الخناق يضيق على تركيا، هذا ما تؤكده أحداث الأشهر الأخيرة في المنطقة الممتدة من حدودها الشمالية حتى الجنوبية، مروراً بالمضائق البحرية التي تقع تحت سيطرتها، ومشاكلها الداخلية المتفجرة أخيراً. إن تخطي تركيا الخط الأحمر الذي أصرت عليه روسيا منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، والمتمثل في نشر أجزاء من الدرع الصاروخية على الأراضي التركية انقلب نتائج سيئة على أنقرة، فالخطوة التركية بنشر الباتريوت على أراضيها لا يمكن اعتبارها موجهة ضد سوريا أو إيران حصراً، وهي خطوة ترى فيها روسيا خطراً استراتيجياً عليها في إطار محاولة «الناتو» تطويقها.

ولطالما شهدت العلاقات الروسية - التركية فصولاً متقلبة، لكن التوتر كان السمة الأبرز التي طغت على هذه العلاقة خلال القرون الخمسة الأخيرة. فمنذ تأسيس الإمبراطورية القيصرية على يد بطرس الأكبر عرفت مناطق القوقاز والبلقان والبحرين الأسود (الذي تطل عليه اليوم: روسيا وأوكرانيا وجورجيا وتركيا وبلغاريا ورومانيا) وقزوين (روسيا وإيران وأذربيجان وتركمنستان وكازاخستان) اضطرابات متكررة عمقت حالة النفور والمنافسة التي طبعت العلاقات التركية الروسية بطابعها. وكانت الإمبراطوريتان الروسية القيصرية والعثمانية تتحاربان تارةً على نحو مباشر، وتارةً أخرى عبر الشعوب التي تعيش في المساحة الفاصلة بينهما، وما حروب شبه جزيرة القرم المتكررة إلا جزء يسير من تاريخ العلاقة الملتهبة تلك.
وتعود جذور الخلافات الروسية - التركية إلى تداخل مساحات النفوذ الاستراتيجي لدى الدولتين في البلقان والقوقاز. ومن المعروف أن معظم شعوب البلقان تنتمي إلى العرق السلافي (الغالب في روسيا)، بينما تنتمي معظم شعوب القوقاز إلى العرق التركي. فمن ناحية، رأى العثمانيون على الدوام أن البلقان جزء من السلطنة من منطلق وصايتها على المرجعية الأرثوذكسية في القسطنطينية. ومن ناحية أخرى لا ينسى الروس وصايا القياصرة من أسرة رومانوف بأهمية السيطرة على البحر الأسود، واعتباره بحيرةً روسية، وتأمين الملاحة الروسية عبر مضيقي البوسفور والدردنيل التركيين إلى المياه الدافئة على البحر المتوسط.
واستمر الصراع بين الطرفين مئات السنين، وقد انتزعت روسيا حق الملاحة في البحر الأسود والمضائق التركية عبر سلسلة اتفاقيات كانت أولاها بعد انتصارهم على الأتراك في عهد الإمبراطورة كاترينا الثانية بتوقيع «معاهدة كانجاري» عام 1774، ولم تتوقف حروب القرم إلا عام 1917 عندما قامت الثورة البلشفية في روسيا، ما أدى إلى انسحابها من الحرب العالمية الأولى.
وتقوم العلاقات الحالية بين تركيا وروسيا الاتحادية على زهاء 60 وثيقة أساسية من الاتفاقيات الثنائية، لكنّ تموضع أنقرة عسكرياً ضمن حلف «الناتو»، وسياسياً ضمن التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، مثّل عائقاً أساسياً في طريق تطور العلاقات، ومحو التاريخ المشترك المليء بالدماء.
إن توسع حلف شمالي الأطلسي، ومحاولاته المستمرة لتطويق روسيا، وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، يمثلان هاجساً لدى الروس، وموسكو في نهجها الجديد نحو بناء جسور الثقة مع الدول على أساس موقفها من هذا المشروع، ومدى انخراطها فيه أو ابتعادها عنه. وتضاف إلى ذلك، الخشية الروسية من نصب الدرع الصاروخية الأميركية في دول الناتو القريبة من الحدود الروسية، وفي هذا السياق لطالما حذّر الروس الأتراك من مغبة الموافقة على نشر أجزاء هذه الدرع على أراضيهم.
ومع اشتعال النار في سوريا، الحليف الأبرز لموسكو في الشرق الأدنى (يضم الشرق الأدنى بحسب التوصيف الروسي: سوريا والعراق ولبنان والأردن وفلسطين ومصر وإسرائيل، بينما يضم الشرق الأوسط: أفغانستان وإيران وتركيا)، لم يبد الروس انزعاجهم الحاد من الموقف التركي حيال حليفتهم، وهم تعاملوا مع جموح حكومة رجب طيب أردوغان بمرونة وتفهم، ودون عدائية. كان ذلك قبل أن تطلب تركيا نشر منظومة «باتريوت» على أراضيها، والتذرع بالخشية من تهديد الصواريخ السورية.
