لندع تهويمات المافيا بذراعيها النظامي والمسلّح جانباً ولنلتفت أكثر إلى ما هو ملموس فعلاً. ظهور السيّد عبد الله الدردري في المشهد كان ملموساً أكثر من اللازم. بدا وكأنّ أطرافاً بعينها تعاود التدخّل لتثبيت مشهد بداية الألفية ولو عبر الحرب هذه المرّة. إذ خلافاً لما يعتقد كثيرون تستطيع هذه الأخيرة أن تستأنف النهب من حيث انقطع أيّام السلم.


النظام يعوّل في ذلك على انعدام حساسية المنتفضين أو من يمثّلهم تجاه أمور مماثلة. كان العكس ممكناً في الأيّام الأولى للانتفاض، أي قبل أن تتعسكر «الثورة» وتصبح بحاجة إلى قنوات تغذّي احترابها وتهندس اقتصادها القائم كما اقتصاد النظام على النهب واستهداف الفقراء من الجانب الآخر. لا أحد يتذكّر الآن مثلاً كيف أحرقت مراكز تابعة لشركة «سيرياتيل» أثناء الغضبة الأولى في درعا. الدلالة التي حملها هذا الاستهداف لرامي مخلوف ومصالحه لم تعد تعني شيئاً بعد كلّ القتل والتدمير الذي ووجه به الانتفاض هناك. لكن ذلك لا يختزل وحده صورة ما حدث فعلاً. الأمر أعقد ممّا نعتقد، ولا يتعلّق فقط بحسابات من يخوض الحرب على الأرض. ثمّة مافيا تجهّز نفسها منذ الآن لاقتسام الكعكة، سواء عبر إذكاء الحرب إن لم تؤت أكلها أو عبر إيقافها إذا حصل الاتفاق في جنيف على ما يجب نهبه مجدداً. حتّى الآن لم تكتف عصابات النظام والمعارضة بما نهبته، والأرجح أنّها لن تفعل في المستقبل. لذلك يحتار الطرفان في كيفية إسكات من لا يزال مصرّاً على إغلاق حنفية النهب. حين استهدف رامي مخلوف في بداية الانتفاض قيل إنّ من جملة الرسائل التي وصلت وقتها إغلاق تلك الحنفية. لا أدري ما إذا كان الشجعان الذين فعلوا ذلك لا يزالون على رأيهم. استهدافهم بالقتل والتعذيب والتدمير المنهجي لأحيائهم وقراهم كان مقصوداً لكي يكفّوا عن التصويب على مافيات النظام الاقتصادية، غير أنّهم في أماكن أخرى بعيدة عن درعا أخذوا طريقاً استفاد منه النظام لاحقاً في تسويغ نهبه للبلد. عندما يصبح النهب هو القاعدة في الأماكن التي خرجت عن سيطرة النظام في أرياف ادلب وحلب وحمص و...إلخ لا يعود مهمّاً كثيراً مواجهة هذا الأخير بالكيفية التي تنهب بها ميليشياته بيئات المعارضة غير «المحرّرة». هذه قاعدة يتعيّن أخذها بعين الاعتبار حين يريد طرف مافياوي أن يتّهم طرفاً مافياوياً «مثله» بالنهب والإجهاز على البيئات الفقيرة والمعدمة. ها هنا بالتحديد يكمن كعب أخيل في خطاب «الثورة» ومنظّريها. بإمكانهم الاستمرار إلى ما شاء الله في إدانة مجازر السلطة وجرائمها، فهم لم يصلوا بعد رغم كلّ ما فعلوه بحقّ الموالين والمتردّدين إلى المرتبة التي وصلت إليها (لناحية الإجرام والتدمير المنهجي)، إلّا أنهم سيبدون في غاية الحمق حين يستعيدون سيرة لصوصها الأقربين والأبعدين. ما من نهب حصل بعد العسكرة إلا وكان «للثورة» وأمرائها حصّة وازنة فيه. لم يحدث ذلك بمحض الصدفة أبداً. لقد دفع الانتفاض إلى هذه الزاوية دفعاً. ومن دفعه كان النظام ومموّلوه ــ إيران تحديداً ــ أولاً، وممثّلو قطر وتركيا والسعودية داخل المعارضة ثانياً. لو سلك الانتفاض طريقاً غير هذا الطريق لما وجدت الرأسماليات «المحتربة» على جثثنا أرضاً تلعب عليها. سبق أن ذكرت مثال القصير في معرض تطرّقي للمجزرة الفظيعة التي تتعرّض لها المدينة. في الاقتصاد أيضاً لم تفلح «الثورة» تماماً كما لم تفلح في أيّ شيء آخر بما في ذلك العلاقة بين الكتل الموالية والمعارضة. أذكر في البدايات كيف حاولنا كلّ من موقعه دفع الحراك إلى تبنّي شعارات تساعد على صهر «التمايزات الفئوية» بين السوريين. حينها لم يكن البطش قد وصل إلى حدّ القصف بالدبابات وبصواريخ السكود، وكان ممكناً منع النظام من التعويل على المسألة الطائفية وجعلها محور ما يحدث بدل أن تكون على هامشه. بالطبع أصبح الهامش هو المتن الآن، بينما تراجع المتن الفعلي للانتفاض (النهب النيوليبرالي) إلى الوراء أكثر ممّا ينبغي. ثمّة ما يؤكّد حصول ذلك: لا تزال شركة «سيرياتيل» تراكم أرباحها في ظلّ اقتصاد جديد عرفت كيف تتكيّف معه، فيما يقتات كادحو شعبنا الذين انتفضوا ضدّها من المساعدات والهبات التي باتت نسقاً اقتصادياً قائماً بذاته. كنّا في البداية إزاء اقتصاد واحد يتحوّل من «الاشتراكية السلالية» إلى النيوليبرالية المافياوية، فإذا بنا الآن إزاء اقتصادات متعدّدة، وكلّ منها ينهب على طريقته. لو تعرفون حجم النهب الذي يطال «المساعدات الإقليمية والدولية المخصّصة للشعب السوري»! صرنا بحاجة إلى من يوقف هذه الحنفية أيضاً. سبق أيضاً أن تطرّقنا هنا إلى اقتصاد الحرب الذي يقتات عليه الطرفان ولسنا مضطرين إلى مزيد من التفصيل في ذلك. التحقيقات التي ترد يوميّاً في الصحف حول الأمر تفي بالواجب وأكثر.
كلّ هذا النهب قائم وليس لدى «الثورة» التي نهضت في مواجهته أصلاً أدنى اهتمام بتفكيكه، أو بالتنظير لهذا التفكيك على الأقلّ. إذا كان ذلك صعباً على الكادحين والفقراء الذين يسخّرون قوّة عملهم في مواجهة الفقراء الآخرين فهو لن يكون كذلك بالنسبة إلى النّخب التي تواكب الانتفاض نظرياً وتحدّد له الأطر السياسويّة المناسبة. ما رأي هؤلاء بظهور عبد الله الدردري في المشهد؟ ولماذا غاب رامي مخلوف فجأة عن تنظيرهم ضدّ النظام؟ النهب هنا لا يزال قائماً، والميزانية الموضوعة للجيش وعملياته تتزايد باستمرار على حساب الطبقات الكادحة التي تدفع الثّمن مرّتين: مرّة إذا كانت موالية ومصطفّة إلى جانب النظام، ومرّة أخرى (وهي أفدح بكثير) إذا كانت معارضة ومنخرطة في الانتفاض ضدّه. هنالك أمور شبيهة ولو على المستوى الرمزي تحدث في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة. «البدائل» التي