لعله من الثابت القول بأن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 أعادت تشكيل وجه العالم من جديد، وأدخلت عليه مفاهيم ونظريات مستجدة في العلاقات والسياسات الدولية بجميع أبعادها، وخصوصاً الأمنية منها، كونها نقطة تحوّل مفصلية في مسار الصراع المسلّح التقليدي في العالم، وذلك بأن أصبح الإرهاب عنصراً رئيسياً فيه. ولعله من المفيد التذكير أيضاً، بأن تاريخ الثامن والعشرين من أيلول من العام 2001، لهو تاريخٌ مفصلي في إلزام جميع الدول المنضوية في منظمة الأمم المتحدة باتخاذ سلسلة من الخطوات المتشعبة على كل من يمارس الإرهاب فرداً كان أو جماعة أو حتى دولة وعلى جميع من يُسهّل ويدعم الأعمال الإرهابية في العالم... ليأتي في متن القرار توصية مُلزمة بضرورة تبادل المعلومات الأمنية بين الدول كافة. وذلك كله كان في متن القرار الأممي الملزم، والصادر في تاريخه، والذي حمل الرقم 1373. انطلاقاً من ذلك كله، ظهرت على المسرح العالمي مفاهيم جديدة لم يعرفها العالم من قبل، وخصوصاً مفهوم «الحرب الاستباقية» الذي جعلتها أميركا، بعيد ذاك القرار واستناداً إليه، ركيزةً أساسية في غزواتها العسكرية وهجماتها على الدول ابتداءً من أفغانستان، فالعراق، مروراً بكل تلك الهجمات التي تقوم بها في العالم... والهدف دوماً اجتثاث الإرهاب وفقاً لتعريفها له! من هنا، لم يكن باستطاعة أية دولة من الدول - وبأعمها الأغلب - في ذلك الحين الوقوف بوجه ذاك «النمر الجريح» في أيلوله الأسود، ومناقشته في مفهوم الإرهاب وتعريفه... فضلاً عن عوامل امتداداته من عدمها! مذذاك، أضحت العلاقات الأمنية بين الدول قائمة على التعاون في محاربة ومكافحة الإرهاب بمفهومه العام وليس التفصيلي الذي تستسيغه كل دولة بحسب فهمها ومصالحها. فأميركا واسرائيل مثلاً، اعتبرتا أن الإرهاب يتمثل في كل من القاعدة وحزب الله وحماس وفصائل المقاومة، ناهيك عن الدول التي وضعتها واشنطن على لوائح الإرهاب كدول داعمة له كسوريا وإيران وكوريا الشمالية... أما روسيا، فقد رأت في القاعدة ومتفرعاتها في الشيشان ودول أسيا الوسطى والقوقاز مصدراً أساسياً للإرهاب في العالم، أما إيران ودول محور المقاومة فلقد اعتبرت أن إسرائيل واحتلالها، وأميركا وعدوانها على الشعوب، والقاعدة وغيرها من التيارات التكفيرية، لهو الإرهاب بعينه. أما الدول الأوروبية والعربية والإسلامية الأخرى فقد اقتربت وابتعدت عن هذا وذاك بحسب مصالحها وتموضعها السياسي على المسرح العالمي. لقد وجدت أميركا ومن يدور في فلكها، في الحرب على الإرهاب، ضالتها الرئيسية في تنفيذ أجندتها السياسية، والتي تقوم على السيطرة والتفرّد بالقرار الدولي في العالم. فمن مشروع «الشرق الأوسط الجديد» الذي بشّر به المحافظون الجدد في عهد بوش – الابن، إلى مشروع «الفوضى الخلّاقة» ومشروع «أقلمة المنطقة» وفقاً لما تضمنته مواربةً، استراتيجية الأمن القومي الأخيرة في عهد أوباما (المنشورة في شباط الماضي) وإلى غيرها من مشاريع التفتيت والتجزئة للشرق الأوسط، والتي أشعلت في المنطقة ناراً طائفيةً مستعرةً في بعض البلدان، وهي ما تزال تحت الرماد في بلدان أخرى... وذلك بفعل سياسات ممنهجة، عملت عليها أميركا ولا تزال حتى اليوم. هذا الأمر أدى إلى «تدمير فكرة السلام العالمي»، على حد ما اعترف قائد القوات الأميركية في أفغانستان سابقاً جون بول جونز، وذلك في معرض تحذيره من السياسة الأميركية المعتمدة لمكافحة الإرهاب! في خضم هذا التدمير، نشأت داعش وترعرعت وتمددت من العراق فسوريا، وبالعكس، ومن ثم إلى جغرافيات الدول الأخرى انطلاقاً من المشرق العربي، فمغربه وشمال أفريقيا، وصولاً إلى آسيا الوسطى وجنوبها، وصولاً إلى أوروبا. لقد شكل تمدد داعش في العراق وسوريا تحديداً، رافعة صهيو ــ أميركية حقيقية، لمشروع حيكت خيوطه بدقة لضرب العناصر الأساسية للدولة بصيغتها الحالية، والتي يُراد لها أن تنحو نحو مزيد من التقزيم والتقوقع ضمن إيديولوجيات جديدة تحاكي في صميمها مشروع الصهيونية الأم في «يهودية الدولة». الأمر الذي فرض على تحالف إيران وروسيا الجديدة، بالعمل على اجتثاث هذه الرافعة الجديدة، المعيقة لمصالحهما وعقائدهما على حد سواء. انطلاقاً من هنا، فلقد ارتكزت داعش في «عقيدتها»، وخلافاً للقاعدة الأم، إلى عقيدة ترتكز إلى «التمكين» الجغرافي في أماكن سيطرتها. وذلك في تماهٍ أقرب منه إلى التناغم مع الاستراتيجية الصهيو ــ أميركية المشار إليها أعلاه، الأمر الذي جعل من «عقيدة» أميركا وتحالفها - وذلك حتى الأمس القريب - تتبنى استراتيجية مرتكزةٍ إلى «تقليم أظافر» الإرهاب بدلاً من اقتلاعها.
