لا أدري كيف يفسر منكرو المؤامرة، فضلاً عن نظريتها، كيف يُكتب كل هذا الكمّ الهائل من المقالات والتحقيقات و«الخبريات» عن الشيعة في لبنان، وأغلبها يتوخى النيل منهم، من اجتماعهم، من اقتصادهم، من مغتربيهم، من مناطق انتشارهم، حتى من أخلاقهم، وقبل كل هذا وبعده، من مقاومتهم، التي يريد البعض أن يسلّم أنهم احتكروها، في أن منطق الاحتكار يفترض تحصيل غنيمة ما، بل غنائم، محض غنائم يحققها المحتكِر من عائدات المحتكَر، والمشكلة كانت ولا تزال في الافتراض، عند الشيعة وعند غيرهم على حدٍّ سواء، أن إنجازات المقاومة يُمكن احتكارها، وكذلك في رفض اقتسام المغانم والمكاسب واستثمارها. وكان خطاب التحرير في بنت جبيل واضحاً في الدعوة إلى التوظيف والاستثمار والاستغلال والتبني، إلخ... وأيّاً تكن الدوافع، المهم ألّا يُسلَّم بمنطق الاحتكار والحصرية، إلا أن في لبنان من أبى، ولا يزال، أن يعمل ضمن المعادلة الجديدة، متكلاً على معادلات دولية مفترضة، ومتأمّلاً منها، أمل العطِش في الارتواء من قاحل. ذلك أن المعادلات الدولية جاءت على شكل أزمات داخلية متفجرة، تُوّجت بزلزال اغتيال رفيق الحريري، والخط البياني لتداعيات العناية الدولية، من قبل ومن بعد، يشهد صعوداً متنامياً (متأزماً) أكثر منه هبوطاً متراخياً. صار الشيعة، بالمكونين الرئيسيين حزب الله وحركة أمل، أحد أقطاب رحى الأزمة، وأضحت عملية «اختراقهم» مع الوقت مهمة أساسية لدى الخصوم. وتفترض عملية الاختراق هذه إحداث ثُغَر في جدار التماسك، التي يفترض مفتعلوها (لو وُفقوا) أنها قد تؤدي إلى بداية تصدع، يساعد على كسر الاحتكار، متجاهلين أنه احتكار غير مدعى من الطرفين الأساسيين داخل الطائفة الشيعية، إنما فرضته عوامل عدة، داخلية نفسية وخارجية سياسية، ولعل أبرزها فعل المقاومة وإنجازاتها الميدانية. لذا، إن محاولات الاختراق تحولت مع الوقت إلى مجرد أخذ «خزعة»، إلا أنها لم تكن لتفيد في التشخيص، فضلاً عن أنها لم تؤد دوراً يُذكر في الإجراءات والقرارات، ولم تستطع رغم كل شيء إلى ذلك سبيلاً. وليس كسر الاحتكار وحاجز الصمت والخروج على السائد ورفض منطق التسويات، كل هذا ليس بعيب ولا حرام، لا في السياسة ولا في الأخلاق ولا في رصّ الصفوف، إنما المشكلة كانت ولا تزال تكمن في انسجام أصحاب هذه المحاولات مع أعداء ما تجتمع عليه الثنائية الشيعية، ومع مناوئي هذا الاجتماع الاجتماعي والسياسي والثقافي، بنسب متفاوتة بين هذه العناوين.

