بدأ انبثاق التيارات السياسية العربية وتبلورها مع انهيار الدولة العثمانية في عام 1918، ثم موتها عام 1923، وبعده إلغاء الخلافة عام 1924. أول ما ظهر هو التيار الليبرالي مع حزب الوفد المصري عام 1919، ثم الكتلة الوطنية في سوريا و«جماعة الأهالي» في العراق، وحزب «الاستقلال» بالمغرب، وكان ثانياً في الظهور هو التيار الماركسي عبر الأحزاب الشيوعية التي ولدت في مصر وسوريا والعراق في العشرينيات والثلاثينيات، وثالث التيارات هو التيار الإسلامي الذي كان له شكل حركي واحد، مثل الماركسيين الشيوعيين، ممثلاً في «الإخوان المسلمون» الذين ولدت جماعتهم عام 1928، وكانت ردة فعل على صعود موجة التغريب في الأفكار والثقافة والسياسة التي كان من مظاهرها الليبرالية والماركسية قبل أن يتجسد ويولد شكل حركي ثان للتيار الإسلامي عبر «حزب التحرير» عام 1952.


كان التيار القومي العروبي هو آخر الظهورات من حيث الزمن، حيث بدأ بالتبلور منذ الثلاثينيات ولم يتجسد في أحزاب وحركات إلا في الأربعينيات مع حزب البعث (1947) قبل أن تظهر حركة القوميين العرب عام 1951 ثم الحركة الناصرية في أواسط الخمسينيات.
كانت هذه التيارات الأربعة هي الأساس في حراك السياسة العربية، كما ظهرت تيارات أخرى مثل «القومية السورية» أو «القومية اللبنانية»، ولكنها كانت ثانوية التأثير بالقياس للتيارات الأربعة الآنفة الذكر. بالمقابل، كان لافتاً للنظر عدم ظهور تيار اشتراكي ديموقراطي في العالم العربي، وإن ظهرت بعض تجسداته في المغرب العربي، مثل حزب الاتحاد الاشتراكي في المغرب وحركة الديموقراطيين الاشتراكيين في تونس، فيما كانت التجسدات الحركية أو الحزبية لهذا التيار معدومة في مصر والمشرق العربي. من جهة أخرى، كانت حركة الانتقال بين التيارات الأربعة مفتوحة، كما جرى من انتقال رأيناه بعد هزيمة حزيران عام 1967 لأعضاء وتنظيمات حركة القوميين العرب إلى الماركسية، ولكن ليس إلى الأحزاب الشيوعية، وإنما إلى تنظيمات خاصة تبنّت الفكر الماركسي، ولكن في طبعته اليسارية الجديدة التي ظهرت أوروبياً في الستينيات، مثل «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» عام 1967، و«الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين» عام 1969 و«منظمة العمل الشيوعي» في لبنان عام1971، و«الحزب الاشتراكي اليمني» عام 1978، فيما كان هناك انتقال لافت للنظر في سوريا نحو الماركسية ليس فقط من أعضاء في حركة القوميين العرب، وإنما أيضاً من أعضاء من حركة الاشتراكيين العرب بزعامة أكرم الحوراني وأفراد من «بعث صلاح جديد» قاموا عبر هذه الروافد الثلاثة بتشكيل «رابطة العمل الشيوعي» عام 1976 التي أصبحت عام 1981 تحت اسم «حزب العمل الشيوعي».
حصل انتقال ثان، أقرب إلى موجة هجرة حركة القوميين العرب إلى الماركسية بعد هزيمة حزيران، رأيناه عند ماركسيين، من شيوعيين ويسار جديد، يحصل بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتفككه أواخر عام 1991، حيث اتجه هؤلاء بعد صدمة انهيار «الفاتيكان الشيوعي» إلى الليبرالية، وإن كان يلاحظ عليهم أنه لم يكن انتقالاً واضح المعالم الفكرية، كما يمكن تلمس هذا الوضوح عند المتمركسين الجدد من العروبيين بعد عام 1967، وإنما كان شكله السياسي هو الأوضح: مراهنة على «فاتيكان جديد» في واشنطن رأوا في فترة ما بعد ضرب برجي نيويورك وغزو العراق بأنه سيقتلع الأنظمة القائمة عبر موجة من «الرياح الغربية»، التي اعتقدوا وراهنوا بأنها قد بدأت بالهبوب مع سقوط بغداد بيد الأميركي في 9 نيسان 2003.
من ناحية التلاقح الفكري بين أبنية التيارات الأربعة، فقد كان ضعيفاً، وكان أكثره في سوريا، عند أشخاص من الاتجاه الماركسي مثل ياسين الحافظ والياس مرقص حاولوا تلقيحه بالعروبة، أو عروبيين ناصريين حاولوا تلقيح أفكارهم بشيء من الماركسية، كما حصل من قبل الدكتور جمال الأتاسي، أو أحزاب مثل «الحزب الشيوعي السوري _ المكتب السياسي»، الذي حاول مزج الماركسية مع العروبة. خارج هذه الحالات والتجارب السورية، كانت التيارات السياسية العربية أبنية مغلقة على بعضها، ليس فقط تجاه بعضها البعض، وإنما كان ذلك يشمل العلاقة بين التجسدات الحزبية والحركية للتيار الواحد التي كانت تأخذ طابعاً من الصراع والتصادم، كما حصل في سوريا من صدام بين البعثيين والناصريين في فترة 1963 - 1968 أخذ شكلاً دموياً في 18 تموز 1963 أثناء محاولة الانقلاب المدعومة من القاهرة ضد البعثيين. في الأغلب، كان التصادم هو الحالة الغالبة في العلاقة بين التيارات السياسية وكان على الأكثر يأخذ أشكالاً من الدماء والسجون، كما حصل بين عبد الناصر والإخوان المسلمين عام 1954 وعامي 1965 - 1966، والشيوعيين والعروبيين في العراق في عهد عبد الكريم قاسم المدعوم من الشيوعيين، ثم من مجازر ضد الشيوعيين بعد إطاحة العروبيين قاسم في انقلاب 8 شباط 1963، وصدام دموي بين البعثيين، الحاكمين في دمشق، والإخوان المسلمين في أحداث 1979 ــ 1982.
