ليس التدخّل الإسرائيلي في سوريا مستجدّاً أو فريداً، إذ إنّ الدولة العدو تتدخّل في كل صراع داخلي وكل حرب أهليّة في الوطن العربي (وخارجه) منذ إنشاء الدولة في عام 1948. تدخّلت في صراع اليمن وفي مجازر أيلول وفي حرب ظفار وفي الحرب الأهليّة في السودان وفي الصحراء الغربيّة وفي الحرب الأهليّة في لبنان وفي تحرّك الأكراد شمال العراق، وفي الحرب العربيّة الباردة في صفّ آل سعود. (حتى في نيجيريا، افتضح أخيراً دور لشركة إسرائيليّة متعاقدة مع الحكومة للتجسّس على الشعب النيجيري). هذا هو التاريخ الحقيقي لدور الدولة العدوّ في شؤون العالم العربي. وعلى عكس ما يرد في إعلام النفظ والغاز (وإعلام تدوين الغاز القطري مُنتشر في زمن الثورة السوريّة المسخ)، فإن العرب لم يفرطوا في تحميل إسرائيل أوزار الكثير من مصائبهم. على العكس، قلّلنا من تأثير العدوّ الإسرائيلي في شؤوننا، وساعد البعض على إخفاء هذا التدخّل عبر إسقاط نظريات عنصرية واستشراقية عن مسؤولية تخلّف العرب عما يحلّ بهم من مصائب (هل هذا هو سبب احتفاء الاستشراق الإسرائيلي بكتاب صادق جلال العظم الاستشراقي المُبتذل، «النقد الذاتي بعد الهزيمة»؟). العدو يتدخّل في كل شأن في العالم العربي، وفي التفاصيل، ويعطي المشورة لحكّام العرب حول التعاطي القمعي والدموي مع شعوبهم المقهورة.

إسرائيل موجودة في الصراع السوري قبل أن يبدأ. ننسى أن العدو أنشأ شبكات تجسسية إسرائيلية في سوريا (وكانت تضمّ لبنانيين ومصريين لأن اللبناني _ يقبر أمه _ رائد في خدمة العدو الإسرائيلي) منذ الستينيات، كما كشفت التحقيقات في قضية إيلي كوهين (الذي بالغ الإعلام الغربي _ وجريدة «النهار» _ في تصوير «منجزاته» التجسسية). وهذه الشبكات تتوالى في كل الدول العربية. إن قدرة حزب الله (كفانا كلاماً عن قدرات استخبارات الجيش وجهاز المعلومات الذي توقف فجأة، وحرداً عن إصدار بيانات توقيف عملاء العدو) على كشف شبكات التجسّس والإرهاب الإسرائيلي أظهرت الامتداد والانتشار الواسع للاستخبارات الإسرائيليّة على أنواعها، وعلى تغلغلها في الدولة والمجتمع في لبنان.
يريد إعلام النفط والغاز المُتحالف جهاراً مع العدو الصهيوني (والـ«صنداي تايمز» نشرت مقالة عن استعداد آل سعود وآل نهيان وآل الصهاينة الهاشميّين في الأردن لعقد اتفاق أمني _ عسكري مع إسرائيل وبرعاية أميركا) أن يتجاهل الدور الإسرائيلي في سوريا. وعندما تكون الدولة العدوّ غارقة حتى ما فوق الأذن في صراع عربي ما، فإنها تتعمّد الصمت إزاء ذلك الصراع مع بعض الاستثناءات. كما أن أميركا _ الحريصة حتى الشغف على مصلحة إسرائيل _ تجهد كي لا تتكلّم إسرائيل كثيراً في صراع عربي هي متورّطة فيه. في أيّار 2005، طلبت الإدارة الأميركية رسمياً من الحكومة الإسرائيلية التزام الصمت حول الدور الإسرائيلي في صنع القرار 1559 وفي الصراع الداخلي الذي أعقب اغتيال (السيّئ الذكر) رفيق الحريري في لبنان. وفي سوريا، كانت الإشارات إلى الدور الإسرائيلي عارضة في التغطية الصحافيّة الغربيّة: بضع مقالات تحدثت عن عناصر من الـ«موساد» تسرّبت إلى سوريا بضيافة «الجيش السوري الحرّ» _ وهذا الجيش مضياف لإسرائيل كما هو مضياف لحكومات النفط والغاز التي تلهمه ديموقراطياً _ لأسباب لا تتعلّق بنشر الديموقراطيّة، وخصوصاً أن مبرّر وجود دولة إسرائيل يعتمد على بنيان مرصوص يحوط بها من أنظمة الطغيان. كما أن الصحافيّين الإسرائيليّين تسرّبوا تحت جنح النهار إلى المناطق «المُحرّرة» من سوريا لنصرة «النصرة» وأخواتها.
