هناك خَبَران يجب أن يعرفهما كلّ مواطن لبناني في ما يتعلّق بالمالية العامة: الخبر الجيّد هو أنّ الميزانية تحقّق فائضاً أوّلياً، بمعنى أنّ الضرائب التي تقتطعها الدولة من مواطنيها ومن الاقتصاد – وهي وصلت إلى ما يقارب العشرة مليارات دولار عام 2011 – تكفي لتسديد كامل النفقات التشغيلية للدولة، ورواتب موظفيها، إضافة إلى الانفاق الاستثماري الهزيل، إلخ... بل وإنّ فائضاً أولياً يتحقّق، وهو قارب الملياري دولار عام 2011! الخبر السيّئ هو أنّ هذا الفائض يتبخّر، بل ويستحيل إلى عجز يفوق الثلاثة مليارات دولار، تُضاف سنوياً إلى مديونيتنا، ما أن نُدخل في الحساب خدمة الدين العام، وهي كلفةٌ تزيد على الأربعة مليارات دولار، أي بمعدّل ألف دولار سنوياً لكلّ مواطن.


لو شئنا أن نترجم هذه الأرقام على نحو ملموس، يمكننا القول بأنّ على كلّ عائلة لبنانية – في المعدّل – أن تدفع ما يقارب الخمسمئة دولار شهرياً، ضرائب للدولة، فقط حتّى ندفع الفوائد على الديون التي راكمتها حكوماتنا خلال العقدين الماضيين. هذا العبء الثقيل يجري تمويله على نحو أساسي، كمعظم مصادر الخزينة، لا من ضريبة الدخل التصاعدية، ولا من الموارد الطبيعية التي لا نملكها، بل من الضرائب غير المباشرة التي تصيب كلّ المواطنين: استيراد المحروقات والسيارات، الخلوي والانترنت (وفاتورة الخلوي والانترنت في لبنان – كفاتورة الوقود - جلّها ضريبة لخزينة الدولة، وليست بدلاً عن خدمة رأسمالية)، والرسوم والمكوس المختلفة التي تفرض على الاستيراد والمعاملات. تُضاف إلى هذه الأكلاف المباشرة الكلفة غير المباشرة التي تحمّلها الدولة للمواطن اللبناني بسبب عجزها عن (أو رفضها) تلبية الحاجات الأساسية للمجتمع، من الخدمات الاجتماعية، إلى تأمين الكهرباء والنقل العام، إلى التعليم اللائق، إلخ...
أنا أحاجج هنا بأنّ هذا المثلّث الاستغلالي - الّذي أنشئ في التسعينيات وتضخّم حتى خرج عن السيطرة – والمكوّن من النظام الضريبي والمصارف ودافع الضرائب، والقائم على استخراج القيمة من الاقتصاد وتحويلها، على نحو أساسي، إلى المصارف اللبنانية عبر وساطة الدولة، لم يعد قابلاً للاستمرار، وهو صار سلسلةً ثقيلة تكبّل أعناقنا جميعاً، وتدفع بلادناً دفعاً صوب الانفجار المحتوم.

