لا شكّ أن لبنان ليس بمنأى عما يحدث في المنطقة، وسوريا خاصةً من أحداث، فالأزمة السورية أرخت بظلالها على لبنان على نحو مباشر وغير مباشر، اقتصادياً، اجتماعياً وحتى أمنياً، جاعلة منه ساحة مهيّأة للاقتتال في أي لحظة، كما وأظهرت تيّارات متطرفةً كانت محظورةً أو نائمةً بالأمس القريب.


هذا التّطرف المستجد على الساحة اللبنانية، الذي يتعاظم نفوذه يوماً بعد آخر، من الجنوب إلى البقاع والشمال مروراً ببيروت، في ظل غياب أي ممثل للاعتدال قادر على التأثير، يسهم في تنامي نهج متطرف آخر من حيث لا يدري، فالتّطرف باسم المظلومية عند أهل السّنة، يقدّم نفسه سبباً رئيسياً للتطرف وميلاد تيّارات متطرفة عند باقي الطّوائف. فالإقبال المسيحي على قانون مشروع اللقاء الأرثوذوكسي ليس صدفة، بل خوف من تداعيات ونتائج الربيع العربي على لبنان، فالفريق الذي قال «فليحكم الإخوان»، تراجع ليمشي مع «الأرثوذكسي» بعد تلمّسه النتائج والخوف من التّيارات المتطرفة ولهجتها المرتفعة. هذا «الأرثوذكسي» الذي يعكس المذهبية الطائفية على الحياة التشريعية ويجعل منها واقعاً مثبّتاً في النصوص كما النفوس.
خطاب المجموعات المتطرفة هذه، الذي يزكّي المصلحة الطائفية على حساب الوطنية، ويربط المواطن بالهوية المذهبية، ليجد في المجاهد القادم من القوقاز أو أفغانستان أخاً له بدل أن يكون ابن الطّائفة الأخرى أخاه في المواطنية، يضع الوطن أمام مفترق خطير، وهو الانقسام والفدرالية المقنّعة. خطاب المظلومية ليس كفيلاً فقط بشحن الشباب وحقنهم في مواجهة الطائفة الشيعية، أو ما يسمى حزب إيران، بل كفيلٌ أيضاً بشحن الشباب الشيعي في وجه السني، منذراً بالفتنة المطلة برأسها من نافذة الأزمة السورية، القصير ـــ حمص خاصةً. وحجم التّوتر الذي أحدثه الشيخ أحمد الأسير، الذي استدعى إنذاراً علنياً من حزب الله على لسان أمينه العام هو ترجمة جلية لمفاعيل الخطاب الفتنوي على حساب الوطني. من يستطيع أن يوقف بركان الاقتتال الذي سينفجر إذا اشتبك الأسير مع محيطه؟ والأسير اليوم أصبح يمثل نهجاً وزعامة في ظل غياب الحريري، ونأي ميقاتي بنفسه عن الساحة اللبنانية، لا بل أدائه دور الغطاء للمجموعات المتطرفة لغايات انتخابية.
اللعب على وتر المذهبية هذا من قبل الأسير وأمثاله، حتى إن قال إن خطابه موجهٌ إلى حزب «إيران» وشبّيحتها في لبنان، يستفز من حيث يدري أو لا يدري الطائفة كلّها، مما يترجم انعكاساً على الاقتصاد الصّيداوي المتراجع بنسبة تصل إلى ما يفوق الـ 70%، وتحفيزاً للشباب الموتور كي يعتدي على أيٍّ كان، كالتّعرض بالضّرب والاعتداء على المطران عبد الله سكاف في الزّاهرية ـــ طرابلس، أو كالاعتداء الأخير على المشايخ في الشّياح وخندق الغميق. هذا الاعتداء لم يأتِ وليداً للصدفة، بل نتاج خطاب تحريضي متواصل، وإن برّره وزير الداخلية بتصرفات «حشّاشين زعران». نجحت القوى الشّيعية المسيطرة على الشّارع في أن تضبط وتتدارك الأمور قبل وصولها إلى نقطة الانفجار، لكن هل ستنجح في فعل ذلك كل مرّة؟ من يضمن في ظلّ استمرار الأزمة السورية أن لا تنفلت الأمور في لبنان من عقالها؟ من يكفل أن يستمر الهدوء وعدم الرّد على الخطابات التّحريضية؟ إلى أي حدّ يقدر الثّنائي الشّيعي والاعتدال السّني على ضبط الشّارع؟ هل يستطيع الثّنائي ضبط مقاتلي العشائر في البقاع مثلاً؟ وتجربة آل المقداد ليست ببعيدة.
نجح الثّنائي الشّيعي في تجنيب الطائفة الانفجار، وأدخل نفسه تحت عباءة الجيش، أدخل الجيش إلى الضاحية ورفع يده عن المطلوبين فسلّم عنتر كركي، مع أن الأخير أخٌ لثلاثة شهداء، غطى مداهمة الجيش حي آل المقداد وقبضه على مطلوبين، رفع يده عن تجّار المخدرات في بريتال والبقاع، ورضي بالأرثوذكسي حفاظاً على الحليف. ويبدو أن الثّنائي الأقوى بالسّلاح الثقيل، هو الأضعف داخلياً في السياسة والأسهل ابتزازاً، لكن في ظل هذا الخطاب التّحريضي والتشكيك في وطنية أهل المقاومة، هل سيصمت الثّنائي حتّى ينقلب شارعه عليه أم ماذا؟ هل سيصمت حزب «إيران» وجمهوره عن التشكيك في انتمائهما إلى وطن قدّما كما باقي الطوائف الدماء لأجله؟ أو أتباع «ولاية الفقيه»؟ مع أن من يتحدّث عن ولاية الفقيه لا يشمل الشّيعة كلّهم، بل البعض، والحديث عن ولاية الفقيه هنا، كمن يتحدّث عن تبعية المسيحيين للفاتيكان. مخطئ من يظن أن الشارع الشيعي ليس ناقماً على أداء قيادته، لكن يقابلك دائماً بابتسامة خجولة و«ما صمتنا إلّا لدرء الفتنة».
إذاً، أصبح من الواضح للمراقب أن لبنان يغلي على صفيح ساخن بانتظار الحدث المفجّر، أو ربما تنطفئ نار الفتنة فور التّوافق على قانون انتخاب يعيد الطّرف المبعد على الحكم، فيمثّل الاعتدال في وجه التّطرف والغطاء المسهل للقضاء عليه، وربما لن يتم التوافق ونرى مفاجأةً انتخابيةً تهزّ شعبية الثنائي الشيعي والاعتدال السّني لمصلحة التّطرف، بينما الأكيد أن الفرقاء المسيحيّين ماضون في توافقهم على حماية أنفسهم في ظل الربيع العربي الذي هجّر إخوانهم في سوريا والعراق سابقاً، ليبقى وليد جنبلاط متلاعباً على حبال الفريقين كما جرت العادة، تحصيناً له ولمصلحة طائفته كما يقول. مما لا شك فيه، أن لبنان مقبلٌ على مزيد من الشرذمة والفدرالية، إننا مقبلون على أيام صعبة بامتياز، وبدل المارد السّني، سنرى لكل طائفة مارداً غاضباً مستعداً للاشتباك، وتبقى إسرائيل هي المستفيد الوحيد، «السلام بالنسبة إلى إسرائيل هو أن تحيط بها دويلات طائفية»، قالت يوماً غولدا مائير.
* كاتب لبناني