لكن هناك ما هو أخطر من ذلك. ما فتئ الإعلام الغربي يتحدّث وبصراحة عن خطة إسرائيلية لإنشاء جيش على غرار جيش لبنان الجنوبي في لبنان، وذلك من أجل حماية الحدود مع فلسطين المحتلّة من سوريا. وعندما سُئل نتانياهو عن الموضوع قبل أيّام على محطة «بي.بي.سي» رفض الاستفاضة أو النفي أو التأكيد. ولا يحتاج المُحلّل إلى التكهّن لمعرفة طبيعة ذلك الجيش الرديف لجيش الاحتلال: هي مهمّة أخرى لـ«الجيش السوري الحرّ»، وخصوصاً أن ألويته _ مثل عشائر العراق وأفغانستان _ مرشحة للإيجار بسعر مُحترم.
وللمرّة الثالثة في غضون السنة الحاليّة، قامت إسرائيل بشن غارات قصف على مواقف داخل سوريا. إسرائيل أعلنت بذلك وبقوّة دخولها الحرب رسمياً إلى جانب القوى المسلّحة المعارضة، التي تتلقّى الرعاية والتمويل والتسليح من الدول العربيّة المُتحالفة مع إسرائيل. حاول إعلام النفط والغاز إخفاء ارتباكه: كيف يخفي دخول الجيش الإسرائيلي الحرب في سوريا إلى جانبه؟ «العربية» قرّرت أن تتجاهل الخبر وأن تركّز _ على عادتها _ على التدخّل الإيراني والشيعي الخارجي الذي لا ترى سواه. وعند الإعلام النفطي وبعض مثقّفيه، فإن لواء أبو فضل العبّاس وحزب الله هما الفريقان الوحيدان اللذان ينغّصان على الشعب السوري هناء الحرب الأهليّة المحضة، التي لا يعكّر صفوها أي تدخّل خارجي آخر، إلا من يتدخّل إلى جانب النظام. نشرة الأخبار في محطة صهر الملك فهد، «العربية»، تبدأ بالحديث العرضي عن القصف الإسرائيلي ثم تسارع إلى التركيز على تدخّل الدولة الصفوية (في الحديث عن «الصفوية» في الإعلام النفطي والطائفي يظهر جهل عميق بالتاريخ).
لكن بعض الصحافة السعودية كانت أصرح من محطة صهر الملك فهد. الناطق الأمين باسم آل سعود، عبد الرحمن الراشد، الذي عمل لسنوات في مضرب الأمير سلمان، «الشرق الأوسط»، قبل أن ينتقل إلى إدارة «العربية» لم يخف «سروره» بالتدخّل العسكري الإسرائيلي. المجاهرة بالصهيونية سائدة هذه الأيام. «الجزيرة» تغطّي القصف الإسرائيلي ثم تغيّر الموضوع لتتحدّث عن مجزرة كفر قاسم في محاولة مصطنعة لتمييز نفسها عن إعلام النفط السعودي، وكي تكسب ثقة الجمهور العربي الذي هجرها، كما أظهر أكثر من استطلاع (حتى لا نتحدّث عن استطلاعات داخلية في داخل مؤسّسة «الجزيرة»).