اقترحت هناك بعد خروج الكتلة النقدية التي كان يضخّها النظام من التداول صبّت كلّها تقريباً في مصلحة الجهد العسكري. وهذا أمر غريب فعلاً. ذلك أنّ الأولوية التي يحتلّها فعل مواجهة النظام هناك لا تصلح وحدها لتعليل استبعاد الفقراء من آليّة إدارة المناطق «المحررة». وهذا ما يفسّر تزايد انخراط الشبّان في ريف حلب والرقّة ودير الزور في العمل المسلّح، فهو القطاع الوحيد تقريباً الذي يدرّ دخلاً معقولاً، ويحفظ للأسر في تلك البقعة تماسكها الاجتماعي. كذلك يكتسب الانخراط فيه بعداً رمزياً، فهو في النهاية السلطة الفعلية التي دحرت السلطة البائدة وملأت الفراغ الذي نشأ برحيلها. الإدارة المدنية هنا رديفة للعمل العسكري، ولا سلطة لها على شيء أبداً. فمن يملك المال له الكلمة العليا، وهؤلاء إمّا عاملون بأجر لدى القوى التي تموّل الحرب (كما هي حال الميليشيات الرديفة للنظام)، أو مستولون على مرافق نفطية وخدمية لا يعرفون كيف يديرونها بغياب الشركات الأجنبية و«الوطنية» «المتخصّصة بذلك». في الحالتين هم مستفيدون من الحرب واقتصادها، ويقومون كما النظام بعملية إدارة نهّابة للموارد التي بحوزتهم. القتال هناك لا يحصل فقط لأنّ آل الأسد يجب أن يسقطوا، بل لأنّ كتلة نقدية (وهي قليلة قياساً بالتي في حوزة النظام) معيّنة قد وجدت لهذا الغرض، وبالتالي يجب توزيعها. السؤال هنا كما في كلّ الأماكن الأخرى التي تتغذّى من اقتصاد الحرب هو كيف يتمّ التوزيع؟ الأرجح أنّ من يقاتل فعلياً ومن يتفانى في مواجهة النظام لا يحصد إلّا القليل، بينما تذهب الكتلة الأكبر إلى جيب من يدير العمليات. وهو ما يحصل «بالقدر ذاته» و«بالكيفية نفسها» في الأماكن التي يسيطر عليها النظام. هناك أيضاً ثمّة كتلة نقدية مرصودة لتدمير أكبر عدد ممكن من الأرياف وضواحي المدن، وهي كبيرة إذا ما قورنت بتلك التي في حوزة المسلّحين. لا يتمّ التوزيع هنا بموجب الأعراف المعمول بها في الحرب فحسب. إذ يفرض وجود «الدولة» «الكبير» وتدخّلها في العملية الاقتصادية شكلاً مؤسّسياً لعمل المافيا. وهذا الأمر لا يجري بمعزل عن «الحياة الطبيعية» التي تسير جنباً إلى جنب مع تدمير الحيوات المحاذية لهذه الأخيرة. أحياناً يجري التدمير في مكان لكي يبقى المكان الآخر قائما. وهذا غالباً ما يحصل في المناطق التي همّشها التراكم النيوليبرالي النهّاب. إذ بدون حصر هذه العملية في البقع المهمّشة لا يعود ممكناً التخلّص من أهلها بسهولة. وهذا يعد تطوّراً مذهلاً في عمل آليّة النهب لمصلحة الأغنياء. فسابقاً كانت الكتل النقدية التي تضخّ في السوق (معظمها تستثمر في العقارات والعمليات المصرفية) تكتفي بإخراج أولئك المسحوقين والفقراء إلى لبنان أو إلى الأسواق الكومبرادورية الرديفة لعمل المافيا هنا. الآن باتت المسألة مختلفة تماماً.