يردّ مشجعو هذا الاختراق ومريدوه أسباب الإخفاق إلى جميع الأسباب المفترضة: من الشمولية داخل الطائفة، إلى انخطافها، إلى قمع المنتمين إليها، إلى النفعية، إلى «مدن الخوف والمخدرات والسلاح»، وفق تعبير أحد علماء المعارضة الشيعية... إلا أن يكون سبب الإخفاق هو سوء التقدير والحسابات الخاطئة. من هنا صرنا نسمع ونقرأ خطاباً إعلامياً وسياسياً وحتى ثقافياً، يتوجه إلى أبناء الطائفة بلغة الوصي الحريص على مصلحة من يقلّون عنه خبرة ودراية ورشداً، ويفوقهم هو إمكانات عملية وعلمية وتجارب وإنجازات. آلاف المقالات والتقارير والتحقيقات الإعلامية، والأفلام الوثائقية... وكلها تشرح لمتلقٍّ متلهف، عن الطائفة العثرة في وجه المشروع الحلم، الذي رامت تحقيقه «ثورة الأرز» يوماً. حتى بعد أن تفرق العشاق، ووصلت الثورة مرحلة الخرف السياسي (هل يُعقل أن يدعي أقطاب 14 آذار أنهم ملهمو الشارع العربي!)، والشيخوخة التنظيمية والشعبية، لا يزال الإصرار كبيراً على تطعيم كل محفل، وكل منبر إعلامي، وكل مناسبة، بوجه شيعي معارض، يتولى «الزكزكة» لقطبي الشيعة، يحاول إقناع نفسه والآخرين، بأنه «حبة نظيفة» نجت من الطحن، وتمردت على غسل الدماغ والبوتقة والقولبة والشمولية وما إلى ذلك من آفات ضربت الطائفة، وإذا ما طُرح السؤال عن النقطة المضيئة «الوحيدة»، المقاومة، سيردح القوم بما يُفهم منه أنهم رواد المقاومة والسابقون إلى الفضل.
وقد يقول قائل، وقد قال حقاً: إن المعارضة للثنائية الشيعية الحالية، ليست كلها مندرجة تحت التصنيف أعلاه؛ إذ إن هناك أصحاب قناعات، غير مغرضين ولا مرتبطين بسفارات ولا بقصور ولا حتى بشبابيك محاسبة. مخلصون أوفياء للمقاومة، غير متنكرين لأبناء بيئتهم، ولأبناء وطنهم، فلا يزدرون بهؤلاء ليتملقوا أولئك، ولا يتعصبون ضد أولئك منحازين خبط عمياء لهؤلاء. ينتمي إلى هذا الصنف من ممارسي العمل السياسي والوطني، كفاءات علمية وأكاديميون وأبناء حوزات دينية ومتعاطو شأن عام وأصحاب مهن حرة وعمال وكادحون ومنتسبو أحزاب وطنية ومستقلون غير منتمين، وهؤلاء لا يجدون أنفسهم قادرين على الانسجام في الثنائية الشيعية، «الضرورية» لوحدة الطائفة وقوة المقاومة، إلا أنها «مضرة» (استُخدم المزدوجان؛ لأن الضرورة والضرر موضع نقاش دائم) بالتعددية وتكافؤ الفرص والتنافس الطبيعي السلس. وعدم الانسجام أحياناً منطلق من موقف من أحد الطرفين، أو منهما مجتمعين، أو من اجتماعهما على بعض العناوين، دون الجوهرية منها، ولا سيما عنوان المقاومة. تحتاج المقاومة إلى المؤمنين بها ألّا يحرموها ميزة التصويب والنصح، لكي لا يتركوا الفضاء رحباً أمام المغرضين، وهم كثر، وقد أساؤوا إلى المقاومة، وأكثر إلى المؤمنين بها، حين كبلتهم كمية الحقد المبثوث في الإعلام، وحرمتهم الفرصة، على الكتابة والنقد والتصويب، في حين أنّ القدرة متوافرة لذلك. وكان من نشاط هؤلاء المغرضين تداعيات سيئة على أكثر من صعيد:
أولاً، أضروا بالحقيقة، فما يوردونه في تحليلاتهم وتحقيقاتهم ومختلف المادة الإعلامية التي يقدمونها، مبني عادة على وقائع، إنما تُقدَّم بألف صورة وصورة مغايرة ومضخمة و«مبهّرة»، فلا تتوخى في العمل الإعلامي والصحافي أبسط مقوماته. فهل يُعقل مثلاً أن يبني كاتب مقاله تحت عنوان «شبيحة الجنوب» (وهو بالمناسبة سخّر الصحيفة التي يكتب فيها تقريباً وحيداً وسط خليط من الإعلانات والمنوعات، للنيل من المقاومة وحزبها)، على اتصال هاتفي، ورده من أحد الأطراف المتضررة، ليدلّ على نتيجة يرجوها هو، ويفترضها هو، ويريد أن يقنع الآخرين بها، هي أن شباب حزب الله يعتدون على الناس بقوة السلاح، ثم يتبين أن جرحى الإشكال من شباب الحزب نفسه. ثم إنّ من ينعت شباب المقاومة بالشبيحة، كيف له أن يقنع أحداً بأنه منصف يبحث عن الحقيقة، وأنه طالب حرية، ويكتب بما يمليه عليه الضمير، لا رنين الذهب؟