لقد مثلت هذه المحطة نقطة افتراق بارزة بين الروس والأتراك، في ظل غبار الأزمة السورية، وعلى أثرها بدأ الروس بإظهار أنيابهم في محيط تركيا، وبدل أن يؤدي نشر الصواريخ إلى تضييق خيارات سوريا ومحاصرتها، جاءت النتائج عكسيّة، بتوسيع الخيارات السورية، وتضييقها أمام الإدارة التركية، التي وجدت نفسها في مواجهة موسكو نفسها، بعدما كانت تواجه حليفتها دمشق.
الروس تعاملوا في صيف 2008 مع موقف شبيه (من ناحية الأهمية الاستراتيجية) في جورجيا، حين سحقوا قوات ساكاشفيلي خلال ساعات، واعترفوا باستقلال إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية. يومها بدا أن الروس لم يعودوا يكترثون لأية اعتبارات في ما يخص الأخطار التي تهدد أمنهم القومي. إن الاهتمام الروسي المكثّف بالمنطقة لا يمكن حصره في الدور السياسي الذي تريد موسكو الحفاظ عليه، وتقويته، بل إن لحرب الغاز دورها الرئيس في تأصيل هذا الاهتمام وزيادته إلى حده الأقصى، الذي تصبح معه الحروب تستحق أن تخاض. فمن جهة المخزون، تبيّن أخيراً أن الساحل السوري يحتوي على كميات هائلة من النفط والغاز، حتى يمكن القول إن أهمية قاعدة طرطوس العسكرية الروسية باتت تُستمد من ثروات شاطئ طرطوس، فضلاً عن أهميتها للأسطول الروسي ووجوده في المتوسط. ومن جهة تمديدات خطوط نقل الغاز والنفط، تمكنت روسيا من تحقيق خطوات هائلة في آسيا الوسطى، وهي تعوّل على نتائج الأزمة السورية لتستكمل إنجازاتها في الشرق الأدنى، مستبعدةً حلفاء الولايات المتحدة في الخليج وتركيا من فوائد هذه الخطوط.
إشارات عديدة شهدتها منطقة الساحل السوري تحديداً، أجهزة تجسس إسرائيلية تكتشف في جزره، طائرات حربية تركية تسقط فوق مياهه، سفن روسية لا تفارق المنطقة، يواكبها تشدد لا سابق له في الموقف السياسي الروسي حيال أية حرب محتملة ضد سوريا. اللعبة إذاً، نفوذ سياسي استراتيجي، مصالح اقتصادية هائلة، ومنطقة يعاد تشكيل مساحات نفوذ القوى الكبرى فيها، وتجاذب دولي على شكل العالم الجديد، بين قوى الغرب (بزعامة أميركية) التي تريد إبقاء أفضليتها بالتدخل من دون التزامات في أي مكان، وقوى الشرق والقوى الصاعدة (بزعامة روسية)، التي تريد للتوازنات أن تحتكم للقانون الدولي ومضامين المنجزات السابقة كمنظمة الأمم المتحدة، والمعاهدات والأعراف الدولية.
وفي سياق هذا التجاذب، نشهد منذ بداية العام الحالي إشارات عسكرية روسية إلى قرار سياسيٍ صارم بعدم التهاون مع مهددات المصالح الروسية في المنطقة. وتعلم موسكو أن التهديد الأبرز لمصالحها (وخاصةً في سوريا) يأتي من موقف أنقرة، وحدود تركيا المفتوحة ناراً على سوريا، كما يعلم الروس أن نقطة نهاية الأزمة السورية يجب أن تسبقها بالضرورة نقطة أخرى في آخر سطر التدخل التركي المؤذي لسوريا، وخاصةً أن هذا الدور يتضمن إرسال مقاتلين إسلاميين متطرفين من الأراضي التركية جنوباً باتجاه سوريا، فما الذي يمنع أن تتحول وجهة هؤلاء من الأراضي التركية شمالاً باتجاه القوقاز الروسي، أو باتجاه الداخل الروسي، إلى الشيشان وداغستان؟
في الشهر الأخير من العام الفائت، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مؤتمر صحافي مشترك مع أردوغان أن نشر الباتريوت سيزيد التوتر في سوريا، مضيفاً «يقولون إنه اذا كانت بندقية معلقة على جدارك في بداية لعبة، فستُستخدم بالتأكيد لإطلاق النار في نهايتها». هذا المثل يمكن أن ينطبق على بنادق السوريين، وحتى الروس فيما لو دعت الحاجة، ومعناه أن الخيارات العسكرية تكون دائماً بحسب الحاجة إليها، وأن الباتريوت الذي دخل مجال الاستخدام المعنوي ضد سوريا وروسيا، يمكن أن يُستدرج الطرف المقابل إلى إنزال سلاحٍ أشد فتكاً من على حائط موسكو ودمشق، وهو ما جرى بالفعل مع تسليم سوريا منظومة «إس 300» (هذه المنظومة تفوق منظومة باتريوت بالعديد من صفاتها). ومن المفيد هنا التذكير بأنه في عام 2006 اشتركت شركة الصادرات الدفاعية الروسية في المناقصة التركية الكبيرة لتزويد تركيا بمنظومات الدفاع الجوي «س-300 بم 2 فافوريت»، هذه المنظومة تحديداً أصبحت بحوزة سوريا اليوم.
