني على أرضية من السرد المستأنف، وفي الوقت الذي شُغلت فيه أكاديمية النهضة بتجسير سرد المنبت اليوناني، كان سؤال المشروعية والمعنى وعلاقته باللغة والزمن والدولة يقرع تخوم الحاضرة الأوروبية. لقد نحا هيجل عند حديثه في «أصول فلسفة الحق» منحى الأفلاطونية. الوعي الكلي عند هيجل لا يعرف ذاته زمانياً إلا في الدولة. الدولة هي اكتمال مسيرة الله على الأرض، وهي نفسها الهوية/ الوعي في قيام النهضة الجرمانية، والهوية/ اللاوعي عند احتلال فرنسا لألمانيا. الوعي واللاوعي لا يجتمعان عند هيجل، لذا عاش حالة من الاغتراب عند احتلال ألمانيا.
قد صدق كيركيغارد عندما اعتبر أن هيجل مفرغ للمسيحية من حيويتها. لقد حلت جدلية الفكر في كلام الله ومسيرته من خلال العالم، فيما كانت روح العالم تنمو حصراً من خلال التاريخ. لقد استعاض هيجل عن المقدس الديني بالمتعالي الزمني – الدولة –، وهو ما أسس لمبتنيات فلسفة اللغة والقومية مع همبولت وهيردر والفلسفات الرومنسية. بدت اللغة ذات قدسية في العالم، كان الله شاعراً مع همبولت، شعره العالم: لكن علاقة هذا الشعر بالإنسان ليست جعليّة أو تصديقية، إنها وليدة تسيّد الذات في نمائها ومعرفتها. اللغة نفسها أخذت أطواراً متشكِّلة مع همبولت، في طورها النهائي، تمسي تابعة للفكر فيسودها بدلاً من أن تسوده، ويطوّعها لتكون بين يديه وسيلة لاختراع حقائق جديدة، وبناء واقع جديد.
لم يكن غريباً انبلاج العلوم الإنسانية مع صعود «الدولة القومية» كوحدة مفهومية تمارس الذات من خلالها اختبارها في المعرفة والهوية. ثمة ترابط تركيبي بين الشك واليقين والوجود يتكثف في الذات – الأنا –. فيما الدولة – وحدة مفهوم الأنا هذه – وحدها تحوز السرد والزمان والذاكرة.
لم تُشرَّع المقولة الأفلاطونية في الدولة (الدولة كانتظام لقوى النفس) من فراغ، يولد المشروع السياسي للدولة من لُقيا النفس لذاتها وصفاتها في العالم. تتبادل النفس كلماتها مع الأشياء فتتوازن في مقامي الداخل والخارج، ويصير العالم حاجة كيما تتعرف الذات إلى ذاتها. في البدء تكون الكلمة، ثم يصير العالم إليها دليلاً.
لقد وجدت الشخصية الإسلامية الأولى في اللغة نزوعاً نحو التصعيد البطولي الأسطوري. اللغة رحم وجدان الوجود وبيته الحقيقي، وفي لحظة توحد الذات باللغة والمثال ينكشف العالم في علاقة ذروية واحدة تصعيدية نحو الملأ الأعلى. الفتح كان إرجاعاً للعالم إلى سُكناه الأولى – اللغة –، وتوحد للذات مع تخييلها الأسمى – الجنة –، في لقيا يتحد بها العالم في وحدة الآفاق والأنفس. لكن السلطة – مؤسسة القول والسرد – كان لا بد من أن تصطنع شخصية الأنا الناطقة والساردة والذاكرة، والوجد العشيري كان أمضى في احتيازه الذاكرة والسرد، وفي تأكيد صراعه للبقاء وحيداً يشرّع الانتماء ويُغلّب قوانينه.