الإخراج لا يجري هذه المرّة عبر عمليات اقتصادية تتعامل مع الناس كفائض وكقوّة عمل مصابة بالعطالة، بل عبر التعامل الحربي المباشر. الحرب هنا تقوم بما عجزت السياسة عن فعله أيّام كانت العجلة تنهب بالشكل التقليدي. وهذا أيضاً من جملة التقسيمات التي تشتغل عليها الرأسماليات الدولية وتفرضها على أتباعها. روسيا تملي ذلك على النظام الذي يتبعها، وأميركا والامبرياليات الغربية الأخرى تفعل الشيء مثله مع «الثورة». بالطبع لن يقلّل هذا التقدير من تضامننا مع أهالي الأرياف وضواحي المدن الجاري تدفيعهم ثمن انتفاضهم ضدّ المافيا الحاكمة، ومن ثمّ إلقاؤهم في جنّة النهب المقابلة. ما يقال عن انحراف في الموقف الأخلاقي هنا ليس دقيقاً، فالأصل في الأمر هو وحدة التحليل والموقف، لا التعارض بينهما كما يروّج البعض. والأرجح كذلك أنّ النهب الحاصل اليوم بوتيرة فظيعة وغير مسبوقة هو ما يجعل من الوحدة تلك ممكنة أكثر من أيّ وقت مضى. أصلاً لا شيء يشتغل في هذا البلد اليوم إلّا النهب. وهذه ليست مشكلة إذا ما كان اللصوص الكبار هم الفاعلين، لكنّها ستصبح كذلك حين يغدو الفقراء في هذا الموضع. عندما انتفض الناس في القصير لم يكن يشغلني شيء قدر انشغالي بهؤلاء وبخبث من سيضعونهم في مواجهة بعضهم البعض. أخشى فعلاً من صيرورة «الاستثناء» الذي مثّلته القصير قاعدة في هذا الطور من الانتفاض. وهذه نقاشات خيضت في ما مضى وما عاد بالإمكان استثمارها أكثر. المهمّ اليوم هو ردع الآلة الحربية المجرمة عن المزيد من خدمة مافيا الحرب. لن يحصل ذلك إلّا بإبقاء الفقراء في بيئاتهم الحاضنة، وإذا حصل وهجّرتهم آلة القتل فالأفضل أن تحتضنهم بيئات (موالية أو متردّدة) فقيرة ومتوسّطة مثلهم. يستحسن أيضاً ألّا يتمدّد مسلّحو المعارضة إلى البيئات تلك أكثر ممّا فعلوا حتّى الآن، وهذا تقدير لا يخصّ الموالين أو المتردّدين ولا يعنى بهم بقدر ما يخصّ فقراء المعارضة الذين باتوا يجدون هناك مأوى وحاضناً فعليين لهم. لا يزال بالإمكان فعلاً منع النظام ومافياته ــ وكذا «الثورة» ومن معها ــ من التعامل مع السوريين الفقراء ككتلة فائضة يسهل التخلّص منها كيفما كان. ثمّة ما يمكن فعله بهذا الخصوص رغم كلّ شيء ويتمثّل في الحفاظ على وحدة الطبقتين الكادحة والمتوسطة ولحمتهما. احتضان الموالين للمعارضين في أكثر من مكان داخل البلد يتيح ذلك ويجعله واقعاً لا احتمالاً فحسب. يبقى أن نردع العامل الذي يتدخّل لمنع هذا الواقع من التحقّق: استخدام الرأسماليات الدولية على الضفّتين عملاءها لسحق الفقراء وإخراجهم من المعادلة. لا أدري لماذا تحضر «سوليدير» إلى ذاكرتي في غمرة هذا النقاش. سوليدير والحريري، أو ربّما سوليدير و... الدردري. من يعلم بالاسم الذي سيطلق على «سوريا الجديدة». سوريا التي ستنهض على جثث فقرائها وعلى أنقاض مدنهم وقراهم. هل من قال تقسيم للعمل؟
* كاتب سوري