يقبع جورج عبدالله في زنزانته بأمر من الحكومتيْن الأميركية والإسرائيلية. إنّ الحكومات الأوروبية ما عادت إلا مُنفّذة للإرادة الأميركية، كائنة من كانت إدارتها، حتى لو «ميكي ماوس». حتى الحكومة الكنديّة التي كانت تتمتّع بهامش من التنوّر في سياساتها الخارجية مقارنةً بالحكومة الأميركية اعتنقت في العقد الأخير سياسة أميركا الصهيونية بالكامل. في التسعينيات من القرن الماضي، كانت الأجهزة الكندية التي تتعاطى شؤون الهجرة والسياسة الخارجية، تستعين بأصدقاء فلسطين للمشورة، فيما هي اليوم مُلزمة باستشارات الليكود الأميركي والكندي. جورج عبدالله لا تريده أميركا حرّاً حتى لو قضى كل سني عقوبته، وزيادة عليها. إسرائيل لن تسمح بإطلاق سراحه أيضاً. الحكومة الفرنسية مسؤولة عن الأمر، لكنها مُنفّذ صغير. العنوان هو تل أبيب ــ واشنطن. إن الحكومات الغربية تتحدّث كثيراً عن العدالة وتتشدّق في الحديث عن حكم القانون، لكنها تضرب به عرض الحائط متى أرادت هي، ومتى أرادت إسرائيل. والحكومة اللبنانية كاذبة في وعودها وفي اهتماماتها. تتعاطى مع الملفّات بالمداورة والنفاق. الرئيس اللبناني المتجوّل يتماشى مع سياسات قطر والسعودية في ما يتعلّق بالمقاومة والشأن الداخلي اللبناني بناءً على قناعة فكريّة فقط، وليس بناء على رشى كما يزعم مغرضون. صحيح أن كل رئيس لبناني يتلقّى مبلغاً كبيراً من المال من آل سعود ومن آل نهيان عندما يصل إلى السلطة، لكن هذا يدخل في باب الإكرام والتكريم الديبلوماسي. من يصدّق أن ميقاتي أو سليمان أو برّي أثاروا ملفّ عبدالله مع أحد من حكومتيْ فرنسا أو أميركا؟ الأمر لا يعنيهم، مثل أمر المخطوفين اللبنانيّين في أعزاز. لا يتجرّأ مسؤول لبناني على إثارة موضوع مخطوفي أعزاز مع حكومتيْ قطر والسعودية، مثلما لا يجرؤ أهالي المخطوفين أنفسهم وأنفسهنّ على الاحتجاج امام سفارتيْ قطر والسعودية.

إن عدداً من الأشقاء عبدالله من القبيّات قد نذروا حياتهم لفلسطين. لا جدال في ذلك. ويرتدي الأمر معنى كبيراً في زمن التنصّل من فلسطين، وفي زمن افتضح فيه أمر الطوائف اللبنانيّة: أنها ما كانت تستعين بالثورة الفلسطينيّة إلا لأغراضها ومصالحها الطائفية الصغيرة. حركة «أمل» تلقّت سلاحاً وتدريباً من المقاومة الفلسطينية في بداياتها، ثم عادت ومارست التدريب الفعلي والقتل الفعلي ضد المخيّمات الفلسطينية في لبنان. هذا هو عهد الطوائف المسلحة في لبنان. الأخوة عبدالله لا ينتمون إلى الطوائف في لبنان. هؤلاء من خارج الزمن والتقويم الطائفي. هؤلاء لا «حصّة» لهم ولهذا تبقى قضية جورج عبدالله المنسية والمغيّبة.

■ ■ ■


قد يكون هو التقى جورج عبدالله عندما كان فتى، يقول لنفسه، لكنه ليس متأكداً. بعض الصور القديمة تشحذ ذاكرته ويتأكد أحياناً أنه كان يراه في تلك المكاتب الحزبيّة الثوريّة بين الطريق الجديدة والمخيّمات الفلسطينيّة خصوصاً في برج البراجنة وشاتيلا. حتما كان يرى أخا جورج، جوزيف إبراهيم عبدالله. كان يلتقيه في المكتب الحزبي الصغير ويلتقيه في شارع الحمراء عندما كان الأخير يهمّ بركوب سيّارة الفولفو القديمة، أو كان يقودها وتعابير وجهه الصارمة وراء المقود. كان يسرّه أن هذا الشخص الذي تبدو على محيّاه الصرامة والثورية والجدية هو رفيق له. لكنه لم يجرؤ يوماً على تحيّته. ضرورات العمل الحزبي. وهو قد شاهد رفيقاً آخر تعرّض للتقريع لأنه كان لا يستطيع إلا مبادلة التحية عندما كان يلتقي رفيقاً له خارج نطاق العمل الحزبي في الشارع أو الدكان. لكن ضرورات العمل الحزبي السرّي كانت مضحكة أحياناً: يذكر في مخيّم تدريب كيف هرع رفيق وهو يصيح: من هو عبدالله...؟ إن عمّتك تسلّم عليك وبالها مشغول. شتم الرفيق العمل السرّي ومسرحياته يومها.
