«الانتخابات على الأبواب» في كلّ من تونس ومصر، والبازار الذي سينصبّ حولها لا يعتمد على شيء قدر اعتماده على التحشيد في مواجهة الأعداء والخصوم. لنتّفق أولاً على عدم اكتراث الطبقات الشعبية بمن يريد استقطابها على هذا الأساس. بالنسبة إليها تبقى الهموم المعيشية هي المحدّد الفعلي لحراكها، بعدما استهلك الطلاء الملوّن للثورة قدرتها على الصراخ في وجه العسكر والأمن والاسلامويين. بالإمكان المراهنة على ذلك جدياً هذه المرّة، وبالتالي إجبار القوى السياسيّة المتملّقة للجماهير أيّام الانتخابات على مضاعفة تملّقها لهم. لن يستطيع هؤلاء أن يتحوّلوا رقماً في المعادلة السياسية التي ورثت الثورة ونهبت مكتسباتها إلّا إذا انصاعوا لإرادة الكتل الاجتماعية ومشيئتها. ومن جملة ما سيقدمون عليه في طريقهم إلى الانصياع ذاك، تنشيط شبكة الفساد الصغيرة التي تتيح للفقراء بأن يبقوا على قيد الحياة ريثما تتّضح صورة الانحيازات الاقتصادية للنظام تماماً.لا يعتبر ذلك من قبيل الضغط على النظام للجمه عن المزيد من التدخل اقتصادياً لمصلحة الأغنياء، بل قد يكون العكس هو الصحيح، لجهة «شرائه ولاء المهمّشين والمعدمين» بالرشوة الانتخابية كما تقول المعارضة في معرض ذمّها لسياسات النظام الاقتصادية. في الحالتين لا يصحّ تحميل الفقراء مسؤولية ما يحدث، لا بل يمكننا في حال تعاملنا مع الأمر «بمنطق ذرائعي» أن نعتبره في مصلحة المعارضة التي تنحاز ذراعها اليسارية بالضرورة إلى جمهور السلطة الحاكمة من... الفقراء! ثمّة لوحة بالغة التعقيد الآن في مصر، والتداخل القائم بين كتلتي النظام والمعارضة الشعبيتين هو من جملة هذه التعقيدات التي تصعّب على المرء قراءة المشهد هناك بغير الأدوات التي تتعامل معه كبنية مركّبة وفائقة التعقيد. لو كانت السياسة بمعناها المبتذل قادرة وحدها على التعامل مع حراك الكتل هناك، لما أمكننا فهم الآليّة التي تضع فقراء القاهرة ومهمّشيها في مواجهة فقراء الصعيد ومعدميه. هؤلاء وأولئك ينتمون إلى الطبقة ذاتها، إلّا أنهم يصبحون على طرفي نقيض بمجرد أن يحين موعد الانتخابات. إذ ذاك يعطي فقراء الصعيد (بمجملهم) أصواتهم للإخوان والسلفيين، بينما تذهب أصوات معظم فقراء القاهرة إلى المعارضة بتلاوينها المختلفة. ليست القضية في هذا الموضع قضية ولع مجّاني بالاقتصاد وبما يقدّمه من تأويلات للواقع بقدر ما هي محاولة للاصغاء إلى حراك الكتل، بعدما حرّرها التثوير المتصاعد من كلّ ما يعيق تقدّمها إلى الأمام. في ضوء هذا الفهم يمكن اعتبار التقديمات التي يمنحها «الإخوان» للكتلة التي تقف خلفهم ظاهرياً مكسباً أمكن تحصيله بالقوّة لا بغيرها. على القوى الثورية هنا أن تتقبّل هذا النّسق من التفكير، وألّا تعتبره تنظيراً يساروياً يسهّل على «الإخوان» مهمّتهم في «شراء أصوات الفقراء» أثناء الانتخابات. عليها كذلك أن تكون جديّة أكثر في مسعاها لتحرير الفقراء من قبضة السلطة، إن لم تكن مقتنعة «بنظرية الفساد الصغير». ذلك أن مخاطبة قواعدها في مدن الصفيح والعشوائيات والأرياف لا تكفي لفهم الدينامية التي تجعل من فقراء السلطة خصوماً لمناضليها على نحو ميكانيكي. ثمّة إمكانية لتغيير هذه المعادلة، ولجعل السلطة ترتبك فعلياً