التطورّات المتلاحقة، التي شهدتها وتشهدها مصر في الآونة الأخيرة، ليست «أزمة سياسيّة» بقدر ما هي تعبير صارخ عن أزمة حكم «جماعة الإخوان المسلمين» في مصر. بل يمكن الحديث عن ملامح مرحلة جديدة لاستكمال مهام ثورة الشعب المصري، التي تمكّنت شابّات مصر وشبانها من إنجاز مهمّتها الأولى، ممثّلة بإسقاط المستبدّ، وها هي الثورة تعود اليوم بزخم لتتابع مسيرتها على طريق إسقاط آليات الحكم الاستبدادي، التي ورثها «نظام الحكم الإخواني» عن نظام مبارك، وحزبه الوطني. ذلك أنّه، إلى جانب الحراك المستمرّ في الشارع المصري، من مختلف أشكال الاحتجاج المندّدة بالإخوان وبالرئيس محمد مرسي، يمكن تلمّس معطيات مستجدّة، تحمل مؤشرات تدلّ على انزياح تدريجي في موازين القوى في غير صالح «الجماعة»، بدءاً بالهزيمة الكبرى التي لحقت بكوادرهم في انتخابات الهيئات الطلابيّة في الجامعات المصريّة، مروراً باعتصامات رجال الشرطة المطالبين بوقف «أخونة الشرطة»، وليس انتهاءً بالحكم الصادر عن القضاء المصري قبل أيام، والقاضي بإبطال قرار الرئيس مرسي بعزل النائب العام السابق وتعيين نائب آخر بدلاً منه.

ولعلّ اللافت في ما يخصّ خسارة الإخوان في انتخابات الجامعات مؤخّراً، أنّهم في أوج معارضتهم لنظام مبارك، كان ممثلو الجماعة يحصدون أصواتاً مكّنتهم من السيطرة طويلاً على الاتّحادات الطلابية، أي أنّهم اليوم قد خسروا واحداً من أهم معاقلهم التاريخيّة، بما يعنيه ذلك من أنّ موقف المحرّك الأساس للثورة، أي الشباب عموماً، وشباب الجامعات بشكل خاص، يشهد تحوّلاً نوعيّاً من الإخوان. وإذا كانت الاحتجاجات المناهضة للإخوان تهتف لإسقاط «حكم المرشد»، فإنّ جامعة عين شمس شرعت عمليّاً بتنفيذ الشعار، حين سقط ابن «نائب المرشد العام للإخوان المسلمين» في انتخابات تلك الجامعة.
بالعودة إلى «أزمة نظام الحكم الإخواني»، فإنّ التكوين الديني، وخطابات الوعظ، واستلهام نموذج السلف الصالح في كل كبيرة وصغيرة، كل ذلك لم يحُل بين أصحاب «الحل الإسلامي»، وبين انزلاقهم في مفاسد السلطة وشهواتها. وإنّها لمناسبة لإعادة بسط النقاش حول امتزاج الدين والسياسة، وتداخلهما في المجتمعات العربيّة، بوصفه أحد عوامل تديين السياسة وتسييس الدين، وما ينتج من ذلك من تهيئة المناخ الملائم لنمو بذرة الاستبداد، بشقّيه الديني والسياسي، وهو ما يُفترض بأنّ انتفاضات الشعوب العربيّة الساعية إلى الحرّية، في تعارض مقيم معه.
يبدو أنّ الإخوان يمثّلون اليوم نموذجاً لوجهي عملة الاستبداد، دينيّاً وسياسيّاً. فهم، كغيرهم من مدّعي الامتلاك الحصري للحقيقة وحق تفسير النصوص المقدّسة، لم يكفّوا عن فرض قواعدهم على الآخرين، من مسلمين وغيرهم (في عهدهم الميمون تُغطّى تماثيل عظماء مصر في الساحات العامّة، وتُلغى مادّة الموسيقى من المقررات المدرسيّة، ويجري الفصل بين الذكور والإناث في الجامعات، ويعتدى على دور عبادة الأقباط).
ولا يتوانى حكّام مصر الجدد، من جهة أخرى، عن استخدام كل وسائل القمع والترهيب، للحفاظ على السلطة السياسيّة (لم يكتفِ الإخوان باستخدام العنف عبر أجهزة وزارة الداخلية لقمع معارضيهم، بل أنشأوا ميليشياتهم الخاصّة التي تمارس أعمال الخطف والبلطجة لترهيب نشطاء الثورة؟). غير أنّ السلوك العنفي للإخوان ومناصريهم لا يجوز بأي حال أن يكون مبرّراً لمقابلته بعنف مضاد، ومن نافل القول أنّ الديمقراطيّة لا تُبنى بأعمال العنف، أو الفوضى والاعتداء على الممتلكات.
لعلّ من المفيد هنا العودة إلى كتاب «سوسيولوجيا الجمهور السياسيّ الدينيّ في الشرق الأوسط المعاصر»، للدكتور خليل أحمد خليل (صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، بيروت، 2005)، إذ يتحدث الباحث (ص 20 - 21) عن «واقع السياسات وخيال الديانات»، ويذهب إلى أنّ «الجمهور مستلب على مستويين: مستوى السياسة التي لا تلبّي حاجة واقعه، فتجعل متطلّبات وجوده الاجتماعي مؤجلة، أي معقّدة بسبب تراكمها؛ ومستوى الديانة التي تقدّم حلولاً طوباوية، خيالية لمشكلات الجمهور، لكن في عالم آخر .. في هذين المستويين، السياسي والديني، يقترن واقع الجمهور بخياله، وتُنتج له أيديولوجيات أو ثقافات قمعية وأخلاقية (تطويعية: إعادة النظر في شكل الفرد وأكله وعبادته الخ، بعد غسل دماغه سياسياً)». ألا يجد هذا الكلام اليوم مثالاً حيّاً في الواقع العياني، من خلال ما تقوم به جماعة «الإسلام هو الحل؟!».
إنّ محاولات الإخوان الرامية لابتلاع مصر وأخونتها تُواجَه اليوم بحراك شعبي يتّسع باضطراد في الشارع المصري، يقوده شباب الثورة وأصحابها الحقيقيّون، غير عابئين بالقوى السياسيّة التقليديّة، بيمينها ويسارها، التي تحاول تجيير الحراك الثوري المناهض للاستبداد لصالح مماحكاتها السياسيّة، وسعيها لمشاركة الإخوان كعكة السلطة. وكما أنّ الغطاء الأميركي لم ينفع مبارك في لحظة الحقيقة، كذلك لن ينفع مرسي وجماعته تسويق أنفسهم أميركيّاً إذا ما استمرّوا على سياساتهم الحاليّة.
ومع مضي المصريين في سعيهم الحثيث نحو إسقاط الاستبداد لبناء نظام ديموقراطي عصري، فهذا يجعل من الممكن الرهان على إمكانيّة وضع حدّ لموجة الاكتساح الإسلاموي للحراك الشعبي في مختلف مواطنه، ذلك أنّ أمراً كهذا لن يقتصر، في حال تحقّقه، على مصر، بل سيجد صداه في غير بقعة من البلاد العربية. أليست مصر، عبر تاريخها، قاطرة التحوّلات الكبرى في العالم العربي.
* كاتب سوري