إن ما تشهده المنطقة العربية، وسوريا تحديداً، من صراعات وتحوّلات يمثل فرصة نادرة للتأمل في صياغة التاريخ وتشكّله. ليس هذا فحسب، بل وفرصة أيضاً لفهم أعمق للتحولات التي يعانيها الإنسان بصفته الفردية أثناء صراعات كهذه، وإن عادت هذه التحولات الفردية لتنصهر في إطار صورة نمطية عامة للمجموعة البشرية.

أكثر ما يثير الدهشة أنّ هذا التاريخ، الذي سيبدو بعد فترة من الزمن صلباً متماسكاً حدّ القداسة، يعاني اليوم حالة من الهيولى القصوى، تمنح النقيضين المتصارعين نفس الفرصة لتصبح رواية أحدهما (الحقيقة التاريخية) التي ستتعاطى معها أجيال قادمة، على الأقل ضمن المجتمع السوري. هذه الرواية التي ستحتكر القداسة التاريخية السورية هي رواية المنتصر، هذا لا يعني أن التاريخ لن يذكر الرواية الخاسرة نهائياً، لكنها ستذكر من وجهة نظر المنتصر، إضافة إلى أن القوى الفاعلة من الخاسرين ستحتفظ بروايتها وتبريراتها للخسارة وتتناقلها بطرق شفهية أو في الظل على الأغلب. في الحالة السورية، فإن انتصار المعارضة سيكتب على أنه انتصار للحرية والكرامة على الظلم والاستبداد والفساد، أما في حال انتصار النظام، فإنه سيكون انتصاراً على المؤامرة الكونية ومحاولة الاستعمار فرض هيمنته على الشعوب المستضعفة، حتى التقويم الأخلاقي للقضايا يبدو من هذه الزاوية لاحقاً لا سابقاً للأحداث، لكن هل يعني هذا عدم صدقية التاريخ؟ (ما دام المنتصر هو الذي يكتبه) ليس بالضرورة، لأنّ للصراع ونهايته بين منتصر وخاسر، آليته التي ستؤسس لوقائع لاحقة تجعل المشهد التاريخي منسجماً مع رواية المنتصر، الذي سيصوغ الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفق تصوره، وتلقائياً الرواية التاريخية، كما أنّ الخاسر سيعود ليصبح جزءاً من هذه الصياغة، لكن هذا لا يعني أن للتاريخ رواية واحدة متماسكة وصلبة على جميع المستويات الذاتية والخارجية بالنسبة إلى مجتمع ما. فتاريخ هذا المجتمع ليس منعزلاً عن التاريخ العالمي، وبالتالي فإن منتصراً في مجتمع ما لا يتحكم وحده في كتابة التاريخ الإنساني، الذي تشارك في كتابته قوى أخرى قد لا تعترف برواية المنتصر المحلي. في الحالة السورية ماذا لو كان المنتصر خاسراً على الصعيد الدولي، أقله لجهة كتابة التاريخ (كما هي حالة كوريا الشمالية، و إن كان الصراع الكوري لم يحسم بعد) إذاً سيكون هناك روايتان للتاريخ، رواية محلية ضمن سوريا يكتبها المنتصر، ورواية خارجية يكتبها أيضاً المنتصر، لكن على الصعيد الدولي.
إنّ التاريخ ليس نهائياً كما تشي قداسته، فنهاية جولة من الصراع بين منتصر وخاسر، لا تعني بالضرورة نهاية الصراع على المستوى التاريخي.
إذ إن التاريخ ليس مجرد رواية نستذكرها بنوع من الفخر أو الحزن أو لأخذ العبر، بل هو صراع مستمر، يستمد هذه الاستمرارية من استمرارية المتصارعين أنفسهم واستمرارية صراعهم حتى ليبدو الصراع على صياغة التاريخ بنفس أهمية الصراع على صياغة الحاضر. في النهاية هناك علاقة متبادلة عميقة ومؤثرة بين الحاضر والتاريخ، والصراع على صياغة هذا التاريخ. فالتاريخ ليس حيادياً باعتباره ماضياً انتهى، بل إنّ للتاريخ فعالية حاضرة ومستقبلية. لنأخذ مثالاً الصراع العربي الإسرائيليي، اعتمد الصهاينة على ما اعتبروه حقاً تاريخياً لهم في فلسطين، لإقامة دولة لهم تستمد شرعيتها من الرواية التاريخية القائلة بوجود دولة يهودية قبل آلاف السنين في فلسطين. إنّ هذه الرواية لم تكن لتصبح ذات فاعلية لو لم يدعمها المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، الذين لم يكتبوا التاريخ فقط، بل أعادوا أيضاً صياغة الكثير منه، وحوّلوا رواية تاريخية لم تكن خاسرة فقط، بل ويشوبها الكثير من الأساطير والمبالغة، إلى رواية منتصرة أنتجت دولة على أرض الواقع، ستمنح القوة للرواية التاريخية، حتى وإن انتصر العرب في هذا الصراع، وأزالوا هذه الدولة كما يتمنى بعضهم.
وفي بعض الأحيان قد يستمرّ صراع الروايات التاريخية، مع غياب أحد المتصارعين وهو الخاسر على الأغلب. فعلى الرغم من شبه انقراض الهنود الحمر في أميركا الشمالية، فإن خصماً مستقبلياً للولايات المتحدة الأميركية قد يتبنى رواية الهنود الحمر الخاسرين لاستثمارها في الصراع، من دون أن يكون الهدف إنصاف أصحاب القضية أنفسهم.
... إنّ التاريخ مرآة حاضر كل مجتمع، ويمكن قياس تماسك واستقرار هذا المجتمع من خلال تماسك واستقرار روايته التاريخية، بغضّ النظر عن الادعاءات التي يطلقها الأفرقاء والخصوم في بلد ما. في لبنان مثلاً، يعلن جميع الأفرقاء تمسكهم بالعيش المشترك وبنهائية لبنان كدولة لكل اللبنانيين على الرغم من خلافاتهم الحادة، لكن إذا خضعت هذه الرواية لمرآة التاريخ، نجد أنه ليس هناك لدى الأغلبية في لبنان رواية تاريخية متماسكة ومستقرة، أقله منذ الاستقلال لدرجة لم يستطع معها اللبنانيون الاتفاق على كتاب مدرسي موحد للتاريخ. وهو ما يعكس حقيقة الوضع القائم، من عدم تبلور لمفهوم الدولة ــ المجتمع على الأرض، بل أكثر من ذلك، نجد عدم وجود هوية لبنانية محددة وواضحة، وبالتالي فإن مفهوم الهوية في أحد أهم مستوياته، هو منتج تاريخي، وهو متغير مع تغيّر التاريخ، وطالما أنّ الحيرة قد تعتري التاريخ في لحظة ما، فهي بالضرورة تعتري الهوية. فهل تنتهي حيرة التاريخ لتنتهي حيرة التجمعات البشرية في المنطقة عموماً وسوريا خصوصاً.
* صحافي سوري