هذه المرة لا صورياً. إذا أرادوا فعل ذلك، فعليهم أن يتدخّلوا أكثر في الدينامية الاجتماعية القائمة، لا أن يعينوا السلطة على تكريسها. ومن جملة ما يمكنهم فعله في هذا الصدد الكفّ عن إذكاء «التناقضات الثانوية» مع القاعدة الاجتماعية الأكثر فقراً في الصعيد والدلتا و... إلخ (وهي كذلك الأكثر ولاء للسلطة!). لا أحد يتوقّع حصول ذلك بسهولة، فالمنطق البورجوازي المسيطر حالياً يغلّب انحيازات الطبقة الوسطى على ما عداها، ولا يتعامل مع الفقراء الذين تأتي بهم السلطة الفاشية والجبانة ليخوضوا معاركها مع النشطاء الثوريين إلّا «كخرفان» (واقعة المقطم كمثال).

بالمناسبة، هذا هو الاسم الحركي الذي تخاض عبره المعركة مع نشطاء الإخوان وجمهورهم الكترونياً. الاسم لذيذ ويلبّي نهم الكتلة المنتفضة إلى تحطيم السلطة وقاعدتها رمزياً، ولكنّه في المقابل يضاعف من تمركز الطبقة الوسطى التي ينتمي إليها هؤلاء حول ذاتها، ويحدّ من تمدّدها باتجاه الأرياف. وهذا ليس بتفصيل على الإطلاق حين يتعلّق الأمر بالانتخابات وبحجم الكتل التصويتية وتمدّدها أفقياً وعمودياً داخل المجتمع. بالطبع لم تستؤنف الثورة في مواجهة الإخوان وطبقة اللصوص الجديدة من أجل أن تصادر بالانتخابات أو بغيرها، غير أنّ المواجهة كفعل مستمرّ تقتضي ممّن يقوم بها أن يكون مستعداً لكل شيء، بما في ذلك استعداده للتعامل مع الثورة كفعل إجرائي إذا ما استنفدت الوسائل الأخرى (وهي الآن تنحصر في إسقاط السلطة بكامل رموزها) أغراضها. حالياً يسابق «الإخوان» الزمن في سبيل ذلك ــ تقنين الثورة ــ، ولا يتورّعون في طريقهم إليه عن تحويل المؤسّسات المعيّنة (مجلس الشورى تحديداً) إلى ماكينات لإنتاج قوانين تتناسب ورؤيتهم للكتلة التصويتية التي «ستمحضهم ثقتها من جديد». يراهنون على معاودتها انتخابهم بأغلبية كبيرة، رغم أنّهم لا يعرفون الكثير عن منطق الكتل الذي بات يحكم الواقع وتحوّلاته. الثوريّون من جهتهم يعرفون الكثير عن ذلك، ولا يتحرّكون جدياً إلا عندما تبدي الكتل استعدادها لمساندتهم. أصلاً لو لم تكن تفعل ذلك، لما نجح لهم تحرّك واحد منذ معاودة إطلاق دينامية التثوير عقب إصدار مرسي لإعلانه الدستوري الهزيل. الكتل هي التي حافظت على الزخم الثوري منذ ذلك الوقت، وهي التي ستبدّده حالما تقرّر الخروج من ساحة المواجهة مع السلطة وقاعدتها الاجتماعية. لا شيء يحدث في مصر وتونس وسائر البلدان التي تحرّرت كتلها الاجتماعية خارج هذا المنطق، ومن يتعامل مع «الكتلويين» على أساس أنّه قادر على استثمارهم أو إخضاعهم في أيّ وقت سيجد نفسه قريباً خارج اللحظة التاريخية. «الإخوان» سيخرجون قريباً رغم وقوف كتلة وازنة إلى جانبهم، وسيلحق بهم الثوريّون إذا ما واصلوا التعامل بمزيد من الاستخفاف مع التفسير الاقتصادي لبقاء «فقراء الأرياف» على الضفّة الأخرى من ثورتهم. «الانتخابات الوشيكة» تقدّم لهم فرصة جديدة لمعاودة الانخراط في الثورة من جديد على قاعدة من يريد الإلمام بحراك جميع الكتل لا بعضها فحسب. ليس عليهم أن يتصرّفوا بمنطق زبائني كما يفعل «الإخوان» مع قاعدتهم، ولا أن يبنوا شبكات اجتماعية كتلك التي أقامها «الإخوان» منذ عقود وراكموا عبرها رصيدهم الانتخابي والخدماتي.