فرضت عقيدة تحالف

روسيا ــ إيران تبدلاً استراتيجياً على أميركا

هذا التناغم ما بين الثلاثي (أميركا وتحالفها - داعش - الكيان الصهيوني)، شكّل مأزقاً حقيقياً لـ «عقيدة» تحالف إيران - روسيا في المنطقة، منذ ما يقرب من السنوات الخمس فيها، وذلك كون هذا التحالف يخوض صراعه في المنطقة - ووفقاً لمصالحه الاستراتيجية أيضاً - على أساس الصراع بين ما ينادي به من تثبيت للدولة القطرية بمفهومها القديم في المنطقة، وذلك في مقابل الصراع المضاد لذاك الثلاثي في إقامة الدويلات فيها. من هنا، فلقد شكل التدخل الروسي اللاحق، والمتمم لسابقه الإيراني في سوريا، مأزقاً عقيدياً مضاداً لذاك الثالوث، وخصوصاً أن هذا التدخل الحاسم في قراره في ضرورة اجتثاث الإرهاب من المنطقة (وذلك جرى لسان بوتين من الساعة الأولى لتوقيع الاتفاق النووي الإيراني مع الخمسة زائد واحد)، والذي أعقبه قرع الروس لجرس الإنذار لأميركا بضرورة التوقف عن الاستثمار بالإرهاب، وذلك كان من خلال المبادرات التكاملية التي أطلقتها روسيا، ومن ثم إقامة الجسر العسكري الجوي إلى سوريا... وصولاً إلى إطلاق السهم المضاد فيها، منذ الثلاثين من أيلول الماضي. لقد فرض هذا وذاك، على أميركا وتحالفها، تغيير عقيدي في استثمار الارهاب وتقليم أظافره، إلى تبني عقيدة جديدة في وراثته، وذلك رغماً عنهم ضمن منطق تقاسم التركة بدلاً من خسارتها بكليتها... وهذا كله قد ظهر في تغيّر الأسلوب واللهجة الغربية في أمر مكافحة الإرهاب، سواء أكان في فيينا أو ما نتج عنها. هذا التبدل العقيدي المفروض على أميركا وتحالفها تجاه مكافحة الإرهاب، فرض وبشكل تلقائي، تبدلاً في عقيدة داعش التمكينية في الجغرافيا، إلى إيغالية في ساحات المستثمرين، فكانت تفجيرات تركيا واعتداءات باريس الأخيرة خيرُ شاهدٍ على ذلك... إنه عودٌ إرهابي على بدء نحو «التقعيد» (اساليب القاعدة الأم)، ولكن بشكلٍ مرغمٍ هذه المرة. خلاصة القول، لقد فرضت عقيدة تحالف روسيا - إيران في المنطقة، تبدلاً استراتيجياً عقيدياً على أميركا وتحالفها من جهة، وداعش وأخواتها من جهة أخرى، ولكن بنكهةٍ أوبامية وداعشية هذه المرّة، بعيداً عن البوشية والقاعدية في المرة السابقة. إنها لمفارقة حقاً، فلقد مكنت أميركا، القاعدة وحاضنتها طالبان من افغانستان، وبالرغم من ذلك كان ١١ أيلول الأميركي، والذي فرض على أميركا بالانتقال من التمكين الموهوم بالتحصين مباشرة نحو الإيغال، الأمر الذي أضعف القاعدة، وأنبت من رحمها داعش بعقيدة مغايرة... ظنت معها أميركا وتحالفها بأنها طوق نجاة لهم، وذلك في الأمن والاستراتيجيا والمصالح على حد سواء. ولكن إنه زمن قلْبُ العقائد، وبحد السيف المضاد هذه المرّة... فما كان من ١١ أيلول، إلّا أن حضر مجدداً... وفي فرنسا كانت هذه الجولة! * باحث وكاتب سياسي