عندما كان يرى جوزف عبدالله، كان يشعر بصغر حجمه النضالي. كان يشعر أن ذاك المناضل هو الحقيقي الذي لا يلين. لم يره يبتسم مرّة واحدة، لكنه كان واثقاً أنه لم يكن من جماعة «البوزات الثورية» المنتشرين في المقاهي والمكاتب الحزبية (وأكثر هؤلاء «تحوّلوا» لمجرّد أن خرجت قوّات المقاومة في لبنان). كان يبدو أنه منهمك دوماً بأعمال نضالية سرية كبيرة، وهو لا يزال يحتفظ بكرّاس ــ اندثر زمن الكراريس الجميلة ــ يحمل اسمه الحركي.
عرف شقيقاً آخر من الأشقاء عبدالله في مخيّمات التدريب جنوب لبنان. كانت دورة مكثّفة وطويلة، غير تلك الدورات السريعة التي كانت تُعد لأبناء المدارس النخبوية وبناتها. كانت معسكرات التدريب آنذاك تعجّ بمتطوعين عرب (وبعض الأجانب، وبعضهم كان مشبوهاً حتماً) من كل الدول العربية ومن المنفى أيضاً. كان زمناً آخر، غير الزمن الذي يتقاطر فيه المتطوّعون بالأجرة إلى مضارب النفط والغاز لتقديم الطاعة والولاء. ذلك كان زمناً لا يدري به من تعوّد على الزمن الحريري والفتن المذهبيّة الصاعدة. الشقيق الآخر، «إ.»، كان يدرس الهندسة في بلغاريا وعاد في عطلة الصيف، عبر حثّ من جورج وجوزيف ومن الحمية الثورية العائلية، كي يُكمل تلك الدورة ويقوم بالمهام النضاليّة. سمع باسمه في الثمانينيات عندما اتهمته الحكومة الفرنسية بشتّى التهم، وكادت أن تحمّله مسؤولية الاحتلال النازي لفرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية. عاد إ. بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1978 عندما ساد شعور بضرورة الإعداد العسكري الجيّد (والذي كان يحاربه ياسر عرفات الذي لم تكن الثورة عنده إلا ورقة تفاوضيّة، فلا هو أجاد الثورة ولا هو أجاد الديبلوماسية، كما حكم عليه ذات مرّة زبغنيو برجنسكي). كان الطلاب العرب يأتون من البحرين والكويت وتونس ومن سائر الدول الأوروبية للتدرّب في مخيمات الثورة الفلسطينية. كانت دورة مرهقة وشابتها خلافات كادت أن تصل إلى مرحلة الاشتباك المُسلّح، وانقسم الأعضاء فريقيْن، وكان هو والشقيق من عائلة عبدالله في فريق واحد ينبذ الطائفية والشللية والصبيانية التي حكمت أداء المدرّب اللبناني. وصلت القضيّة إلى القيادة في بيروت وانتدبت «الرفيق لطفي»، وهو واحد من أنبل المناضلين في رحم الثورة. كان «لطفي» هذا يجلس تحت الشمس ويجعلك تدرك أنه سئم الانتظار لبدء معركة تحرير فلسطين.
عرفه بالاسم الحركي فقط، لكن صداقة نمت واعترف له باسمه وتحدّث عن عائلته من دون زهو ثوري ومن دون الاستعانة بوساطة شقيقيْن له منغمسيْن في نضال كبير. يذكر أن بعض الرفاق اشتبه به في البداية لأن لـ«إ.» ملامح أوروبيّة. الحريصون على السرية الثورية تحادثوا في ما بينهم: ماذا يفعل هذا الأوروبي بيننا، وأي جهاز استخبارات أرسله، قبل أن يعلمه أنه واحد من العائلة الثورية كان معروفاً من قبل المتمرّسين في النضال على المستوى القيادي. ثم هذه اللهجة العكارية الثقيلة ليست أوروبية إطلاقاً. مرّ الكثير من الأحداث في ذلك الصيف. يذكر في ما يذكر ذلك الرفيق الصادق من بعلبك الذي كان يطلب منه إعطاءه نماذج من اللهجة البعلبكية، خصوصاً كلمة «جورد» (أو جرْد)، كما يذكر رفيقاً آخر قامت القيامة عليه لأنه ضُبط هو ورفاقه المتزمّتون يستمعون إلى ترتيل قرآني. طالبوا بإخراجه الفوري من المعسكر، وصاحوا في وجهه باستشهادات من ماركس ولينين. لكن ما يذكره عن الرفيق إ. أنه كان مثل شقيقيْه: ذروة في التفاني والإخلاص والصدق والابتعاد عن الزهو الثوري، بالإضافة إلى شراهة في التدخين.