يكفي أن يصغوا جيّداً إلى الفقراء هناك، وأن يعرفوا منهم لماذا هم مصرّون على ديمومة دورة الفساد الصغير في حين تقدّم لهم الثورة خيارات أخرى ليس من بينها أن يكونوا ملحقين بماكينة تتصدّق عليهم بيد وتنهبهم باليد الأخرى. وإذا كانوا غير واعين كفاية إلى صيرورتهم ككتلة لها تأثيرها وكينونتها بمعزل عن العلاقة المعقّدة القائمة بينهم وبين «الإخوان» فبالإمكان معاودة تذكيرهم بذلك عبر أقنية مختلفة. ليس بالضرورة أن تنحصر الأقنية تلك بالأحزاب أو بالحركات التي تدير عبرها القوى الثورية علاقتها بالمجتمع وطبقاته. إذا أمكن لهؤلاء جميعاً فعل ذلك عبر النفاذ إلى هناك عن طريق البيئات المحلّية فسيكون ذلك أفضل. البنية الريفية إجمالاً معتادة على هذا النّسق من العلاقات، وحين تتدخّل فيها قوى جديدة تدعو إلى التثوير لا يتغيّر فيها إلّا ما يمكن تغييره بالطرق التقليدية «إياها». المصريّون على دراية بذلك عبر تجربة الصعيد التي لم تتكيّف بنيتها تماماً مع الثورة. بكلمة أخرى، بدا وكأنّ الثورة هي التي تتكيّفت مع العلاقات الزبائنية هناك وليس العكس. وهذا ما يفسّر تزايد نفوذ الجماعات المحسوبة على الفلول والنظام القديم هناك، رغم انحساره في أماكن أخرى على صلة بالمدن الكبرى وبيئاتها (القاهرة، الاسكندرية...إلخ). لنتذكّر معاً زيارة محمد مرسي إلى سوهاج، وكيف منع الأمن جموع مواطني المدينة الصعيدية «المؤيّدة بغالبيتها للإخوان» من دخول الإستاد الرياضي حيث كان يلقي مرسي خطابا بمناسبة زيارته إلى هناك. التدافع الذي حصل وقتها بين الأمن والمواطنين، كما الحضور الكثيف للفلول وشبكات الانتفاع القديمة على حساب عامّة المواطنين المهمّشين، أحرجا الإخوان أمام قاعدتهم العريضة، وأفسحا المجال لمزيد من الهوامش أمام الكتل التي وضعت مسبقا في خانة التأييد للسلطة. كتل لم تسمح لها صورية الصندوق بالتعبير تماما عما يجول بخاطرها تجاه ما يحدث من تحوّلات مذهلة في البلد، إن على صعيد الاقتصاد أو السياسة. لاحقا اضمحلّت لحظة سوهاج تدريجيّا تحت وطأة الأحداث المتلاحقة، وانتقل ثقل الحراك إلى مناطق أخرى(تماما كما حصل قبلا مع بورسعيد ومدن القناة)، لكن الأثر الذي خلّفه انزياح القواعد السلطوية بعض الشيء عن مرجعيّتها بقي قائما، ولو على سبيل التذكير بإمكانية حدوث شيء ما في الريف. لم يسارع أحد كالعادة إلى البناء على ما حصل، واكتفى البعض بالتهليل الفارغ لطرد مرسي وصحبه من جامعة