خبر تتناقله منظمات حقوق الإنسان في الغرب يقول: «كل النساء وكثير من الأطفال وحتى بعض الرجال، ومعظمهم من سورية، القادمين إلى أوروبا عبر اليونان ومقدونيا وكرواتيا والمجر وغيرها، تعرضوا للتحرش الجنسي الجسدي في معسكرات الإيواء... وأكثر من عشرة آلاف طفل من عوائل اللاجئين اختفوا في طريق الفرار من جحيم حروب الإرهاب».

النساء، أخبرن مندوبي منظمات حقوق الإنسان، أنهن أجبرن على النوم في خيام مشتركة مع الرجال، وأجبرن على استعمال المراحيض المشتركة مع الرجال، والاستحمام في حمامات مشتركة مع الرجال. إضافة إلى ذلك، أجبرن على خلع ملابسهن، للاستحمام، تحت أعين الحراس المتلصصة في مراكز الإيواء وإداراتها.
لكن في لحظة نادرة من قول الحقيقة، علق أحد مذيعي التلفزيون الألماني الرسمي على استمرار تدفق طالبي اللجوء من سورية إلى ألمانيا بالقول: بإمكان دول الخليج الثرية الاستمرار في دعم المسلحين والإرهابيين حيث إنها أغلقت حدودها أمام اللاجئين الذين تسببت هي في مآسيهم.
هنا نسأل المرة تلو الأخرى: ما سبب إغلاق قادة دول الخليج الفارسي أبوابها أمام الفارين من الجحيم في سورية.
عندما بدأت دول الخليج بالاستقلال، أو ما شبه لنا أنه استقلال، سُرّت كل الشعوب التي عانت الاحتلال الغربي المتوحش، لكن أكثرها فرحاً كان أهل الشام، كما العرب جميعاً، لحرية أشقائهم، ورأوا فيهم داعماً لقضاياهم القومية المشتركة وسوراً أمام نظام الشاهنشاه، نصبه الغرب الاستعماري، دمية يحركها كما يشاء، على تلال من جثامين شعب إيران المظلوم وقائده الكبير محمد مصدق.
أهل الشام، من سورية وفلسطين ولبنان، لكن ليسوا هم فقط، حملوا متاعهم تحت همومهم القومية والوطنية، تاركين عوائلهم وممتلكاتهم وأهلهم وأحبائهم وأوطانهم الخضراء، إلى تلك البقاع الصحراوية، البعيدة والفقيرة. سلاحهم كان العِلم والفكر القومي العربي الحداثي، المؤمن بالتقدم ومحاربة الرجعية والاستعمار وأداتها الصهيونية.
لم يعبأوا بحقيقة فقر دول الخليج المادي في تلك الأيام، ولم يكونوا يبحثون عن ثروات. فالثروة الحقيقية هي الشعوب المتحضرة المتسلحة بالعلم والعمل، وأن لا حياة لبشر من دونهما. همهم الوحيد كان مساعدة أخوتهم في العروبة!
دول الخليج كانت برية قافرة، لا تؤمها مخلوقات، سوى الجمال والبعير والقمل والأفاعي السامة والعقارب والجراد.
لم يكن فيها أي عمران، وكل ما عرفه أهل تلك البلاد مضارب أعراب وبعض البيوت الطينية. لم يكن فيها نفط ولا أبراج ولا ولا ولا. بل كانت تفتقر آنذاك إلى أسس المدنية والمقومات المادية للحياة العصرية التي كان أهلنا يتمتعون بكثير منها في أوطانهم.
أهلنا كانوا يعرفون ذلك ولم يكترثوا لأنهم عدوا مهمتهم قدسية تنويرية حضارية لأخوة لهم في الدم والانتماء والثقافة والتاريخ.
أهلنا ما كانوا يظنون أن حكام تلك الشعوب التي ساعدوها في المشي عندما كانت لا تزال تحبو، يعبدون جزارهم، وأن عليهم ينطبق القول: الضحية تعبد جزارها.
فعندما انفجرت أسعار النفط، أولاً وقبل كل شيء بفضل تضحيات أهل مصر والشام والعراق في مقارعة العدو الصهيوني، واستحالت مشيخات الصحراء الفقيرة تملك المليارات، انكشفت الحقيقة. حكام الأعراب ما عادوا يريدون دخول العرب أراضي دولهم حيث رأوا فيهم تهديداً لتسيد رجعيتهم وتخلفهم، لكنهم فتحوا أبوابها لكل من هو ليس بعربي، فاستحالت شعوبها أقلية مهملة في أوطانها، لا تكاد تتقن عملاً ولا تعرف علماً.
حكام الخليج بيّنوا أن عروبتهم زائفة، أنها عروبة الأعراب التي لا تعرف سوى الغزو والنهب، فـ"أثروها" بأسلوب حياة احتكروه عالمياً، هو العبودية الخليجية العصر ــ حجرية، المسماة "الكفيل" المفروض على العرب. فصحّ القول فيهم: فيا عجباً لمن ربيت طفلاً
ألقمه بأطراف البنان
جزاه الله من ولد جزاء
سليمة إنه شراً جزاني
أعلمه الرماية كل يوم
فلما اشتد ساعده رماني.
العروبة هي عروبة الشام، التي أثرتها الناصرية، العروبة التقدمية، عروبة المدنية. عروبة تنطلق من ورثة حضارات تعود بجذورها إلى عشرات القرون. حضارات سومر وبابل وإيبلا وماري وتدمر وصور وصيدا ودمشق وبُصرى وحلب وأوغاريت ومادبا والكرك والبتراء، والقائمة تطول وتطول وتطول.
أهلنا الذين ساهموا في بناء دول الخليج وتعليم أهله كل ما وجب تعلمه، انطلقوا من الفكر القومي التقدمي التحرري الذي تصدى لمشاريع الاستعمار كافة من مشروع آيزنهاور وحلف بغداد وحلف السنتو وغيرها.
لكن الحكام الأعراب مدعي العروبة، يرسلون جيوشهم ومن ابتاعوا من مرتزقة العالم ليدمروا اليمن وليبيا وسورية والعراق. المليارات ينفقونها على تدمير الإنسان وليس للاستثمار في بنائه. تراهم يبعثرون أموال شعوبهم وثرواتها في تسول حماية المستعمر، ولاستئجار النفوس الضعيفة، جوقات تطبيل وتزمير. نحن في غنى عن البترودولار المغمس بدماء شعوب أمتنا.
وجزركم المحتلة! إنها لا تبعد سوى أمتار قليلة عن شواطئ دولكم الكاريكاتورية، أم أن سور "المحتل العجمي المجوسي من عبدة النار، الرافضي الكافر" أعلى من أن تتمكنوا من تسلقه!