ثانياً، ينطلقون من «طوباوية» خصمهم؛ إذ إنهم يستفيدون من الهالة التي أُحيط بها شباب المقاومة، شباب حزب الله، أهلهم، جمهورهم؛ إذ إنهم بعد الإنجازات الكبيرة التي حققها أبناؤهم ضد العدو الصهيوني، والخطاب الإسلامي الرصين – عموماً – الذي يقدمه كوادرهم وعلماؤهم، فكيف يمكن أن تنتشر بينهم آفات تصيب مختلف فئات الشعب، بدءاً من الاختراق الأمني، وصولاً إلى تعاطي المخدرات والاتجار بها وبالسلاح، أو مثلاً حدوث مشاكل مع شباب حزبيين في القرى والأحياء، تظهر للمراقب أن بعض هؤلاء الشباب قد يتصرفون برعونة هنا، أو خروجاً عن أوامر رؤسائهم هناك. فتجد ذاك الأستاذ الجامعي، المناضل والمفكر وعالم الاجتماع، يفتتح أحد صباحاته على «الفايسبوك» بعبارة : «صباح الكبتاغون»... إذا أردنا أن نضع أنفسنا محل صاحب هذا الكلام، وحللنا الأمر اجتماعياً (ولندع التحليل النفسي لمحله)، لوجدنا أن دافعه هو روح المنافسة، ولكنها شذت عن المحاولة الشريفة شوطاً بعيداً، لأنه ينتمي إلى الطائفة الشيعية ويدعي التصاقه بمنابع عقائدها الأصيلة، وبالتالي فهو يريد أن يكرس في أذهان من يتابعه أو يستمع إليه أن من تصفونهم بأشرف الناس، ما هم إلا بشرٌ مثلنا، هذا بحسن الظن به، أما غير ذلك فهو يريد أن يدعي شذوذ حالة حزب الله عن الواقع الشيعي الذي يمثله «جنابه» حصراً، ومن يوافقه الرأي.
ثالثاً، ينسجم هؤلاء الكتبة والناشطون المدنيون والحزبيون السابقون، مع الحملة التي يشنها العدو على حزب الله، لا بل إنهم يزايدون على العدو نفسه، الذي ربما بلغ من خلال حملاتهم مبتغاه، للنيل إعلامياً من المقاومة. وقد خصصت وزارة الخارجية الصهيونية على موقعها على الإنترنت، جانباً لمقالات من الصحافة العربية من هذا النوع. وهل من المعقول أن تتناقل الصحافة جزءاً من كتاب لأكاديمي لبناني، كان عضواً في حزب الله، يروي فيه هذا الأخير تفاصيل مدعاة عن جلسة لشورى حزب الله، خصص حيزاً كبيراً منها لمناقشة التداعيات الخطيرة لكتابه عن تجربته الحزبية، ولو وقف الأمر عند المناقشة لكان الأمر عادياً ربما، ولكن المجتمعين كادوا يختلفون نتيجة إصرار بعضهم على فكرة التصفية الجسدية لهذا الأكاديمي «المنشق»، حتى يكون «عبرة لغيره».
خلاصة القول: لا يرفض مجتمع المقاومة كل رأي آخر، إلا لأن أكثر الآخرين ينطلقون من النيل من النقاط المضيئة في سمائه، وحين يتناولون الحالات الشاذة والخطيرة في ظهرانيه، إنما يتوخون من ذلك النيل منه، وتنميطه بأسوأ ما فيه. وهو مجتمع حكماً لا يخلو من كل سيئ يمكن أن يخطر على بال أحد، شأنه شأن باقي مكونات الوطن، ولكن علام يُتعامل مع مشاكله مجهرياً، وأيضاً تُعرض مشاكله من زاوية التشهير والتجريح وتسجيل النقاط والخروق، فهذا التعامل اللاسوي، ولّد تقوقعاً ما رافضاً أي رأي آخر، ناظراً إليه نظرة ريبة وشعور بالمؤامرة، الأمر الذي أضعف محاولات النقد المنصفة، ووضع أصحابها موضع الاتهام والتآمر. فكيف لغير المنصف أن يتوقع الإنصاف.
لقد فرح المفترون وما أنصفوا أنفسهم، ولا أبناء بيئتهم، ولا الحقيقة ولا محاولات التغيير.
* كاتب لبناني