بوتين الذي بات اليوم ممسكاً بقوة بالإرادة الروسية، يبدو متحفزاً لتحقيق تطور نوعي في موقع بلاده على الساحة الدولية، وهو يرى في ما يجري اليوم على الساحة السورية مدخلاً لذلك، وليس هناك في العالم من يستطيع ثنيه عن إعادة بلاده إلى مصافّ الدول العظمى، كما أنه ليس هناك في روسيا من يستطيع التأثير على خياراته الخارجية، وهذا تفصيل يميز قوة بوتين الداخلية عن قوة أردوغان مثلاً، في ما لو جازت المقارنة.
فبحسب كتاب «عودة روسيا إلى الشرق الكبير» للكاتب الروسي س. غ. لوزيانين فقد طرح عام 2000 على ممثلي وسائل الإعلام الجماهيري الروسية النخبوية، ومراكز التحليل، السؤال التالي: من الذي يحدد في خاتمة المطاف سياسة روسيا الخارجية؟ وجاء الجواب 80% منهم: إن من يرسم سياسة روسيا الخارجية هو بالدرجة الأولى بوتين نفسه، وبدرجة أقل حاشيته»، وبالتأكيد فإن بوتين اليوم أكثر قوة.
ومنذ بداية العام الحالي لم تهدأ المناورات الروسية في البحرين الأسود والمتوسط. ففي الشهر الأول من العام، أجرت روسيا مناورات واسعة على الشواطئ الشمالية للمتوسط، وفي 28 آذار أصدر بوتين على نحو مفاجئ أمراً بإجراء أوسع مناورات عسكرية في البحر الأسود، شارك فيها سبعة آلاف شخص، و36 سفينة من سيفاستوبول ونوفوروسيسك و250 عربة مدرعة و50 مدفعية و20 مقاتلة ومروحية. وجرى ذلك وسط أنباء عن تهديدات روسية لأردوغان بعدم التعرض للسفن الحربية التي تعبر المضائق التركية.
والجديد في هذا النشاط العسكري الروسي هو الإعلان عن إجراء اختبار في المتوسط الصيف المقبل للصاروخٍ البالستي الجديد «سكيف»، وهو من خلال نظام الانتظار قادر على البقاء في قاع البحار، والتحرك عند إعطائه أمرا للقضاء على الأهداف الأرضية والبحرية. ويبقى من غير المعروف هل هناك تشابه بين الصاروخ «القاعي» البالستي الجديد «سكيف» والصاروخ السوفياتي «Р-29РМУ2».
كذلك جرى الإعلان في الأيام القليلة الماضية عن مناورات جديدة تجريها على نحو مشترك السفينة الكبيرة المضادة للغواصات «سيفيرومورسك» التابعة لأسطول الشمال الروسي وسفينة الإنزال الكبيرة «آزوف» التابعة لأسطول البحر الأسود في وسط بحر «إيجه» للتدرب على تنفيذ المهمّات المشتركة. وكانت السفينتان قد انضمتا أخيراً إلى مجموعة السفن الروسية في المتوسط.
في المقابل، أعلنت واشنطن أنها تستعد في اليوم نفسه لاختبار الصاروخ البالستي العابر للقارات «مينوتمان 3»، في تجربة أرجئت في نيسان لعدم تأجيج الأزمة مع كوريا الشمالية. وقال الكولونيل ريتشارد باليوكو قائد سرب التدريب الـ576 في بيان له إن «هذه التجارب مناسبة لإظهار جاهزية صاروخنا البالستي العابر للقارات».
كان الروس يوصفون بـ«أسياد البرّ» عندما كان البريطانيون «أسياد البحر» بأساطيلهم الذائعة الصيت، ولكن أسياد البر باتوا بفعل الأزمة السورية أنشط القوى الكبرى في بحار الشرق. وهم بنشاطهم هذا يشددون الخناق على التفوق الأميركي في المنطقة، الذي أضحى مشككاً فيه اليوم أكثر من أي وقت مضى، ويحاصرون تركيا بصورة تقلص خيارات أردوغان إلى ثلاثة:
1ــ التراجع عن أداء دور رأس الحربة ضد روسيا وحلفائها في المنطقة.
2ــ تبديل تركيا لجلدها وإجراء تغيير في الحكومة والنهج.
3ــ استكمال المواجهة حتى آخرها والمخاطرة بتركيا نفسها.
* باحث لبناني