أما مثقّفو النفط والغاز من الذين يتصنّعون عداء لإسرائيل فأصيبوا _ هم وأهل المعارضة السورية في المنفى، بالارتباك الشديد. لعلّ ذلك يفسّر التلاعب الذي حدث في تدوينات أحمد معاذ الخطيب (عدوّ الـ«فايسبوك» و«العادة السرية» حسب كتاباته التي سبقت تعيينه من قبل هيلاري كلينتون في قيادة دكّان جديد للمعارضة بعد إفلاس الدكّان السابق له) وبرهان غليون. غليون أزال تعليقاً طويلاً كتبه على صفحته على «فايسبوك»، وأبدله بتعليق قصير وموجز. في التعليق الأوّل، استنكر غليون بكلام عام الاعتداء، وعتب على العدوّ لأنه لم «ينسّق» مع المعارضة المسلّحة (سؤال برسم غليون: هل يظنّ غليون أن أي كلمة يكتبها عن الديموقراطية ستتمتّع بصدقية بعدما حوّل نفسه إلى أداة بيد الحكومة القطرية؟ إن وقفة غليون في الدكّان المُسمّى «المجلس الوطني السوري» مَحَت كل كتاباته في مديح الديموقراطية). أما معاذ الخطيب، فإنه كان قد اعترض على العلاقة بين بعض الفرق المسلّحة وإسرائيل، لكنه قرّر أن يزيل ما كتبه لرصّ الصفوف وتنفيذاً _ على الأرجح _ لأوامر خارجية عليا. أما العصابات المسلّحة، فلم تستطع أن تخفي بهجتها واحتفلت على طريقتها بالتكبير والهتاف على مدار زمن القصف الإسرائيلي. هو زمن الإسلام الجهادي الصهيوني الذي شرح معنى جهاد الإخوان والسلفيّين في مصر، حيث تقوم الحكومة المصرية بفرض حصار على غزة أقصى من حصار حكم حسني مبارك. أسوأ من ذلك، استعان قادة معارضة المنفى (الإخوانجية والعلمانية على حدّ سواء) بخطاب بشير الجميّل وأبيه عن التحالف مع إسرائيل فأطنبوا بضرورة قبول المساعدة من «الشيطان» لتحرير الوطن _ و«الشيطان» في الخطاب الصهيوني العربي هو إشارة ودّ إلى العدوّ. الجيش السوري الحرّ كعادته يقول الشيء وعكسه: ناطق يثني على العدوّ، فيصدر نفي لكلامه مع أن الناطق الرسمي المعتمد، لؤي المقداد، كاد أن يدعو إلى تقديم الشاي والبرازق إلى جيش العدو.
لكن لم يُصب بالارتباك كل صف مثقّفي النفط والغاز: كتّاب سلالة الحريري لم يخفوا ابتهاجهم. كاد فارس خشّان أن يصيح مرّة أخرى (كما صاح من قبل في عام 2008 أثناء العدوان على غزة): «كلّنا إسرائيليّون». ومديرة أخبار في تلفزيون الحريري (وهي تكتب أيضاً في جريدة الأمير سلمان _ أهلية بمحلية) عاتبت وانتقدت من يُطالب المعارضة السورية بإدانة عدوان إسرائيل. استنكرت إدانة عدوان إسرائيل. لكن ماذا تتوقّع من هؤلاء الذين واللواتي صفّقوا للعدو في عدوان تمّوز؟ فضحتهم وفضحتهن «ويكيليكس».