قضيّة جورج إبراهيم عبدالله لا علاقة لها بالقانون. إسرائيل وأميركا تريدان الانتقام على الطريقة القبليّة القديمة للاقتصاص من كل من رفع صوتاً أو سلاحاً يوماً ضد الصهاينة. لهذا ترحّل كندا رجلاً فلسطينياً وهو جَدّ فقط، كي تلبّي رغبات إسرائيل في الانتقام التاريخي. على عكس العرب، أو بعضهم، ترحّب حكومات العرب بمجرمي الحرب الإسرائيليّين بعد أشهر فقط، أو أسابيع في السرّ، من ارتكابهم لجرائم الحرب. نتنياهو تناول الفطور مع حسني مبارك بعد مجازر ضد العرب، الواحدة ضد الأخرى. وحكومة «حماس» ترحّب ولكن سرّاً بمجرمي الحرب الإسرائيليّين: هذا هو الجهاد المقيت الذي سمعنا عنه لعقود في الخطاب الإسلامي لكنه يُختزل اليوم بعبارة «ضرورة احترام الاتفاقات الدولية» ــ مع العدوّ الإسرائيلي.
لا تريد إسرائيل وأميركا أن يعود جورج إبراهيم عبدالله إلى وطنه وأرضه. تعرفان أن هذا الرجل من صنف آخر: ليس من هؤلاء الذين ينبذون ماضيهم وتاريخهم. ليس من طراز أحمد قعبور الذي ــ في حديث لموقع «مدن الملح والغاز» ــ ينفي أن تكون أنشودة «أناديكم» عن فلسطين، وكأن الشاعر، توفيق زياد، كتبها عن نضال آل سعود وآل الحريري. تعلم أميركا وإسرائيل أن جورج إبراهيم عبدالله ليس من صنف مثقّفي الليبرالية وبعض اليسارية المتشتتي الذهن، الذين يغيّرون العقائد والسياسات بناء على اتجاهات الوسيلة الإعلاميّة التي يكتبون فيها. لا، جورج إبراهيم عبدالله ليس من هؤلاء.
وجورج عبدالله لم يكن من الذين يعرّضون حياة المدنيّين للخطر. لم يكن مثل هؤلاء الذين يضعون العبوات في أماكن مكتظّة بالآهلين ــ مثل الصهاينة ومثل حلفاء الصهاينة في الضفة وغزة من الذين تلقّوا الصفح الإسرائيلي مكافأة لهم على خدماتهم الأمنيّة وجهودهم في خدمة العدوّ بأي طريقة كانت. جورج عبدالله كان من مدرسة وديع حدّاد الذي استهدف العدوّ «في كل مكان»، ومن دون أن يقصد استهداف أي مدني قطّ. ليس من مدرسة جهاد السيّارات المفخّخة أو من مدرسة اغتيال ياسر عرفات لناجي العلي. لم تكن تلك مدرسة جورج عبدالله.
الزمن تغيّر والمقاييس تغيّرت والمعايير عُكست. لكن الأخوة عبدالله لم يتغيّروا. الثلث المعطّل لا يعنيهم، ولا يعنيهم القانون الانتخابي. بالمعيار الانتخابي هؤلاء ينتمون إلى الزمن الخشبي الجميل، لكن حكم هؤلاء لا يعنيهم: الزمن الجميل عند هؤلاء هو الزمن الخشبي الثوري وليس زمن كميل شمعون وسليمان فرنجية ومؤامراتهما ضد عبد الناصر وضد الثورة الفلسطينيّة في لبنان. في الزمن الخشبي كان ولا يزال تحرير فلسطين هو الشغل الشاغل. بعض رفاق عبدالله تغيّروا كثيراً. لا أريد لـ«إ» عبدالله أن يعلم أن بعض من كان معه في الخيمة نفسها بالمعسكر التدريبي تغيّر كثيراً وبات من مؤيّدي رونالد ريغان ويباهي بحبّه للرأسماليّة وهو ينحني إذا ظهر شيخ إماراتي على شاشة التلفزيون. لا أريد أن أشوّه مخيّلة «إ.» الثوريّة. لكن الأخوة عبدالله ثبتوا. كل من مرّ في تجربة الثورة الفلسطينيّة في لبنان مدين للأخوة عبدالله: هم ثبتوا ولم يتغيّروا ولم يقصّروا ولم يتباطأوا. هم الكبار، ونحن ــ الذين ثبتوا والذين تراجعوا ــ صغار، صغار. نحن نصغر في كل يوم يقبع فيه جورج عبدالله في سجنه، والأخوة عبدالله يكبرون، في الأسر وخارجه.
* كاتب عربي
(موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)