في جذر المأزق

إنّ الانجاز الأساسي لفؤاد السنيورة، والدور التاريخي الذي أدّاه في الاقتصاد اللبناني، تمثّلا في نجاحه بتحويل الدولة اللبنانية إلى أداة «استخراجية» فعالة. بمعنى أنّ «الحصّة» التي تقتطعها الدولة من الاقتصاد اللبناني قد ارتفعت ارتفاعاً دراماتيكياً منذ أواسط التسعينيات، حين استلم رفيق الحريري إدارة الاقتصاد، إلى اليوم - حتى وصلت إلى ما يقارب ربع الناتج العام للبلد، وهي نسبةٌ هائلة بالنسبة إلى بلد من العالم الثالث لا يملك موارد طبيعية، ومخيفة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن أكثر هذه العائدات لا تتأتى من ضرائب تصاعدية أو من أرباح الشركات.
هذا التوسّع في القدرة الاستخراجية للدولة (أي، بمعنى آخر، الزيادة المستمرة للضرائب وللرسوم، التي خلّفت للسنيورة ذكرى عميقة لن تزول لدى الفئات الشعبية في لبنان) كان ضرورياً من أجل التوسّع في الاقتراض، بغية تمويل الانفاق الجنوني خلال التسعينيات. رفيق الحريري، بالطبع، لم يخترع الفساد في لبنان، لكنّه، عبر التوسّع غير المحسوب في الانفاق، أعطى بطانته وحلفاءه في الطبقة السياسية امكانات وقنوات وموارد للفساد لم يكن يحلم بمثلها «السلطان» سليم الخوري أو كامل الأسعد، أو حتى أمين الجميّل – حين كانت ميزانية الدولة بكاملها تقلّ عن ثمانية بالمئة من الدخل القومي.
من هنا، بالتحديد، يمكننا أن نبدأ بالتأريخ للمأزق الذي وقعنا فيه، وللانقلاب الراديكالي في شكل الدولة اللبنانية ودورها في الاقتصاد، من دولة ميشال شيحا الليبرالية (فعلاً) وغير التدخلية، التي تترك المواطن الفقير في فقره، إلى دولة فؤاد السنيورة التي لا تكتفي بترك المواطن في حاله، بل تمدّ يدها إلى جيبه وتنازعه في رزقه وفي لقمة عياله. المسألة لا تحتاج إلى شرحٍ كثير حتّى نفهم أن النظام الحالي غير قابل للاستمرار، ولا يحقّ له أصلاً أن يستمرّ. وإن كان منكم من لا يمشي في الشوارع ولا يستمع إلى كلام الناس، فليفهم الوضع على النحو التالي:
لبنان اليوم جنّة للأثرياء وجحيمٌ لا يُحتمل لغيرهم. من كان دخله محدوداً، سائق سيارة أجرة مثلاً لا يزيد دخله الشهري على ألف دولار، فهو يدفع – بين كلفة الوقود والهاتف والكهرباء وجمرك السيارة – أكثر من أربعين بالمئة من دخله، جلّها خوّة تفرضها الدولة عليه حتى تموّل الدين المتراكم، وهي لا تقدّم إليه، في المقابل، شيئاً. أما من كان دخله مرتفعاً، فلنقل عشرة آلاف دولار في الشهر، فانّ كلّ هذه الرسوم والضرائب لن تمثّل سوى نسبة زهيدة من راتبه، وهو شبه معفى من ضريبة الدخل الهزيلة وباقي الضرائب الرأسمالية. هو بهذا المعنى، على عكس الموظّف الكادح، يأخذ من البلد أكثر بكثير مما يُعطيه.
لهذا السبب بالذات فإنّ لبنان جنّة للأثرياء: الطقس جميل والطعام لذيذ والضرائب مضحكة، وأنت، إن كنت ثرياً في لبنان، فإنّ المال تتبعه السلطة والعلاقات، وستشعر بسرعة بأنّك تملك المكان، حتّى القانون لن يكون موجوداً بالنسبة إليك - إلّا حين يكون في خدمتك. حتّى تكتمل المعادلة، ومع وجود نظام السرية المصرفية، فإنّ الكثير من المداخيل والأرباح لا تبلّغ أصلاً إلى وزارة المال، ومن شبه المستحيل أن تعرف بها الدولة، فلا يدفع الضريبة عليها إلّا من كان شديد النزاهة أو شديد الغباوة (واللبنانيون – وخاصة الأثرياء منهم - غير معروفين بالغباوة، وسمعتهم في مجال النزاهة قديمة ومستحقّة).
المصيبة الحقيقية لم تكن فقط في الاستدانة غير المحسوبة التي جرت في التسعينيات، بل في الوسائل التي استُعمل (اقرأ: أُهدر) من أجلها كلّ هذا المال. لا يتوافر في لبنان اليوم، بعد كل المشاريع الاعمارية وعشرات المليارات التي صُرفت، قطاعٌ واحد منتجٌ وتنافسيّ وقادرٌ على التصدير والنمو وخلق القيمة والوظائف. هذا هو العار الحقيقي على التجربة الاقتصادية الحريرية، وليس فقط الهدر والافلاس، وعدم اكتمال الاعمار في أي من القطاعات الأساسية بعد أكثر من عشرين سنة على انتهاء الحرب.
على سبيل المثال، يستسهل الكثيرون اليوم انتقاد إدارة قطاع الطاقة في لبنان والسخرية من جبران باسيل وسياساته وتصريحاته، لكن لا أحد، لا أحد، يرفع صوته في خضمّ هذا النقاش الحيوي ليتساءل عن العبقري الذي قرّر، في أواسط التسعينيات، أن نصرف مئات ملايين الدولارات التي لا نملكها حتّى نبني معامل كهرباء تشغّل على الغاز الطبيعي في لبنان! أيّ مجنون يبني معامل تعمل على الدورة المدمجة، من أحدث (وأغلى) ما خرجت به التكنولوجيا، في بلد لا يملك غازاً، ولا امداداً مضموناً للغاز، ولا حتى شبكة لنقل الغاز في أراضيه؟ (تخيّلوا أنّهم اعتمدوا على وجود «اتفاقية» مع مصر لتوريد الغاز المصري بحلول أواخر التسعينيات، من نوع المعاهدات العربية التي توقّع خمسين مرّة ولا تنفّذ مرّة واحدة، وبناءً على هذه «الضمانات» رهنوا مستقبلنا الطاقوي في لبنان).
الحلّ لقطاع الكهرباء، حينذاك، لم يكن يحتاج إلى علماء ذرّة ولا إلى سحرة: كان علينا، ببساطة، أن نبني معامل توليد تشتغل على الفحم الحجري، وهي رخيصة وتُبنى بسرعة ووقودها مضمون وزهيد الثمن. كنّا تمكّنا، خلال سنوات قليلة، من تأمين قدرة انتاج أساسية تكفي حاجة البلد، وبكلفة تنافسيّة تسمح لمؤسسة كهرباء لبنان بالخروج من الخسارة، ونحن، بصراحة، لسنا اسبانيا حتى نشتري الغاز المسال (الباهظ الثمن) رفقاً بالبيئة. في هذه الحالة، كما في غيرها، يمكن قول الكثير عن أنّ الملياردير ليس بالضرورة صالحاً لإدارة اقتصاد، وأنّ خبرة الأعمال التي يحوزها الانسان في الدول النفطية الريعية (حيث دور الدولة في الاقتصاد توزيعي، لا استخراجي) مختلفة تماماً عن المعرفة التي تحتاج إليها حتى تبني اقتصاداً منتجاً ولديه قدرة ذاتية على النموّ وخلق القيمة.