أما نظام الممانعة، فلم تبد عليه علائم الممانعة. خطاب الممانعة لم يقع على جواب واحد لتفسير وتسويغ غياب الردّ على عدوان العدو: واحد يقول إن النظام كان قد ردّ في السابق على إسرائيل، لكن أحداً لم يعلم بذلك. أي إن الردّ كان فائق السرية، يا محسنين ومحسنات. آخر يقول إن النظام ردّ على العدو عبر التمنّع عن الرد، أي إن عدم الرد كفيل بتحرير الأرض أيضاً. لو أن المقاومة في لبنان علمت بذلك، لاكتفت بعدم الرد حرصاً على حياة المئات من مقاتليها. آخر يقول إن النظام لا يزال _ كعادته منذ 1974 _ يسعى لتحديد زمان المعركة ومكانها _ أو الرد. يبدو أن عملية التحديد عويصة وتحتاج إلى عقود طويلة كي تثمر. الصبر (غير) جميل. لكن دعاية الممانعة اكشتفت حسنات في إعلام الأنظمة في حرب 1967: لاحظت سقوط طائرات العدو، الواحدة تلو الأخرى، فوق سوريا من دون أن تكون قد أُطلقت طلقة واحدة عليها، لكنّ مسؤولاً عسكرياً سورياً تصنّع العنفوان وجزم لجريدة «الأخبار» بأن القصف الإسرائيلي لم يكن عبر طائرات عبرت الأجواء السورية. وماذا يعني لو عبرت أو لم تعبر إذا كانت قد نجحت في قصف مواقع في سوريا؟ وهذه الأجواء خُرقت من قبل العدو نفسه. هل الممانعة هي في ممانعة تقبّل الحقائق حتى لو حلّت واضحة أمام ناظريك؟
لكن إعلام الممانعة لا يزال غارقاً في أوهام دول الـ«بريكس»، ومحلّلو إعلام الممانعة يهلّلون لما يرونه من صعود لتكتّل سياسي لا دور له «بنوب» على الساحة الدولية. وبشّار الأسد يرسل مبعوثة عنه لحثّ دول الـ«بريكس» على التدخّل في سوريا، موازنة لتدخّل الحلف الأميركي، غير أن دول الـ«بريكس» تحتفظ بعلاقات أكثر من وديّة مع الدولة اليهودية. ونتنياهو أمر بقصف سوريا وغادر إلى الصين التي استقبلته استقبال الفاتحين، كما أنه تهاتف «ودياً» مع بوتين بعد قصفه لسوريا. لكن سوء قراءة خريطة العلاقات الدولية تقليد بعثي قديم.
إن دخول إسرائيل العمل الحربي العلني والمباشر (لأن إسرائيل مثلها مثل أميركا موجودة على الأرض وغير بعيدة عن عمليّات اغتيال جرت وعن عمليّات تدمير ممنهجة للبنية التحتية السورية) كان قراراً أميركياً. وقد تسارعت الأحداث في الأسبوع الماضي لسبب بسيط: لقد حقّقت قوات النظام السوري تقدّماً ميدانياً ملحوظاً على أكثر من «جبهة»، وقد اضطرّت قوّات المعارضة إلى الانكفاء في أكثر من منطقة. وفي الأسبوع نفسه، جمع مسؤول عسكري رهطاً من الصحافيين الغربيين وأعلمهم أنه متأكّد من أن النظام السوري استعمل الأسلحة الكيمائية. أضاف أنه لا يستطيع أن يكشف مصدره (مُلّمحاً إلى كون المعارضة المسلّحة أمدّت إسرائيل بنماذج عن التربة) وقال إنه رأى في فيديو على الإنترنت سورياً يرغي من فمه (استعمال السلاح الكيميائي لا يتأكّد إلا بعد فحص مخبري لعيّنة من التربة). وفي اليوم التالي لذلك التصريح الإسرائيلي، قرّرت إدارة أوباما فجأة أن النظام السوري استعمل السلاح الكيميائي. وفي رسالة رسميّة إلى الكونغرس، قال أوباما إن وكالات الاستخبارت الأميركية (وعددها بلغ نحو خمس عشرة وكالة) توصّلت بناء على «درجات متفاوتة من اليقين» إلى اقتناع بأن قوات النظام السوري استعملت أسلحة كيمائية، لكن الإدراة عادت وأوضحت أن الفحوص مستمرّة (على طريقة عنوان الفيلم العربي «ولا يزال التحقيق مستمرّاً») وأن الاستعمال كان محدوداً وعلى نطاق ضيّق، لكن هذا النوع من السلاح لا معنى له إلا إذا كان على نطاق واسع وغير محدود. لماذا يلجأ أي كان إلى قتل شخص بالسلاح الكيميائي إذا كان الرصاص متوافرا،ً إلا إذا أصرّ المرء على الوقوع في دائرة الحظر الأميركي. (هذا من دون تبرئة أي نظام عربي، بما فيه النظام السوري، لإفراطهم في احتقار حياة مواطنيهم ومواطناتهم).
