تنحصر المواجهات الفعلية في سوريا بين الجيش السوري و«جبهة النصرة» وأخواتها، فكلاهما يقاتل بضراوة، متسلحّاً بعقيدة قتالية، لكن لكل منهما أسلوب مختلف عن الآخر، فالجيش السوري يقاتل وفق المدارس العسكرية الكلاسيكية، معتمداً على كثافة النار، والأرض المحروقة. قتال تقليدي جبهوي، باستثناء بعض الوحدات الخاصة التي تتمتع بقدرة على حرب الشوارع وقتال المدن.

أما «النصرة» وملحقاتها، فتعتمد حرب العصابات مع تطور نوعي يمزج الأسلوبين النظامي والأنصاري، فقتال الجبهة لم يعد مقتصراً على الضربات الخاطفة (الإغارة) والانسحاب السريع المعروف بـ«الكر والفر»، بعدما تعدّاها إلى الهجوم الشامل والسيطرة والثبات، وهذا يتطلب مناطق آمنة، قيادة، وسيطرة، وإدارة المعارك والمناطق. لهذا أنشأت الجبهة كتائب وسرايا تتجاوز المفاهيم السابقة لحروب العصابات، وتتعداها إلى أن تستعمل المدافع والراجمات والمضادات الأرضية بكفاءة عالية. لا شك أن قتال الطرفين متناقض، لكن ما يبدو مشتركاً بينهما هو الإرادة والعقيدة القتالية على عكس بقية الأطراف كالجيش الحر والتنسيقيات الميدانية والفصائل التي تعدّ تجمعات ميليشياوية أقرب إلى الفوضوية، وصنيعة ظرف طارئ وواقع مستجدّ ووليدة الأمر الواقع، وهي لا تصنّف قوى مقاتلة بمعنى الاحتراف.
«جبهة النصرة» تنظيم متماسك عقائدي، وكذلك الجيش السوري، فهو ذو نشأة أيديولوجية، وهو متماسك ومتدرّب ومنظّم.
لقد شهد المسرح السوري جولات عنف وقتال بين الطرفين، تفوق فيهما الجيش السوري بالعدد والعتاد. وليس خافياً امتلاكه الطائرات والدبابات والصواريخ إلخ... ما يؤمّن لتقنيته كثافة نار لا تمتلكها «الجبهة».
أما «الجبهة»، فتفوّقت في حرب الشوارع، واختراق تحصينات الجيش واستثمرت كل نقاط ضعفه، وهذا مردّه إلى المتابعة الجدية والاستطلاع المتواصل ومستوى الانضباط مما ينم عن تدريب رفيع وخبرة عالية.
تشكيلات «الجبهة» لا تلتزم ولا تخضع لنمط معيّن، لكن عمود الجسم العسكري فيها عبارة عن مجموعات صغيرة متصلة بشريط رفيع كعناقيد العنب، وهي وحدات مؤلّلة تمتلك مرونة الحركة والتنقل والمقدرة على التخفّي والتمويه داخل المباني والمبادرة في اتخاذ القرار، وذلك باعتمادها اللامركزية بحيث يتمتع كل أمير بصلاحيات التنفيذ وفق مقتضيات اللحظة المستجدة وتقدير الموقف.
تركيبة «الجبهة» هي خلاصة تجارب عدة في العراق وأفغانستان والشيشان والبوسنة، ما أكسبها صلابة وخبرة التكيّف مع مناخات مختلفة وامتلاك خبرة كبيرة في استخدام كل أنواع الأسلحة وتصنيع العبوات المتفجرة وكيفية استهلاك كميات قليلة من الذخائر في مواجهات كبيرة. فالتقنين في استخدام الذخيرة يحتاج إلى مهارات وخبرات للقيام باستنزاف الجيوش النظامية. من المعروف عن الجبهة أنها تشن عدة هجمات وهمية قبل أن تختار الهدف الرئيسي.
تعتمد «جبهة النصرة» أسلوب رأس السهم، وتحتفظ بقوة إسناد أساسية من الخلف. وعندما تنجح في اختراق نقطة في محور ما، تدفع بالقوة الأساسية نحوها، مثال: معركة دمشق، عدة محاور: حران العواميد _ داريا _ دوما، ودفعها بالقوات من جوبر الدمشقية نحو ساحة العباسيين.
وقد تعتمد أسلوب الأمواج، مثل الهجوم على مطارات تفتناز، الكويروس، الجراح، أو طريقة المروحية في حمص: التنقل من منطقة إلى أخرى عملت الجبهة بتكتيكات ناجحة.
الجيش السوري، من جهته، لا يزال يعمل وفق آليات قديمة وروتينية، فهو يحتاج إلى 6 ساعات للاستعانة بالطائرات نظراً لتشابك الأذرع العسكرية والأجهزة وتسلسل مركزية القرار، وهو وقت كاف لقيام الجبهة باستغلال الوقت واختراق الجبهات على ما حدث أخيراً في بابا عمرو مثلاً، بينما كانت المعركة تدور في الخالدية، وكذلك في الحجر الأسود واليرموك. وفجأة جرى الهجوم من بيت سحم إلى مطار دمشق الدولي من محور العتيبة والجيش مرتبك ومكشوف لساعات.