سوهاج، وكأنّ مبادرة طلاب سوهاج وأهلها إلى فعل ذلك تعفينا من المتابعة اللصيقة للانزياحات الحاصلة هناك، وخصوصاً على مستوى التأييد للسلطة. أهمّ ما حصل هناك أنّ نظرية الزيت والسكّر قد تهافتت أو تكاد، وهي نظرية أشاعتها البورجوازية المدينية المهيمنة على خطاب المعارضة بشقّيها اليميني واليساري. لم يصمد الابتذال الاقتصادوي لفكرة شراء الولاء كثيراً أمام الانتفاضة اللحظية لأهل سوهاج. بالمناسبة، لم يكن اعتراضهم هناك في الصعيد على أداء السلطة سياسياً بقدر ما كان اقتصادياً. وهذا يقول الكثير في ما خصّ المعارضة والمرجعيات اليمينية التي تصدر عنها ــ باستثناء التيار الشعبي والتحالف الاشتراكي والاشتراكيين الثوريين والاشتراكي المصري، لا يبدو اليسار حاضراً في المشهد كما يجب ــ. لنتخيّل المشهد معاً ونضعه في رسم الجناح اليساري للمعارضة قبل اليميني: الكتل التي محضت مرسي التأييد في سوهاج سواء في الانتخابات أو في الاستفتاء على الدستور كنتاج لعمل «الإخوان» على ابتزازها اقتصادياً (لا تأتي المعارضة أبداً على ذكر الابتزاز أو العلاقات الزبائنية وتكتفي دائماً بالإشارة «الوقحة» إلى «شراء الناس») هي ذاتها التي تحرّكت في مواجهته عندما لم تلمس أنّ تحسناً قد طرأ على حياتها بعد انتخابه! عندما يحدث ذلك نكون إزاء مشهد يتغيّر باستمرار، ولا يسمح لطرف حتى لو كان ثورياً بمصادرة كلّ الروايات الممكنة وتعميم سرديته بدلاً منها. نعلم اليوم أنّ السردية البورجوازية المعارضة قد سقطت أمام امتحان سوهاج. لم تسقطها السلطة التي تتشارك والمعارضة الجذر البورجوازي ذاته، ولا الكتل التي تتحرّك داخل المدن وعلى هوامشها. الأخيرة محسوبة على المعارضة، ويمكن بسهولة توقّع حراكها، لكن ما لا يمكن توقّعه هو ما يأتينا من الريف حين يشعر فقراؤه بالتهميش مرّتين: مرّة من جانب السلطة التي تتعاطى معهم على نحو زبائني، ومرّة أخرى من المعارضة التي تلومهم على وقوفهم المستمرّ إلى جانب السلطة وتتعامل معهم في أفضل الأحوال «كخرفان» لا يستحقّون إلّا الشفقة. في الانتخابات القادمة سيصوّت هؤلاء بكثافة وسيعاقبون كلّ من استخفّ بهم وبقدرتهم على الانتقال من ضفّة إلى أخرى. دينامية الكتل تقول هذا، وكذا اعتراضهم على السلطة من بوّابة التهميش والخروج من سوق العمل. إذا لم يكن ذلك منطقاً اقتصادياً ثورياً (ولو فطرياً) فماذا يكون؟ اسألوا عباقرة اليمين في المعارضة...الثورية.
* كاتب سوري