في آخر ظهور لها على قناة «الجزيرة» (الأحد 19 مايو/ أيار 2013)، بدت المتحدثة الرسمية باسم الحكومة البحرينية سميرة رجب حذرة نسبياً في حديثها عن المرجع الديني الأعلى في البحرين آية الله الشيخ عيسى قاسم، وخصوصاً لمن يعرف لسانها الذي لا يتورع عن الكذب وإطلاق الألفاظ غير الدبلوماسية وغير التقنية في وصفها للأحداث والتعليق عليها.

ولعلّي في ذلك أميَل إلى أنّ الرسالة وصلت إلى السلطات البحرينية بأن قاسم «خط أحمر» لقطاعات واسعة من شعب البحرين، وللمراجع الدينية الشيعية التي تنظر إلى قاسم كأحد أعضاء أسرتها.
ومع ذلك، فإنّه ليس واضحاً بعد الأهداف المباشرة التي استدعت من السلطات اتخاذ قرار يفتقر إلى الحكمة ويتّسم بالتهور بالاعتداء على حرمة مرجع ديني كبير، ذلك أنه لم يطرأ أي جديد على الساحة المحلية يستدعي مثل هذا الإجراء، فيما خطاب قاسم يمكن وصفه بكل موضوعية بأنه وأد الفتنة في البحرين، حين شجع الجماعات السياسية المعارضة على انتهاج السلمية وعدم الاستجابة لعنف السلطة، تماماً كما فعل آية الله السيستاني في العراق، حين دعا أنصاره إلى عدم الردّ على العنف الطائفي بمثله.
أما حديث السلطات الخليفية بأنها ما كانت تستهدف بيت قاسم، بل كانت تطارد «ارهابياً» أطلق النار في المنطقة، فهي رواية أضعف من أن تصمد أمام أي تحليل أمني.
مراقبون يحاولون الربط بين الاعتداء على قاسم، والإحراج الشديد الذي تعرض له الملك حمد في لندن أخيراً أمام الكاميرات، وذلك حين رفع الناشط سيد أحمد الوداعي، المحسوب على الجماعات المطالبة بإسقاط النظام، عبارة دكتاتور في وجه ملك البحرين، وهو جالس بالقرب من الملكة البريطانية اليزابيث الثانية في مضمار الخيول في 11 مايو/ أيار.



وقد يكون في ذلك صحة، أمام ملك لم يظهر الحكمة تجاه الضغوط التي يتعرض لتقليل صلاحياته المطلقة، وخصوصاً أنّ الاعتداء على قاسم جرى بعد عدة أيام من عودة الملك إلى المنامة قادماً من لندن.
ولنتذكر أنه حين شنّ الجيش الرسمي هجومه على دور العبادة وهدم نحو 38 مسجداً، فإن أحد المبررات التي أميل إليها لتفسير ذلك، أن السلطات أرادت القول: إذا لم يكن آل خليفة، وخصوصاً الملك حمد خطّاً أحمر بالنسبة إلى قوى المعارضة، وما دامت صيحات الشارع ترتفع «يسقط حمد»، كما تنادي الجماعات السياسية غير المرخصة (الوفاء، حق، ائتلاف 14 فبراير، الأحرار)، أو تنادي بالملكية الدستورية والحد من صلاحيات الملك حمد، كما هي مطالب الجمعيات السياسية، وعلى رأسها «الوفاق»، فإن كل الرموز المحسوبة على المعارضة، بما في ذلك دور العبادة والمعتقدات الدينية والمواكب الحسينية ستكون عرضة للعنف الرسمي، وقبل ذلك كل أنواع العنف العاري التي سجل بعضها تقرير بسيوني.
يضاف إلى ذلك أنّ هدم المساجد استهدف أيضاً الزج بالبحرين في أتون الصراع الطائفي المتنامي إقليمياً، للإيحاء بأن ما يحدث في البحرين ليس إلا مواجهة شيعية سنية، لا حركة معارضة ضد حكم عضوض.
وهكذا، فقد جرى استغلال الأجواء الإقليمية المريضة للهجوم على منزل آية الله قاسم، لتأكيد فرضية الصراع الشيعي السني التي نفاها تقرير بسيوني، مؤكداً أن أحداث البحرين جزء من الربيع العربي، وكذا أكد أن اليد الإيرانية ليس لها أثر في اندلاع الاحتجاجات المطالبة بالديمقراطية.
في الواقع، فإن أهم ما تفقده السلطة من تعميم العنف تجاه كل المعارضين، خسارتها الجزء المعتدل من هذه المعارضة، وفي مقدمتها الوفاق، التي ما زالت ترفض شعار «يسقط حمد»، وتتمسك بالملك البحريني شريكاً للخروج من الأزمة الراهنة. وتنظر الوفاق إلى آية الله قاسم كقامة وطنية شامخة «تستحق الفداء بالروح».
