عاد إبريق الزيت الطرابلسي يروي رواياته: قتل وموت وتهجير، أبطالها القوى السياسية المختلفة المتواجهة في جزء من مدينة طرابلس هي أحياء ومسميات تشعر بأنها عالم قائم بحد ذاته، تمتد من سوق القمح حتى الملولة، مروراً بالشعراني والبقار وبعل الدراويش، تمارس حياتها وموتها وصراعاتها كأنها الأمة الممتدة من المحيط إلى الخليج.

تتواجه القوى السياسية على خطوط التماس برموز أحيائية بات يطلق عليها لقب كبير: «قادة المحاور»، تبنى فيها حالة شديدة الخصوصية وشديدة المحلية، لكنها تأخذ ذاتها إلى المدى الاقليمي، لأنها خالت نفسها ذات يوم أنه بامكانها تغيير التاريخ، وربما الجغرافيا أيضاً. وقد أظهرت تطورات الأيام الأخيرة، بما حملت من تصريحات، ومواقف أن التبانة حالة غاصت في تاريخ خاص بها يميزها عن بقية المدينة، حيث تبنّى الناس منطق الحرب الطويلة الأمد، فراحوا يعدون أطفالهم ونساءهم لاستخدام السلاح، موجهاً نحو الخصم الأبدي، الحي المقابل، كأن حالتهم دائمة وأبدية ولا مخرج منها في المدى المنظور.
يتبنى المقاتلون والسكان من خلفهم، في باب التبانة، ثقافة المواجهة المديدة مع «العدو» بعل محسن، فتصبح المواجهة الباردة حيناً والحامية أحياناً أخرى، جزءاً من عقلية المجتمع، ويصبح العمل العسكري جزءاً من باقي الأعمال الاجتماعية والحياتية، ويفترض بكل انسان أن يتقن السلاح «دفاعاً» عن «الكرامة» علناً، وتأمين سبل العيش ضمناً. وبين وهم البطولة، ورسائل اللعبة الأمنية المختلفة الأبعاد، دفعت المدينة ذاتها، هدرت نفسها وقوتها وتاريخها وموقعها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وباتت أشبه بالقفر الذي لا يقصده قاصد، ولا يجول فيه إلا صاحب الضرورة القصوى من سكان لم يكن لهم مكان يذهبون إليه ليهجروها كعشرات الآلاف الذين سبق أن رحلوا.
واليوم، ومع تكرر الأحداث، وتواترها، يطرح الناس في المدينة وخارجها: ماذا بعد؟ وإلى أين؟ ما آخره ابريق الزيت الطرابلسي؟ ألم يكف القوى السياسية المختلفة استهتاراً بالمدينة وسكانها ومستقبلها وتاريخها وتراثها!؟
أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات دفعت أكثر مناطق طرابلس فقراً وحرماناً وتهميشاً، باب التبانة ومحيطها، وأحياؤها كلها، الأثمان الباهظة من حياتها، والأسوأ: الانقسام، وتهديد الوحدة الاجتماعية للمدينة التي تحمي حياتها ومصالحها، وتؤمن بيئة فضلى لنموها ومستقبل أجيالها.
وفي خضم الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، رفعت المنطقة راية المقاومة والثورة الفلسطينية وحمايتها وشعارات التغيير والانفتاح ونبذ الطائفية. كانت جدرانها مغطاة بعبارات التنديد بالمخططات المستهدفة للمقاومة، وبالعدوان المتمادي عليها من قبل العدو الإسرائيلي وأعوانه في الداخل، وبإرهاب السلطة، ومعاملتها لأحياء المدينة على قاعدة، «حي بزيت وحي بسمنة». ولم يخل حي من عبارة «لا للطائفية. نعم لوحدة الشعب».
تطورات كثيرة وقعت في عقد من الزمن، وجرت معارك وحروب لم يكن أحد يخطط لها، أو يريد أن تصل إلى ما وصلت إليه من تقاتل وقتل وتدمير وتخريب لم يستفد منه إلا سياسيون وظفوا تلك المعارك التي كانت تندلع بين وقت وآخر في بازارهم لتحسين مواقعهم.