الحصيلة

لقد حققت «جبهة النصرة»، مع مجموعات جهادية أخرى وبالتعاون مع مجلس شورى المجاهدين في العراق، إنجازات كبيرة في كافة المناطق، وطورت أسلوب حرب العصابات في الريف والمدن، وتفوقت في مجالات عديدة، أبرزها استثمار المعلومات وعمليات الاستطلاع والمناورة والاستدراج والمرونة والتنقل واستخدام الحركة والنار بكفاءة.
لكن عابتها شوائب قاتلة، فقد استعجلت «الجبهة» المواجهة المباشرة بدلاً من الاكتفاء بالإغارة، فهي لم تستطع الاحتفاظ بالمناطق طويلاً، وفشلت في ربط المدن بعضها ببعض، فتغيّر قواعد الاشتباك الأنصاري إلى النظامي كان يحتاج إلى استراتيجية طويلة، والإغارة أكثر جدوى في حروب كهذه بدلاً من المواجهات المباشرة المفتوحة، وهذا ما أفقدها أعداداً كبيرة من المقاتلين والعتاد والمؤن، وما أنجزته سريعاً تبخّر لاحقاً، بعدما أصبح عناصرها أهدافاً ثابتة لطائرات ومدافع الجيش. فالجيوش تعتمد استراتيجيات طويلة الأمد، وهي بطيئة لكونها تمتلك دعماً لوجستياً وقدرة على تعويض الخسائر، ولديها احتياط. في بداية أي معركة يعمل الجيش على التموضع ثم الصمود وينتقل إلى الاحتواء لكسب الوقت، فكسب الوقت من أهم العوامل، وبعد الاستيعاب تحدد الأهداف ويجري الانطلاق إلى الهجوم.
في المقابل، نجح الجيش في التكيّف مع الأحداث ومع طبيعة المعارك واستطاع احتواء الهجمات ما أتاح له إعادة كودرة الضباط وتجاوز مرحلة الخوف والمفاجأة، وأضحت المعارك روتيناً يومياً بالنسبة إليه، وفرض واقعاً يصعب تجاوزه وهو التراشق، وهذه حالة لا تسقطه بل هو قادر على التعايش معها، فقتال الجبهات لمصلحته. وبالتأكيد لقد أخطأ الجيش التقديرات بالرغم من امتلاكه فائضاً من الضباط والخبراء، لا بل تخمة ربما كانت عبئاً عليه، وعلى ما يبدو كانت قياداته تجرب بدون خبرة، مثال: تجري يومياً حماية طريق دمشق _ حمص بحوالى 20 ألف جندي، ويسحَبون ليلاً إلى أماكن آمنة، بينما كان بإمكان هذا العدد الكبير أن يجتاح كل مناطق الريف الحمصي حتى الحدود، وبهذه الآليات دفع الجيش أثماناً باهظة جداً. من جهة أخرى، بلغت «جبهة النصرة» الذروة في اكتساب تطوراتها، غير أن الجيش في بداية التحوّل إلى جيش محترف، فالسنتان الماضيتيان غيّرتاه من جيش قديم مترهّل تفرض عليه طبيعة الاشتباك كرد فعل، إلى جيش محترف يفرض هو طبيعة المعركة من موقع الفعل.
لا شك في أنّ كلا الطرفين قد استفاد من تجاربه وقدم نموذجاً جديداً في فنون القتال، لكن رغم ضراوة المعارك لم يرتقيا إلى مستوى الاحتراف، كالذي شاهدناه في أفغانستان بين طالبان وقوات «إيساف»، لهذا استعان كلا الطرفين بمقاتلين محترفين من بلدان عدة، إنْ كان المعارضة أم الجيش السوري الذي تقاتل معه مجموعات أنصارية حليفة كانت من عوامل النجاحات الأخيرة في فتح الطريق بين حماه حتى السفيرة حلب، وفي وادي الضيف، داريا، ريف حمص. قد تكون سوريا آخر حروب المجموعات الأنصارية والجيوش النظامية، فهي الآن تشهد أولى إرهاصات مدرسة جديدة ستكون مزيجاً من الكلاسيكي والأنصاري، وستظل التكتيكات وتغيّر الخطط وفق الظروف التي تواجهها القوى المتقاتلة، تتطور، ويدخل عليها ابتكارات جديدة استناداً إلى بديهية ترافق كل معركة. فالتكتيكات مرّت وستظل تمرّ بمتغيّرات تختلف عن سابقاتها، يرفدها دخول أسلحة جديدة وعبقريات عسكرية فيما لو توافرت، وبعد كل معركة، سنشهد مستجدات وتطورات في الخطط والتكتيكات، لكن المؤكد أن مواجهات المجموعات الأنصارية مع الجيوش النظامية آيلة إلى الأفول.
* كاتب لبناني