وهل تسأل القوات عن موقفها؟ المكان قصر بعبدا٬ الكلام للدكتور سمير جعجع بعيد اجتماعه مع دولة العماد ميشال عون٬ وذلك رداً على سؤال صحافي عن موقفه من اتفاق الطائف. ومن ثم كان ما كان مما يعرفه كل اللبنانيين من تأييد ودعم لا متناهٍ لهذا الاتفاق٬ وصولاً إلى المشاركة العسكرية في إزاحة العماد عون، الذي كان يقف مع الأكثرية الساحقة من المسيحيين حائلاً دون تحقيقه. يومها كانت القوات بحاجة إلى دعم وغطاء مسيحيين٬ أمّنهما لها ما كان يعرف بتجمع النواب الموارنة المستقلين من جهة٬ ومن جهة ثانية موقف بكركي المتمثل في نيافة البطريرك صفير آنذاك٬ الذي جعل من ضرورة إزاحة عون شغله الشاغل وهمه الأول.

ما أشبه اليوم بالأمس٬ فبالرغم من موقف بكركي ومعظم القيادات المسيحية من التيار الوطني الحر والمردة وحزب الكتائب الداعمة للقانون الأرثوذكسي٬ الذي من شأنه تأمين عدالة التمثيل وتحقيق المناصفة الفعلية داخل الندوة النيابية٬ وحده جعجع وقف ضده خارقاً إجماعاً مسيحياً نادراً، ومتنصلاً من وعد قطعه لا لسيد بكركي فحسب إنما لكل الشخصيات وممثلي الأحزاب والتيارات المسيحية، التي اتصلت به أو قامت بزيارته. موقف غريب ينبغي التوقف عنده ملياً ودراسته بعناية لتبيان الأسباب الكامنة وراءه٬ والدوافع الحقيقية التي أملت عليه ذلك، والتي جعلت منه حصان طروادة للنفاذ إلى القلب المسيحي والانقلاب على كل تعهداته٬ ضارباً عرض الحائط بمصلحة المسيحيين ومطالبهم التي كانت على بعد قوسين أو أدنى من التحقّق. وقبل الإجابة عن هذا السؤال ينبغي لنا قراءة القانون الأرثوذكسي - موضع الجدل - ٬ والتمعن فيه وذلك بغية معرفة ملاءمته أو عدمها لتوجهات القوات وطروحاتها ومصلحتها.
من البديهي القول إنّ القانون الأرثوذكسي في حال تطبيقه٬ يؤمن عدالة التمثيل للمسيحيين كل المسيحيين٬ ويؤمن لهم الإتيان بكل ممثليهم بأصواتهم وحدهم٬ وذلك دون منة من أحد. هذا على الصعيد الوطني، أما على صعيد الطوائف المسيحية٬ فإن من شأن تطبيق هذا القانون إلغاء أحادية التمثيل٬ فالنسبية تسمح بتمثيل كل فريق أو حزب أو تيار كل حسب حجمه الشعبي. وهكذا فإن الترجمة العملية في أقضية جبيل وكسروان والمتن على سبيل المثال تعني تقاسم المقاعد النيابية بين التيار الوطني الحر والأحزاب المسيحية الأخرى المنضوية في تجمع 14 آذار أو المستقلين٬ وهذا من شأنه كسر حصرية العماد عون وبالتالي زيادة عدد نواب القوات والكتائب وحلفائهما. وهكذا نرى أن هنالك مصلحة للمسيحيين ومصلحة للقوات في تطبيق هذا القانون٬ فكيف يرفض الدكتور جعجع قانوناً انتخابياً يلبي طموحات القوات ويؤمن مصلحتها ويجعلها قوة برلمانية مهمة لها كلمتها ووزنها٬ بغض النظر عن تحالفاتها النيابية أو السياسية. أوَليس من الغباوة السياسية أن يتولّى شخص ضرب مصالحه الانتخابية والسياسية٬ وحرمان حزبه المشاركة في الدفاع عن حقوق المسيحيين، التي لطالما تغنى بحصرية الدفاع عنها٬ أوَليس هو القائل إن أمن المجتمع المسيحي فوق كل اعتبار؟ لكن سمير جعحع هو نفسه سمير جعجع٬ مهما يكن لقبه المهني أو السياسي أو الفلسفي٬ ومهما يكن الزمان والمكان اللذان يعيش فيهما، ومهما تكن الظروف السياسية المحلية أو الإقليمية التي يمر بها لبنان أو المنطقة. أهدافه هي هي، لا تتبدل ولا تتغير٬ إنه المتميز٬ المارد المتمرد كما كان يحب أن يسمي نفسه٬ إنه هو من يجرؤ حيث لا يجرؤ الآخرون٬ إنه بكل بساطة الشواذ الذي يكسر القاعدة.
منذ البدايات ومنذ عملية إهدن ومقتل الزعيم والقائد الوطني طوني سليمان بك فرنجية وعائلته٬ وحده سمير جعجع من بين كل المقاتلين والقادة العسكريين المسيحيين في حزب الكتائب، تبرع للقيام بهذه المهمة، التي أدت إلى إحداث شرخ بين أطياف المجتمع المسيحي٬ وجعلت من جسر المدفون وحاجز البربارة تحديداً، الذي كان يتولى الإشراف عليه شخصياً٬ نقطة الفصل بين مسيحيي الشمال ومسيحيي جبل لبنان٬ وكان الهدف آنذاك إرساء أحادية حكم مسيحية.