على صعيد مد وجزر التيارات السياسية العربية الأربعة، فإن التيار الوحيد الذي حصل له مد وجزر من دون إمساكه بشكل مباشر بالسلطة كان التيار الماركسي، ولو أنه كان يمارس التأثير من وراء الستار، كما في فترة حكم عبد الكريم قاسم في العراق، أو لما تحول الحاكمون إلى الماركسية كما في فترة تسلم «الجبهة القومية»، وهي جزء من حركة القوميين العرب، للحكم في عدن عام 1967 قبل تحولها مع بعثيين وشيوعيين إلى الحزب الاشتراكي عام 1978. عندما يكون التيار السياسي في حالة مد فكري _ ثقافي، فإن هذا كان يأخذ شكلاً سياسياً تنظيمياً كان يترجم لاحقاً إلى وصول للسلطة، كما عند الليبراليين المصريين بين عامي 1924 و1952، والسوريين في فترة 1946 - 1958، ثم في مرحلة المد القومي العروبي بعد نكبة فلسطين عام 1948 لما تولت حركة الضباط، المتأثرة بصدمة هزيمة 1948، السلطة في مصر عام 1952. ووصل حزب البعث إلى السلطة في دمشق في 8 آذار 1963 بعد شهر من وصول بعثيين عراقيين مع عروبيين ناصريين إلى السلطة في بغداد، قبل أن يطيح الأخيرون البعثيين في 18 تشرين الثاني 1963 ثم يعود حزب البعث إلى السلطة في بغداد بعد انقلاب 17 تموز _ 30 تموز 1968.
لم يترجم المد الفكري _ الثقافي للحركة الإسلامية منذ بدئه بالعالم العربي منذ أوائل السبعينيات إلى أكثر من مد سياسي _ تنظيمي للحركات الإسلامية حتى عام 1989 لما وصلت «الجبهة القومية الإسلامية» إلى السلطة في السودان عبر انقلاب عسكري قام به ضباط مرتبطون بها. وعندما فازت «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» الجزائرية في الدورة الأولى للانتخابات البرلمانية في عام 1991، قام العسكريون الجزائريون، بانقلاب عليها بدعم من باريس ومن قوى علمانية ومن البربر، قبيل أيام من إجراء الدورة الثانية للانتخابات. هذا المد الإسلامي الفكري _ الثقافي _ السياسي _ التنظيمي استطاعت جماعة الإخوان المسلمين، عبر فرعيها في تونس والقاهرة، ترجمته إلى وصول إلى السلطة عامي 2011 و2012 بعد حراك جماهيري أطاح حكمَي زين العابدين بن علي وحسني مبارك، وقد كان هذا الوصول للإمساك بدفة الحكم مظلّلاً بخيمة من التوافق المستجد بعد «الربيع العربي» بين الحركة الإخوانية وواشنطن، على غرار ما حصل في أنقرة منذ عام 2002.
في السلطة، التي هي غالباً محرقة وخاصة في العالم العربي، لم يستغرق الأمر مع محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين أكثر من ستة أشهر، منذ يوم تسلم مرسي للرئاسة في 30 حزيران 2012 لكي ينكشف الإسلاميون ويفقدوا مدّهم الذي بدأ في النصف الأول من السبعينيات في مصر. احتاج هذا في السودان الى عشر سنوات حتى انقلاب عمر البشير على حسن الترابي عام 1999. عند حزب الوفد المصري، استغرق الأمر ثمانية عشر عاماً حتى حادثة «4 فبراير1942»، لما اجتاحت الدبابات البريطانية قصر عابدين بالقاهرة لتجبر الملك فاروق، في ظرف اقتراب رومل ودباباته من العاصمة المصرية، على أن يسمي مصطفى النحاس باشا رئيساً للوزراء، وهو خليفة سعد زغلول زعيم ثورة 1919.في دمشق كانت حرب 1948 محرقة لليبراليين السوريين، فيما كانت هزيمة 1967 هي هكذا لعبد الناصر وللبعثيين السوريين. استغرق الأمر أكثر من عقد من الزمن حتى ينكشف البعثيون العراقيون ويصطدموا بالحائط، على الأرجح في يوم 2 آب1990 عند غزو الكويت، ومن ثم أداؤهم في حرب 1991.
السؤال الآن، بعد حراك ما يقارب القرن من الزمن للتيارات الأربعة التي احتلت حيز السياسة العربية: ما هي عواقب تساوي التيارات الأربعة في الفشل، من دون وجود راهن لبديل فكري _ سياسي لها من خارجها أو عبر تجديد لأحدها أو لبعضها؟
* كاتب سوري