لا شكّ أنّ البروفيسور أميتاي إتزيوني صريح، فهو لم يلطّف لغته أو نواياه عندما تشارك أفكاره في المقال الذي نشره في صحيفة "هآرتس" في 15 شباط/ فبراير 2016. وقد قوبل هذا المقال بموجة من الاستنكار والاستهجان إذ أنّ المكتوب قُرأ من عنوانه التالي: "هل يجدر بإسرائيل أن تدمّر بيروت لتقضي على قذائف حزب الله؟".
وفق موقع "سالون"، غيّرت الصحيفة عنوان المقال مرّتين. ولكن بغضّ النظر عن خيار الكلمات، النية واضحة: تبرير سياسة إسرائيل وتكتيكاتها العسكرية خلال النزاعات المسلّحة أمام الرأي العام الإسرائيلي والدولي.
يمكن لأيّ قارئ غير ملمّ بتاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي أن يُعجب بالنوايا الكامنة في المقال. فالمشكلة التي حُدّدت هي أنّ "معظم القذائف التي يُقدّر عددها بمئة ألف والتي تحتويها ترسانة حزب الله مخبّأة في مناطق مدنية". ويُزعم أنّ الهدف من المقال دفع إسرائيل إلى "النظر الآن في العواقب الأخلاقية واللوجستية لاستخدامها أسلحة تقليدية فتّاكة ضدّ هذه المناطق للمرّة الأولى".

«يجب على إسرائيل
استخدام القوة غير المتكافئة
على القرى اللبنانية»

وما يمكن استنتاجه من هذه المقدّمة التحريرية للمقال الذي نُشر في صحيفة "هآرتس" هو التالي: تواجه إسرائيل معضلة أخلاقية لأنّها تهتمّ وتكترث لمصير المناطق المدنية. كما أنّ الإطار الزمني المحدّد بـ"الآن" قد يدفعنا إلى الظنّ أنّها المرّة الأولى التي تُضطرّ فيها إسرائيل إلى التعامل مع إمكانية سقوط ضحايا مدنيين نتيجة عملياتها العسكرية، أو كما تحبّ أن تسميها أعمال الدفاع عن النفس أو مكافحة الإرهاب.
نتيجة لذلك، وبحسب إتزيوني أيضاً، تحتاج إسرائيل إلى النظر في "العواقب الأخلاقية" لأفعالها، وكأنّ هذا الأمر وارد أصلاً في وقت باتت فيه حياة الفلسطينيين رخيصة وبات الغضب والاستنكار الإعلامي والمطالبة باحترام القوانين الدولية عوامل غير قادرة على ردع إسرائيل عن ارتكاب جرائم حرب وثّقتها تقارير كثيرة للأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان على مدى السنين.
انتُقد مقال رأي إتزيوني لأسباب مختلفة، وجميعها وجيهة وتأتي في الوقت المناسب. ولكن ما فات النقاشات والاتهامات هو أنّ جلّ ما فعله إتزيوني هو استعادة عقيدة عمرها 11 عاماً على الأقلّ طورّتها وطبّقتها إسرائيل خلال حرب تموز 2006 على لبنان، وأيضاً خلال حربها على غزة عام 2014. إنّها "عقيدة الضاحية".
وكما فسّر رشيد خالدي (البروفيسور الشاغل لكرسي الأستاذ إدوارد سعيد للدراسات العربية في جامعة كولومبيا) حين تكلّم عن حرب غزة عام 2014، إنّ السياسة العسكرية لإسرائيل خلال تلك الحرب كانت "ثمرة استراتيجية خبيثة يطبّقها الجيش الإسرائيلي أقلّه منذ حرب تموز 2006 على لبنان وتُعرف بعقيدة الضاحية".
ووفق اللواء غادي أيزنكوت، كلّ استراتيجية عسكرية إسرائيلية لاحقة (أي بعد 2006) ستتبع خطى "عقيدة الضاحية". وتشير التسمية إلى "منطقة الضاحية في بيروت التي دُمّرت خلال الحرب الثانية على لبنان في عام 2006". وقد أوضح أيزنكوت، نقلاً عن تسريب من ويكيليكس في عام 2008، أنّه:
"يجب على إسرائيل استخدام القوة غير المتكافئة على القرى اللبنانية بغض النظر عن الاحتجاج العالمي، متسبّبة بضرر كبير ودمار". وكان قول أيزنكوت واضحاً كعين الشمس: هذا ليس تهديداً وإنما خطّة موافق عليها. فمن وجهة نظر إسرائيل، هذه القرى "لا تضمّ مدنيين وإنما هي عبارة عن قواعد عسكرية". وفي تصريحه، ردّد أيزنكوت تصريحات خاصة سابقة لرئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي غابي أشكنازي الذي قال إنّ "الصراع المقبل في جنوب لبنان سيكون مكلفاً أكثر بكثير للطرفين وأنّ جيش الدفاع الإسرائيلي لن يردع نفسه".
باختصار، هذه ليست المرّة الأولى التي تُطرح فيها مثل هذه الأسئلة "الأخلاقية واللوجستية"، فمنذ قيام دولة إسرائيل وقبل وبعد ذلك، والقادة الصهاينة مهووسون بترسيخ فوقية إسرائيل وسياسة الردع التي تتّبعها وكيفية "تسويق" أفعالها أمام الرأي العام العالمي.
وفي ما يخصّ تكتيكات إسرائيل العسكرية، قال الجنرال موشيه دايان (اقتباس دايفد هيرست عام 2003 وجوناثان كوك في عام 2010) عبارة حريّ بنا تذكّرها كخلفية للمقال المذكور: "إسرائيل يجب أن تكون ككلب مسعور، والويل لمَن يعكّر صفوها".

من هذا المنطلق، ليست جامعة جورج واشنطن الأميركية أو البروفيسور إتزيوني وحدهما اللذين يجب أن يعتذرا، كما طالب البعض. فيجب على الأشخاص الذين صُعقوا من استخدام لغة وتعابير كهذه في عام 2016 أن يصبّوا غضبهم على الحكومة الإسرائيلية وسياساتها العسكرية العدوانية، خصوصاً في الوقت الذي تتصرّف فيه إسرائيل (عسكرياً) بالفعل مثل "كلب مسعور" من دون الاكتراث للعواقب الأخلاقية أو اللوجستية وبالطبع من دون أيّ تخوّف من أنّ قادة العالم قد يندّدون بأفعالها أو أنّ الإعلام قد يكشف هذه الأفعال ويدينها. وأشير هنا إلى المشاهد التي تردنا من الأراضي الفلسطينية المحتلّة تباعاً في ظلّ التوترات الراهنة.
بمعنى آخر، عندما تحاول إسرائيل ومؤيدوها إقناع المجتمع الدولي بأنّ تدمير بيروت أو أي مدينة أخرى هو الخيار الوحيد المتاح أمامها، لا يمكنني إلّا أن أستذكر آية من سفر الجامعة مفادها، "ما كَانَ فَهُوَ مَا يَكُونُ، وَالَّذِي صُنِعَ فَهُوَ الَّذِي يُصْنَعُ، فَلَيْسَ تَحْتَ الشَّمْسِ جَدِيدٌ".
لقد سبق أن دُمّرت بيروت، وسبق أن دُمّرت غزة. وقد يطالهما التدمير من جديد إذا تُركت إسرائيل لتتصرّف على هواها وتقتل بلا رقيب ولا حسيب، وفق ثقافة الإفلات من العقاب التي تتنعّم بها منذ 1948 وحتى اليوم.

* باحث وأستاذ جامعي