الدين العام والدين الخاص

إن حالتنا في لبنان اليوم ليست فريدة، هناك العديد من الدول التي وجدت نفسها، في القرن العشرين وفي قرون سابقة، مكبّلة بسلاسل من الديون تستنزف اقتصادها الوطني وتهدّد سلمها الاجتماعي. في حالات كهذه، وجدت العديد من الحكومات أن لا مفرّ من اعلان الافلاس والتوقف عن الدفع أو، أقلّه، مفاوضة الدائنين وإعادة النظر في آليات السداد. خلال الثمانينيات، أدركت الدولة التركية أن أكبر الأقطاب الرأسمالية التقليدية في تركيا (كعائلات «كوتش» و«سيبانجي» وغيرها) قد تخلّت عن الاستثمار الصناعي والتجاري، وتحوّلت عمليّاً الى مصارف تسلّف الدولة وتستفيد من العائدات المضمونة، ولو على حساب كساد الاقتصاد واستنزاف الخزينة (أي كوضع لبنان تماماً في التسعينيات).
الديون كادت أيضاً أن تخنق المكسيك في الثمانينيات، والأرجنتين في أواخر التسعينيات. هذه الدول قرّرت أن تمارس إحدى آخر الصلاحيات الباقية للسيادة الوطنية في عصرنا، وأن تقول للبنوك العالمية إنها لن تضع التزاماتها المالية فوق احتياجات شعبها وسلمها الاجتماعي.
بالطّبع، لا شيء من هذا سيحصل في لبنان، والسبب مزدوج: من ناحية، لأنّ المصارف التي كانت تستغلّ المواطن في الأرجنتين والمكسيك وتايلاند كانت أجنبية، فيما الفقير اللبناني تستغلّه المصارف الوطنية. ومن ناحية أخرى، فإنّ المصارف لا تحكم البلد فحسب، وتملك نفوذاً لا يمكن تخيّله، لا يهزّه تغيّر الحكومات والأحلاف السياسية، بل إنّ المصارف، بمعنى من المعاني، هي التي خلقت بلدنا، وميشال شيحا ورفاقه من مالكي المصارف هم – فعلياً – الآباء المؤسسون لوطننا ولنظامنا الاقتصادي.
هناك دولٌ، كالأرجنتين وروسيا والمكسيك، تحسّن وضعها الاقتصادي بعدما شهرت الافلاس ودخلت، بعدما استراحت من عبء الديون، في مرحلة من النموّ والاتزان المالي (وهناك دولٌ أخرى، كالاكوادور، لم تكن تجربتها إيجابية). هذا، نكرّر، لن يحصل في لبنان، والتهويل سيكون صاخباً بأن المصارف ستنهار، والعملة ستصير برخص ورقها، وسيختفي لبنان الذي نعرفه في البحر، إذا تجرّأنا على الاقتراب من المصارف. بالطبع، الواقع مختلفٌ عن التهويل، ومن الممكن إدارة عملية الافلاس بذكاء وتخطيط، قبل سنوات من حصولها، والتحكّم في توزيع الأضرار، ونقل جزء أكبر من الدّين إلى مؤسسات أجنبية، ورفع ضمان الوديعة المصرفية لضمان حقوق المودعين الصغار، إلخ... في الحقيقة فإنّ لبنان، حيث الميزانية العامّة تحقّق فائضاً أولياً، وحيث لا حاجة إلى الاستدانة أصلاً إلا بسبب خدمة الدين، «مرشّح مثالي» لفكرة التوقّف عن الدفع. الافلاس سيمكّننا من خفض الضرائب التي تخنق الفئات الشعبية في البلد، أو يمكن استعمال فائض الموازنة لتقديم خدمات اجتماعية وانشاء مشاريع تنموية تخلق لنا شيئاً يشبه اقتصاداً حقيقياً، يؤمن على الأقل مكاناً لأبنائه ولا يلفظهم خارجه.
وحتّى إذا «وقع المقدّر»، وجرى السيناريو الأسوأ الذي يهددوننا به، وانهارت المصارف، وضاعت ودائع المودعين وذهبت معها الديون العامة والخاصة على الدولة والمواطنين. إذا حصلت المصيبة وطارت الحسابات التي، كما يذكّرنا محمد زبيب، تتركّز نصف قيمتها في يد 0.8% من المودعين، مقابل 2.6% من الودائع هي حصّة 70% من المودعين اللبنانيين، فستكون تلك أنبل وأعدل عمليّة لإعادة توزيع الدخل تحصل في الاقليم اللبناني منذ أيّام احيرام.