وفي عام 1982، وقبيل انتخابه رئيساً للجمهورية طلب الشيخ بشير الجميل - الذي كان قائداً للقوات اللبنانية في حينه - من سمير جعجع تفكيك حاجز البربارة، إذ إنه من غير المقبول أن ينتخب الجميل رئيساً للجمهورية وتبقى حواجز القوات وميليشياتها منتشرة على الأرض٬ وكانت المفاجأة، إذ إن الجواب كان الرفض. احتار الجميل من موقف جعجع الرافض، ولم يجد له تفسيراً منطقياً، أيعقل أن ينتخب قائد القوات اللبنانية رئيساً للجمهورية وتتحقق كل تطلعاتها٬ ويرفض قائد ميداني الانصياع لأوامر القيادة وذلك بغض النظر عن الأسباب والدوافع؟ ولم يستطع الرئيس الشهيد إقناعه إلا بعدما دعاه إلى مجمّع «الفور سيزن» في حالات، وأقام له حفلاً تكريمياً وأهداه جواز سفر إلى الولايات المتحدة لمتابعة دورة أركان. وإلى حرب الجبل در، ومآثره فيها وعدم الإصغاء إلى نصائح الرئيس كميل شمعون٬ فكان ما كان من حصار دير القمر وتهجير المسيحيين عام 1983.
وكرت السبحة وكرت المآثر المآسي٬ محاولات انقلابية داخل القوات اللبنانية ومحاولة فرض أحادية مسيحية داخل ما كان يعرف بالمناطق الشرقية٬ فهجر الرئيس أمين الجميل، وذبح أنصار إيلي حبيقة وجرى الاستيلاء على كل المرافق الحيوية التابعة لحزب الكتائب والقوات٬ وأنشىء ما سمي الصندوق الوطني٬ وراح الناس يئنون تحت وطأة الضرائب والخوات المفروضة عليهم من قبل هذا الأخير. وبينما كانت جموع المسيحيين تحج يومياً بعشرات الآلاف إلى بيت الشعب في بعبدا، معلنة تأييدها لمواقف العماد عون المنادية بالحرية والسيادة والاستقلال والرافضة لاتفاق الطائف٬ كان جعجع يقيم مع مجموعة من مقاتليه في المجلس الحربي ما سمي يوم المقاومة٬ حيث أعلن جملة واحدة مفادها نحن هنا٬ والأصح أنا هنا٬ استناداً إلى مقولة خالف تعرف. وتابع الحكيم مآثره التي بدأها في عمشيث باعتدائه على جنود وضباط الجيش اللبناني٬ ولم تنته هذه المآثر عند بلدة القليعات، بل أكملها وبالتعاون مع قوات الاحتلال بقصف المناطق الشرقية التي لم تكن خاضعة لسلطته. ومن غيره يجرؤ على نقض تعهداته عام 1989 ليصبح من أشرس المدافعين عن اتفاق الطائف. ومن ثم جرت تصفية داني شمعون وعائلته، التي أدين فيها جعجع ولم يثبت فيها براءته، بل استفاد من قانون العفو الذي صدر لاحقاً.
يتضح لنا وبدون أدنى شك أن هنالك خطاً بيانياً واضحاً طبع مسيرة حياة سمير جعجع من البدايات حتى يومنا هذا٬ وأن كل الأعمال التي قام بها أو التي كان يبغي القيام بها٬ لم تكن في أي يوم من الأيام منسجمة مع الأهداف المعلنة من قبله، التي رددها علناً، وفي أكثر من مناسبة. ولعل المفارقة اليوم أننا لسنا بحاجة إلى الانتظار طويلاً كما في السابق كي تنجلي الحقيقة لتبيان البَون الشاسع بين ما يقوله وما يفعله. هذا ومن المؤكد أن الذين يتولون إدارة الشأن اللبناني٬ من قوى إقليمية ودولية٬ قد درسوا شخصية الحكيم وهم يعلمون تمام المعرفة أنّ باستطاعتهم الرهان عليه للاستمرار في مصادرة حقوق المسيحيين ومنع وصول أي مسيحي قوي إلى الحكم٬ وبالتالي الحؤول دون إقرار أي قانون انتخابي يؤمن عدالة وصحة التمثيل للبنانيين عموماً، والمسيحيين بصورة خاصة. ومن الملاحظ أن هذه المقولة لا تزال قائمة منذ أكثر من خمس وعشرين سنة على الأقل٬ وذلك بغض النطر عن الراعي الإقليمي أو الدولي. لقد أعطى القانون الأرذوكسي أملاً قوياً للمسيحيين٬ ولا سيما مسيحيي الشوف وعاليه وبيروت وكل الأطراف٬ إلا أن هذا الأمل ما لبث أن انطفأ٬ والذي يزعج أولئك هو أن فريقاً مسيحياً كبيراً هو من أجهض هذا القانون.
* كاتب لبناني