كان الشباب لا يزالون يتقدمون حماسة بشعارات التغيير والثورة وحماية المقاومة، لكن الأحداث التي شكلوا هم وقودها لم يستطيعوا توظيفها لتحسين مناطقهم، وسبل عيشهم، وظروف حياتهم، ولم يبق أمامهم سوى شعار واحد يعيشون عليه وهو الدفاع المستميت عن وهم اسمه «الكرامة» عندما فقد أي تبرير سياسي منطقي للأحداث، فخسروا زهرة شبابهم، ولم يتسن لهم للحظة التفكير بغد أفضل. وحتى اليوم لا يزال كثيرون ممن نفذ من موت الحرب يعيش اخفاقات تلك المرحلة، واحباطاتها، وانكسار مشروع كان يلامس واقعهم. أما الأجيال التالية فهي تعايش خيالات لحفظات مماثلة من تجربة ممن سبقها من أجيال.
وببلوغ أواسط الثمانينيات أقفل مفل التبانة على زغل كبير، وختمت مأساتها بالمجزرة المروعة التي وقعت عام 1986، كأنه لم يكن من الممكن الخروج من النفق المظلم، والتوجه إلى آفاق حياة جيدة إلا بالمجزرة. كأنه كان واجباً أن يقتل العشرات، وربما المئات من أبناء المنطقة في ليال مرعبة لكن يتوقف القتال والاغتيال، والصراع من دون طائل.
اليوم، أكثر من 35 عاماً مرت على المدينة، وعلى لبنان، والمنطقة، وكان من المفترض أن تتطور الأوضاع نحو الأفضل، ليس الأفضل بالمطلق، بل أي أفضل ممكن. وكان من المتفرض، خصوصاً بعد اتفاق الطائف، ودخول البلاد مرحلة السلم الأهلي، أن ينال عشرات الآلاف من أبناء المنطقة، لكونهم بشراً ويستحقون الحياة وقع مسؤوليتهم في رقاب مسؤولي دولتهم، بعضاً مما يستحقون بالحد الأدنى من تنمية وتحديث وبناء مجالات عمل تخفف البطالة، وتخرج من تبقى حياً من الأجيال التي خرجت من تداعيات الحرب من حال الاهمال والبطالة والتهميش، إلى حيز حياة ولو شبه طبيعية.
هدأت المدينة، وختمت الجراحات لكن على زغل كبير بمجزرة كبيرة، لكنها هدأت، وفتحت البلاد على مجالات المشاريع الكثيرة التي صرفت بعض أموالها في التنمية، وأوقعت البلاد في العجز التاريخي بسبب الهدر والفساد، لكن باب التبانة ومحيطها لم تكن في حسبان رجال دولة الطائف أو ما يعرف بمرحلة الوصاية الملخص بالحكومات المتعاقبة مع الرعاية السورية، فلم تنل بعضاً من فتات كان يمكن أن يتساقط على طريق الهدر الكبير.
وفي زمن السلم الأهلي، ومن دون تدخل السلطة ومن فيها ممن يعنيهم الأمر، واجراء مصالحات بين أبناء الأجيال المتخاصمة، كان يمكن أن تؤسس لمتانة اجتماعية مستقبلية، عاد شيء مما دمر في التبانة، وحصلت مصالحة تلقائية بين احيائها الفقيرة التي تصارعت على ما لا تعرف... على لا شيء، لأنهم ليس لديهم ما يتصارعون عليه... ويوم تقاتلت فإنما دون أفق، وعادت الألفية لتجمع أبناء الأحياء لسنوات طويلة، وعاد شارع الذهب يستعيد بعضاً مما خسره. لكن الشباب ظل شبه تائه يبحث عن مصدر للعيش، قلة تدبرت أمرها، والباقون استمروا في البحث لفتح افق جديد، وعن قوة سياسية تعبر عن طموحات أبناء منطقتها، مع طفرة شعارات طبقة سياسية جديدة متصدرة للساحة بعد اتفاق الطائف من رجال المال وغيرهم لتحسين وإنماء تلك الأحياء الطموحة والحالمة برغم كل الانكسارات.