ثمة ما ينبغي في العالم الإسلامي نقاشه، وهو مغاير لنقاشات الأميّة المسترسلة التي تكفّلت أنظمة التعليم الأكاديمي بإدراجها – من تحليل بنى النظم السياسية وأشكالها –، أو لمناقشات حمئة الأيديولوجيا من الديموقراطية، والتعددية السياسية، والنظم السياسية. ما علاقة السلطة باللغة؟ وكيف يتبادلان طرفي الكلام؟ من يُنتج المعنى؟ من يعطي الموجود وجوده الفاعل؟ وكيف يتحد الإنسان مع الواقع والمثال أدباً وسياسة؟
الأدب دليل المتحيّرين في سماع الذاكرة وعلاقتها بذاتها وواقعها. اغتراب للذات – في عالمنا العربي – عن الفاعلية اللغوية والسياسية والسردية يتبدى في كل خطاب ومدوّنة. كيف للتاريخ الإسلامي أن يصير تاريخ احتراب بين اللغة والسلطة. لم تكن اللغة – أداة النص – أداة حياد، اللغة وجه آخر للصراع. يكفينا لماماً مما ينقله إلينا التوحيدي في محاورة أبي سعيد السيرافي ومتى المنطقي. يشكو السيرافي للوزير ابن الفرات من إحداث «لغة في اللغة». كان على الدولة أن تضبط اللغة بالتسيّد عليها وعلى انطواءاتها الظليلة.
نقد الشريف المرتضى للآمدي لم يكن بعيداً عن صراع الاحتياز على اللغة، الشعر مجال آخر للسؤال عن المعنى، من يُنتج المعنى، اللغة أم الواقع؟
في كل مرة كانت مسافة الافتراق بين السلطة واللغة تتسع، كان الأدب يحيلنا على اغتراب الذات العربية بين طيات المُثُل وانكسار اللغة. الشعر والنثر، المدينة والبادية، الحماسة والريبة، البطولة والقهر. ثنائيات تلبست السلطة واللغة معاً في رحلة الذات المقهورة والمغتربة بين عالمين. بدا الأدب الصوفي والنقد الأدبي والشعر، كلها تشتاق إلى قصة الغريب. كيف أن المرء لا يكون نفسه ولا يستطيع أن يكون شيئاً من داخله. ربما أراد أبو حيان انتصار انكسار الذات لا فاعليتها من خلال تشقق النحو وتشابك الأضداد في «الإشارات»، أو ربما أراد كلٌّ من بديع الزمان أو الحريري الاستعانة بماضي اللغة على واقعه في المقامات، وكذا فعل الهمذاني. إن الزمان أصبح حرباً لكل ذي أدب/ الهمذاني. سردية الحكاية – رحم هذه الذات – تمرّدت على السلطة يوماً. في ألف ليلة وليلة حملت ذاتها واغتربت، فخرجت على شكل تاجر من بغداد يبحث عن كنوز ما وراء البحار. سردية الحكاية في يوم من أيام تاريخنا المعاصر انكسرت، ومعها الذات والحكاية والسلطة، وكذا اعتملت في كل مرة زاوجنا فيها مَوئلين، وأحلنا سؤال اللغة والمعنى والدولة على غدنا.
قد لا افترض ناجز الإجابة في ما ورد، لكني أدفع للبحث عن نافل السؤال مع ما قد يكون مدعى للتعجب. في صراع اللغة والدولة على المعنى والسرد، طويّات أسطورية لا نعيها حتى يفتتح الزمان صفحات أخرى من الوقائع المختلفة. هل يجرؤ أحد على تحدي أسطورة «لماذا تأخرنا وتقدم الغرب؟» – أسطورة دولتنا القومية المعاصرة –. هل يجرؤ أحد على اتهام «الأنوار» بالظلامية الحضارية؟ أو اتهام «الحداثة» بالبربرية؟ قد نكون تأخرنا، لكن أسطرة التقدم في نسق وحيد فريد خالص منجز، قد تكون ضرباً من العوذ اعتاده المثقف العربي.
في العودة لفيلم الحظوة the prestige شخصيتان تتناوبان مسارح السحر في لندن، لكل منهما رؤيته وروايته، لكن انكساراً في ذات أحدهما كان يدفعه كل مرة ليقتل نفسه كل يوم ليولد من جديد، كيما يشابه الآخر، فيما «بوردن/ الآخر»، الساحر الماكر الماهر لم يكن غير رجلين متشابهين، يتناوبان الأدوار في حبكة السرد الساحرة.
تتشابه حكاية الساحرين وحالنا مع الغرب. كم مرة علينا قتل أنفسنا لنتشابه مع من أنواره تضيء وفق سرده الخاص لسحره وأسطورته؟ سؤال يدعو للعجب، لكن العجب خطوة حاسمة للابتعاد عن اللاشعور في حكاية الدولة والأسطورة اللغة.
* باحث لبناني