لنقرر ابتداءً أنّ الاختلاف في السياسة مفتوح على أقصى ما يصل إليه أفق الاختلاف، لأن السياسة بنت الديموقراطية، وأن الأخيرة وحدها تجعل الحق في السياسة مدخلاً إلى الحق في التحرر منه، بتعبير جورج طرابيشي. ما ينطوي على تهديد دائم هو ضراوة الجنوح نحو إخضاع السياسة، بوصفها فعلاً متغيراً، للثابت الديني، بما يجعل السياسة طقساً دينياً خالصاً، وليس فعلاً يسترشد بالأخلاق والقيم الدينية. إن مجرد التوسّل بالمتعالي لتحقيق غرض الطاعة، باعتبار أن الالتصاق بالمقدّس يبتغي الوصول إلى شريحة من الناس تستقبل عبره الرأي البشري دون جدال... أي تحويل السياسة إلى فعل ديني يؤسّس لسلطة شمولية تحتكر حق الحكم في الأرض وحق النطق باسم السماء. إن التعاضد القهري بين الغلبة والتوظيف السياسي للدين لا يستهدف أكثر من تحقيق مشروعية السلطة بالمعنى العام لها، بما في ذلك سلطة المعرفة الدينية.

ندخل هنا إلى موضوعة تديين، أو بالأحرى، مذهبة الاختلاف السياسي، التي تتغذى هذه الأيام على النزاعات الأهلية المتنقّلة، منذ انفجار غرائزية مذهبية بعد سقوط النظام العراقي السابق في نيسان (أبريل) 2003.
نحن إذاً إزاء مرحلة نكوص بكل أشكاله، فالربط الديني والمذهبي بأثر رجعي لكل ما جرى ويجري هو تعبير عن خواء وعي محكوم بوعود جوفاء. فمن يستكن لشيعية الشاه محمد رضا بهلوي الذي أسقطته ثورة الشعب الإيراني، و«سنيّة» صدّام حسين الذي زرع العراق بمئات المقابر الجماعية، وجعل من الموت وسيلة حوار مع طلّاب الحرية والكرامة نكن أمام عملية ازدراء لوعي الأمة، فلا «شيعيّة» الشاه منعته من فتح النار على صدور المتظاهرين في شوارع المدن الإيرانية، ولا «سنيّة» صدام حسين عطّلت ماكينة القتل في صفوف الشيعة والسنّة والأكراد.
على الضدّ، ثمة في نظام المعنى الديني ما يحرّض على الانحياز للقضايا الحقّة والعادلة، وفي مقدّمها قضايا الشعوب التي تعرّضت بلدانها للغزو الأوروبي. وهنا، فحسب، يتبيّن ما هو إسلامي عام بمضمونه الأخلاقي وما هو مذهبي بمضمونه الطائفي والذاتي، ببساطة لأن الحسابات المذهبية في السياسة ليست سوى طائفية رثّة.
فما الذي يربط، على سبيل المثال، العالم الشيعي الشيخ حسن علي البدر القطيفي في شرق الجزيرة العربية بالشعب الليبي حتى يكتب رسالة فقهية بعنوان «دعوة الموحّدين إلى حماية الدين» يحرّض فيها المسلمين كافة على الجهاد ضد الغزو الإيطالي على ليبيا في تشرين الأول (أكتوبر)1911؟ كذلك طالب كبار علماء الشيعة في النجف وكربلاء بـ«وجوب اتحاد كافة المسلمين في حفظ بيضة الإسلام وحراسة جميع الممالك الإسلامية عثمانية وإيرانية وصونها من تشبّثات الأجانب وهجوم الأعداء»؟!
وما الذي يربط الزعيم جمال عبد الناصر بالشيعة حتى يخرجوا بمئات الآلاف في شوارع العراق وبلاد الشام وشرق الجزيرة العربية والبحرين تأييداً له؟!
ولماذا يخرج آلاف الشيعة في القطيف دعماً لمقاومة سكّان غزّة ضد العدوان الإسرائيلي عام 2008، فيما كانت فتاوى تحريم التظاهرات تصدر في الرياض من قبل المفتي وأعضاء هيئة كبار العلماء وتصفها بالغوغائية؟!
وقد فتّشت في أدبيات الفتاوى الوهابية ومجاميعها منذ التحالف التاريخي بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود سنة 1744، فلم أعثر على فتوى واحدة تشتمل على معاضدة من أي نوع لأي من قضايا العرب والمسلمين... نعم، صدرت فتاوى في العقود الأخيرة بوحي من إملاءات السلطة السياسية، كفتوى جواز الصلح مع إسرائيل، وجواز استقدام القوات الأجنبية الكافرة، بعد أن كانت محرّمة إبان الصراع مع الزعيم جمال عبد الناصر.
اعتناق عقيدة تكفيرية
الحديث الانقلابي للشيخ يوسف القرضاوي في الدوحة ينطوي على إدانة لمشروع التقريب بين المذاهب والبراءة منه، ما يعني:
ــ تخطئة كل من شارك في مشروع التقريب، وهم علماء كبار منهم من استلهم الشيخ القرضاوي أفكاره منه مثل المرحوم الشيخ محمد الغزالي الذي كتب في التقريب بمنهج العارف بخبايا الاختلافات بين المذاهب ولم يخضع تحت تأثير المال الخليجي.