في الأصل، فإن الملك حمد قد أساء إلى تجربة البحرين التاريخية كما لم يفعل أي حاكم خليفي آخر (راجع كتابي: بينة الاستبداد في البحرين: دراسة في توازنات النفوذ في العائلة الحاكمة). وقد تبنى الملك استراتيجية قائمة على فرضية أنّ «الشيعة هم الخطر الاستيراتيجي على النظام»، أنتجت سياسة «تجفيف الينابيع» و«الحرب الشاملة»، والتجنيس، والإقصاء الكامل للشيعة عن كل مواقع الفعل السياسي والاقتصادي.  
وقد أفرزت تلك السياسة «التطهيرية» ردّ فعل توازيه في القوة وتعاكسه في الاتجاه: انتفاضة 14 فبراير (2011) غير المسبوقة في تاريخ البحرين.
ثم إن التعامل العنيف من قبل ملك البحرين مع هذه الانتفاضة، وخصوصاً هجوميه الداميين في 17 فبراير/شباط، ثم في منتصف مارس/ آذار 2011 على دوار اللؤلؤة، وما تبع ذلك من سياسات قمعية «مخالفة للقانون الدولي الإنساني» على حد تعبير الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، جعلت الثقة بالملك تنهيار كلياً، وهي الثقة التي كانت أصلاً قد وصلت إلى المرحلة الصفر في ضوء سياسات الاستحواذ على الفضاء العام التي تبناها في السنوات العشر الأخيرة.
وحالياً، فإن الملك بهذا الهجوم على آية الله قاسم، يقطع بالفعل شعرة معاوية مع معارضيه، الذين تمسكوا بهذه الشعرة رغم كل إساءات الملك حمد.
من مصلحة البحرين الحفاظ على قدر من التقاليد في الصراع المتفاقم، بما في ذلك الامتناع عن اتباع سياسة العنف الجسدي ضد القيادات السياسية. 
لذا لم ترفع المعارضة البندقية يوماً في وجه السلطة، وتفضل أن ترفع صوتها عالياً منتقدة السياسات الحكومية. وحتى في هذه الحالة، فإن «الوفاق»، كبرى جمعيات المعارضة، لا تكاد تقترب من الملك حمد، ولا من عضده الأيمن خالد بن أحمد آل خليفة وزير الديوان الملكي، الذي تعتبره شبه ملك، بل إنها تأمل مشاركة الملك في المباحثات التي تجري حالياً، على أمل أن يرتفع بمستواها إلى مباحثات فعلية!
لا تطلب المعارضة من الموالاة أن لا تنتقد المعارضة، وها هي الصحف الرسمية وشبه الرسمية تشنّ حرباً إعلامية كريهة ضد المعارضة وتوجهاتها ورموزها ومعتقداتها... لكن ما تأمله المعارضة تحييد الإعلام الرسمي ومنح المعارضة حضوراً في تلفزيون الدولة، كما أوصى تقرير بسيوني، وإيقاف سياسة الاعتقال والتعذيب واقتحام البيوت، بيد أنّ السلطة تستمر في سياساتها الرعناء دون هوادة، مستثمرة القضاء والإعلام وكل الأجهزة المدنية والأمنية الأخرى.
إن ذلك يحرج المعارضة أمام جمهورها، الذي يطالبها بأن تتخذ موقفاً أكثر انتقاداً للسلطة، وأن لا تكتفي بتعليق حضور جلسات الحوار، وأن توضح للسلطة أن سياسة العنف لن تؤدي إلا إلى مزيد من التمسك بمطالب التحول الديمقراطي.
وحالياً، وإذ يتضح أن السلطة لا تبدو قادرة على تحمل أعباء أكثر ثقلاً باتخاذها إجراءات أشد ضد آية الله قاسم قد تواجه برد فعل غير متوقع، وفيما سياساتها ضد الناشطين الميدانيين تتخذ لوناً أشد قتامة وعنفاً، فإنه لم يتضح بعد مدى قدرة القوى المعارضة على استثمار الاعتداء على قاسم في توحيد صفوفها واستثمار الغضب الشعبي في فرض ايقاع حواري يقود فعلاً إلى تحول ديمقراطي حقيقي، لا الانغماس في الطقس الحواري السائد، الذي من المؤكد أنه يتجه إلى تثبيت الواقع الراهن القائم على مركزية عائلة آل خليفة في الحكم.
* كاتب وصحافي بحريني ــــــ لندن