صدّق أبناء المنطقة الشعارات الجديدة، وهرعوا إلى مكاتب السياسيين يتلقون بعض مساعدة لا مفر منها ولا بديل لها إلا الجوع أو المرض، أو الموت، بذلك أسسوا للمكاتب السياسية وأصحابها قاعدة ستستثمر لاحقاً في الأحداث القادمة. سيطر الهدوء الأهلي، لكن الأزمة الاجتماعية تواصلت، ورجال السلطة منخرطون في مصالح اقليمية ودولية، لا تهمهم البلاد ولا عبادها حتى إذا حل استحقاق ما استحضروا كل مفردات التحريض والتعبئة، ولو بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، فنكأوا الجرح وأعدوا الجولات مرة لمصالح انتخابية، ومرات في صراعات اقليمية ودولية.
لا شك في أن الدور السوري قد ساهم بشكل كبير في تهميش دور المدينة، وتعطيل دورة الحياة السياسية فيها، مما أفقدها دورها التاريخي كعاصمة ثانية، وتمت معاقبتها مرتين: عند اغتيال خليل عكاوي كشخصية قيادية طموحة قادرة على تحريرها من براثن الاقطاع السياسي والطائفي والنهوض بها نحو الحياة، ومرة ثانية في مجرزة باب التبانة من أجل كسرها واخراجها من دائرة الفعل.
لم تكن دولة الطائف منصفة في انمائها، وتعويضها، وإعادة بناء ما تهدم. كأن المقصود استكمال معاقبتها كمنطقة تمثل ثقلاً شعبياً يحمل إرثاً نضالياً. إن دخول البلد في مرحلة ما بعد الطائف وبروز طبقة سياسية ممزوجة بين عقلية الاقطاع السياسي، والاقطاع الطائفي، أي لا يكتفي باقتطاع حصته، بل يطمع في احتكار طائفته أيضاً، فأدخلت المدينة في منطق جديد من الممارسة السياسية، وهو غياب البرامج والمشاريع السياسية، وتحويل الناس إلى مفاتيح انتخابية بدلاً من بشر طامحين لهم تطلعات واهداف لمستقبلهم ومستقبل أولادهم، فعزز ذلك قطيعة شرائح اجتماعية واسعة مع ماضيها، وأضحت العلاقات بين الجمهور والسياسيين أشبه بالارتهان والتبعية لهذا الزعيم أو ذاك.
في بلد لم ينصهر وطنياً، واستمر الولاء للطائفة، من الطبيعي أن تتأثر حالة كهذه بالمتغيرات الاقليمية والدولية، وهذا ما يحصل الآن من اهتزازات أمنية ليس بالضرورة أن تكون مرتبطة بالحراك الجاري الآن في المنطقة، من ثورات وغيرها وخاصة سوريا، وليس صحيحاً أن ما يجري حالياً من اشتباك مرتبط بمعركة القصير، فليس من أي تأثير على توترات طرابلس على تلك المعركة. وليسأل نفسه من يعتقد ذلك عن أي تأثير لطرابلس على القصيرة البعيدة، والمحاصرة، ويتراءى بوضوح أن الصراع محلي الأبعاد، وأكثر ما يمكن قوله إنه ربما استفيد من اندلاع معركة القصير، وحساسيات النفوس إزاءها، لتفجير الوضع الطرابلسي، واتخذت القصير غطاء وحجة لاعمال بأهداف أخرى، محليتها أكبر اتساعاً بكثير من اقليميتها.
وبوجود طبقة سياسية تريد تحسين مواقعها على حساب البلد، يصبح من السهولة استحضار مفردات الحرب والتحريض، والطامة الكبرى التقاطع الحاصل بين القوى، طرف يريد أن يرث الحكومة، أو يحجز مكاناً في بوسطة الانتخابات القادمة، وآخر يريد أن يرث الشارع بأي طريقة. هذا التجاذب على التركة قد دفع الأمور إلى ما وصلت اليه، بدون مردود على هذه المناطق المحرومة والتي ترزح تحت خط الفقر. هذه المناطق تحتاج إلى بلورة إطارها والتعبير عن نفسها كفئة لها الحق بالعيش والحياة وأن تنال حظها من التعليم والانماء والاعمار والتحديث، بدلاً من التحويل إلى أرقام في صراع عبثي.
* كاتب لبناني