ــ تكفير الشيعة، فاستبدال القرضاوي مصطلح «مذاهب» بـ«فرق»، يشي بموقف عقدي، وقوله بأنّه خُدع مثل غيره وأن علماء السعودية هم من سبقه في اكتشاف حقيقة القوم، أي الشيعة، يلمح إلى تبنيه لعقيدة تكفير الشيعة. فإذا كان الأمر على هذا النحو، فليستكمل الشيخ القرضاوي اكتشافات علماء الوهابية كيما ينجز بصورة كاملة الانتقال العقدي، ومنها النيل الشخصي منه، حيث فاضت كتابات الوهابية بألفاظ نابية يربأ الإنسان السويّ، فضلاً عن المنتسب إلى دين عنوانه «مكارم الأخلاق» أن يستعملها في أي مساجلة فقهية أو عقدية. من بينها «الكلب العاوي...»، و«أجهل من حمار...»، و«قرد»، و«خبيث»، و«من علماء السوء»، وبإمكان المرء أن يعود إلى قائمة الشتائم الوهابية له عبر محرّك البحث على الشبكة، وبعضها عناوين لكتب أصدرها مشايخ كبار في الوهابية من بينهم الشيخ صالح الفوزان، عضو هيئة كبار العلماء، والشيخ مقبل بن هادي الوادعي، وكان من أبرز علماء الوهابية في اليمن، والشيخ عبد الكريم الحميد... إلى جانب فتاوى تخرج الشيخ القرضاوي من الإسلام مثل فتوى الشيخ ناصر الدين الألباني بأن «دراسته أزهرية وليست دراسة منهجية على الكتاب والسنة، ويفتي الناس بفتاوى تخالف الشريعة، وله فلسفة خطيرة جداً، إذا جاء بالشيء محرّم في الشرع، يتخلّص من التحريم»، وفتوى الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، عضو سابق في هيئة كبار العلماء، ينصح فيها بعدم الاستماع إلى فتاواه «وعليك أن تحذرها وأن تتمسك بالحق وتعرفه». أما الشيخ مقبل الوادعي فقال «إنّ الشيطان قد تفرّغ له ليلقي له شبهاته. وهذا لا يعلمه إلا من أطلعه إبليس على سرّه»، وقد مات هؤلاء ولم يصدر عنهم خلاف ذلك.
أما على مستوى المواقف الوهابية من المدارس الإسلامية السنيّة، فجاء في كتاب «التوحيد» لمؤلفه الشيخ صالح الفوزان، عضو هيئة كبار العلماء، والمخصص للصف الأول ثانوي، والصادر عن وزارة التربية والتعليم لسنة 1424هـ الموافق 1999، وصف الأشاعرة «وهم أغلبية المسلمين السنة» والماتريدية بالشرك، وقال عن المشركين الأوائل: «فهؤلاء المشركون هم سلف الجهمية والمعتزلة والأشاعرة». وأخرج الشيخ محمد بن صالح العثيمين في كتابه «القول المفيد على كتاب التوحيد» أكثر المسلمين من دائرة الإسلام، وقال ما نصّه: «ما أكثر المسلمين الواقعين في شرك العبادة». ونفى صفة «أهل السنّة والجماعة» عن المسلمين السنّة، لأنهم غير متمسّكين بالسنّة. واعتبر في محاضرة له في بدايات أيار (مايو) 1992 أن الأشاعرة والماتريدية من أهل البدع، وليسوا من أهل السنة والجماعة. وطاول التكفير طوائف أخرى من المسلمين مثل الجهمية، وقيل عنهم إنهم «ضلال زنادقة مرتدون» كما ورد في كتاب «الدرر السنيّة في الأجوبة النجدية، ج10، ص 10، 430». وقد صدرت كتب وفتاوى وبيانات في الجهمية تؤكّد هذا الموقف العقدي.
هذه الاكتشافات العقدية، بإضافة اكتشاف كفر الشيعة وضلالهم وارتدادهم حسب الرؤية الكونية الوهابية، كفيلة بأن تؤسس، بكل بساطة، لحرب أهلية طاحنة ومفتوحة بين المسلمين، فالعقيدة الوهابية تقوم على ثلاثة أضلاع: تكفير الآخر، ثم هجرته واعتزاله، وثالثاً إعلان الجهاد عليه.
فهل تنكّب القرضاوي من التقريب يستوجب التماهي مع الخطاب الطائفي الوهابي... وقد كنت أتطلع لأن يعاد النظر في المشاريع الخائبة المسؤولة عن إنتاج عقائد تنزيهية تخفّف من غلواء النزعات الدغمائية في الوسط الإسلامي، ولكن حين نصطدم بنكوص معرفي وخطابي بهذا المستوى نكون قد وقعنا في فخ السجال المذهبي العقيم، ولكن خطورته الآن تكمن في تسييل هذا السجال في صدامات دموية.
الكلام الغارق في المذهبية لدى الشيخ القرضاوي بكل البؤس المريع الذي يحيط به لا ينتصر على ما تعلّمه وما يمكن أن يفيد لأجل مقاربة موضوع لا يعلمه الأولون. ما يقوله القرضاوي هو ضد التفكير، بل خارج مناهجه، وتبدو الذاتوية (subjectivism) راسخة في المواقف الإجمالية التي أطلقها القرضاوي ضد الشيعة عموماً حين صنّفهم في خانة الفرق، لا المذاهب، كي يخرجهم من دائرة الإسلام، وعلى الطريقة الوهابية. ولأن التعميم خصم لدود للعقلانية كأداة فهم وتفسير وتقويم، فإن الأحكام التي أصدرها الشيخ القرضاوي تندرج في ما يعرف في الأدبيات الدينية بتكفير العموم.
والسؤال الكبير: هل يستوجب الانقلاب على مشروع التقريب التماهي مع المشروع الوهابي بكامل حمولته، بما في ذلك معجمه الشتائمي؟!
وأختم بكلمة للشيخ القرضاوي: لم يخسرك التقريب ولن يربحك التوهيب.
* كاتب وناشط سياسي