إن الغارات الإسرائيلية كانت إيذاناً بدخول أوباما الحرب في سوريا، لإنقاذ العصابات المسلّحة من الهزيمة، أو من الانكفاء الدراماتيكي. وأوباما، ضعيف سياسياً، ولا يقوى على الدخول في حرب، أو حتى على المبادرة بعمل عسكري غير مباشر، خارج نطاق التسليح والتمويل، وحثّ الأنظمة المُطيعة في الخليج. عوّل عرب كثيرون على أوباما، إذ غرّهم اسمه الثلاثي، متناسين أنه أهمله في حملته الانتخابية عام 2008، لكن هل هناك رئيس أميركي لم يعوّل العرب الكثير عليه، وخصوصاً في ولايته الثانية عندما يحلم العرب بأنه سيطيح اللوبي الصهيوني من أساسه؟ قرّر أوباما أنّ إسرائيل تستطيع أن تتعامل مع الواقع السوري كما تشاء، وأن تقصف في العالم العربي متى تشاء وأنّى تشاء، لكن أبو مازن يعوّل على «عملية السلام»، وهو تعهّد عدم مقاضاة إسرائيل دوليّاً على جرائمها كما أنه تعهّد السماح للعدوّ بالحفاظ على ما يريده من 22% من فلسطين، إضافة إلى كل الـ78% من فلسطين.
الأنظمة الخليجيّة ظهرت على حقيقتها: هناك حلف أميركي _ إسرائيلي في المنطقة العربية، وهو يقود الثورة العربية المضادة، فيما يُطلب من دول الخليج التصفيق والتمويل والتسليح فقط. والأمير القطري والملك الأردني حظيا بلقاء وجيز في البيت الأبيض: هذا أكثر ما يطمح إليه طغاة العرب.
دخلت إسرائيل الحرب وبقوّة، فيما يجهد الليبراليّون وحتى بعض اليساريّين في تعداد كل قتيل يسقط لحزب الله على مدار الساعة. هناك من يرى تدخّل حزب الله وحتى لواء أبو فضل العبّاس ولا يرى تدخّل إسرائيل وأميركا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا ودولة الإمارات والأردن وقطر والبحرين والكويت إلى جانب المعارضة الُمسلّحة. يستطيع إعلام النفط والغاز، وخصوصاً مواقع النفط والغاز التي تستقطب اليساريين السابقين الساعين إلى تلقّي دعوة لمهرجان الجنادريّة المُقبل، أن ينسى الغارات الإسرائيليّة في اليوم التالي، لكن واقع الحرب الإقليمية _ الدولية في سوريا يتناقض مع سرديّة الصراع الداخلي المحض. إن أميركا وإسرائيل تديران الحرب في سوريا من جانب واحد، وإيران وحزب الله وروسيا تدير الجانب الآخر، على الأرجح. طريف جدّاً أن محطات النفط والغاز لم تكلّ: في كل يوم جمعة تحاول إقناع المشاهد بأن التظاهرات الشعبية السلمية لا تزال تعمّ المدن السورية، وأن «الإخوان» والسلفيّة لا علاقة لهما بما يحدث في البلد.لم تعد القضية _ كما بدأت _ في يد الشعب السوري المُحتجّ، الذي يكتسب احتجاجه كلّ الشرعية. خرجت الأمور عن السيطرة. في «الثورة الأميركية» (وهي لم تكن «ثورة» لكن الأميركيّين لا يحبّون الثورات الحقيقيّة، لذا أطلقو كلمة «ثورة» على حربهم _ الماليّة _ ضد الاستعمار البريطاني) كان الشعب الأميركي ينقسم ثلاثة أقسام: «الموالون» وهم الذين حافظوا على ولائهم للعرش البريطاني، و«الوطنيّون» الذين حاربوا الاستعمار، والقسم الأكبر من الشعب الأميركي، على الأقل وفق المؤرّخ الأميركي ناثانيل فيلبريك في كتابه الجديد عن «الثورة الأميركية»، وقف على الحياد، ينتظر جلاء الموقف، أو صعود منتصر. قد ينطبق هذا التصنيف على الواقع الحالي للشعب السوري.
دخلت إسرائيل رسمياً وعلنياً في الصراع السوري. المقاومة مُطالبة بالردّ (ولتذهب كل احتجاجات حركة 14 آذار، أو اللوبي الإسرائيلي في لبنان، إلى الجحيم). أما الممانعة: فهي غير مُطالبة بشيء لأن أقصى ما يمكن أن تفعله هو تشكيل لجنة من أجل... تحديد زمان المعركة ومكانها. لا تحبسوا أنفاسكم وأنفاسكنّ.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)