خاتمة

هناك لازمة كثيراً ما تتكرّر في لبنان، ويردّدها حتّى أفراد النخبة السياسية في أحاديثهم الخاصّة، مفادها أنّ البلد «ميؤوس منه» اقتصادياً، وأنّه لن يستقيم ويفرز اقتصاداً منتجاً مهما فعلنا لأنّه «لا يملك مقوّمات»، أو لأن شعبه «غير صالح»، وغيرها من الحجج التبريرية. لا بأس إذاً من بعض الفساد ومن غياب الخطط وانعدام التنمية. والأفضل للمرء أن يجد لنفسه موقعاً فردياً، مناسباً، مربحاً، وسط هذه المنظومة الفاسدة، إذ لا أمل بالخلاص الجماعي.
هذا الصنف من المنطق التبريري لا يمكن أن يكون أبعد عن الحقيقة. أكثر ما يؤلم في المأساة اللبنانية هو أنّ البلد، لو أنّه أدير بحكمة ونزاهة منذ انتهاء الحرب الأهليّة، لكانت لديه كلّ المقوّمات حتى يؤسّس اقتصاداً ناجحاً ومزدهراً.
يمكننا بسهولة أن نتخيّل حاضراً بديلاً يجد فيه الشابّ اللبناني، بعد أن ينهي تعليمه، عملاً مجزياً ومرضياً، وأن يتمكّن من بناء مستقبله باطمئنان، بدلاً من أن نجد أنفسنا في مجتمع مشوّه، يطرد أبناءه ويعيش أغلب شبابه خارجه. الفشل والعجز الاقتصاديّ ليسا «قدراً» للبنان، والهجرة الكثيفة ليست «تراثاً» ولا هي تنبع من حبّ اللبناني للمغامرة والسّفر، وليس من الطبيعي أن يشيخ الآباء ويموتون وحدهم، فيما أولادهم مشتّتين في أرجاء العالم. الشعب كلّه يعرف من وضعنا في هذه الحالة، ومن يريد منّا أن نعتادها، هم من أفسدوا علينا وطننا الجميل، جازاهم الله بما يستحقّون.
* كاتب عربي