مقتل خمسة من البحرينيين (بعضهم مجنسون) في غضون أسبوعين (نهاية أيار/ مايو وبداية حزيران/ يونيو 2013) في جبهات القتال في سوريا، أثار مزيداً من الأسئلة على مدى التورط الرسمي البحريني والخليجي في المسألة السورية المتفاقمة.


وتزامن إعلانات مقتل الشبان الخمسة مع زيارة عدنان العرعور أبرز الشخصيات الداعمة للمسلحين المناهضين للنظام السوري، إلى منطقة الرفاع (جنوب المنامة)، التي تقطنها العائلة الخليفية الحاكمة، وقيامه بحملة تبرع لدعم المجهود الحربي ضد النظام السوري.
وفي الواقع، لم يعرف أن البحرين تلعب دوراً إقليمياً كما هي محاولات دولة قطر والسعودية، بيد أن محاولات النظام الخليفي للتعمية على الحراك الداخلي المطالب بالديمقراطية، جره إلى استخدام الكثير من الأوراق، التي تفادى استخدامها على هذا النحو الفج في مواقف شبيهة، لعل أبرزها أحداث العراق الدامية، التي مدها السعوديون خصوصاً بقوافل من «المجاهدين»، فيما حاول النظام البحريني، قبل ثورات الربيع العربي، مد جسور مع التيارات الشيعية في بغداد، والحوزة الدينية في النجف، وتفادى نقد النظام العراقي على النحو الذي عادة ما تقوم به المجموعة العربية والخليجية. بل وسبقت السلطات البحرينية (2008) غيرها من الدول الخليجية المجاورة في تعيين سفير لها في بغداد في محاولة للتأثير على صانع القرار العراقي في ضوء التوتر شبه الدائم الذي تعيشه البحرين، والذي تعتقد سلطات المنامة أن كثيراً من القوى العراقية تنحاز فيه لجانب المعارضة، وعموماً فإن تلك السياسة البحرينية قد تغيرت عام 2011، وتم وضع إيران والعراق ولبنان في سلة واحدة باعتبارها دول داعمة للمعارضة البحرينية.
أما في الحالة السورية، فإن الصورة الفاقعة للتورط البحريني قد تفجرت في آب/ أغسطس 2012 حين دخل نواب موالون للسلطة البحرينية الأراضي السورية بطريقة غير قانونية للتعبير عن دعمهم المسلحين الممولين خليجياً وغربياً. وضم الوفد كلّاً من النائب الثاني لرئيس مجلس النواب الشيخ عادل المعاودة، والنائب عبدالحليم مراد والنائب السابق حمد المهندي، وجميعهم ينتمون إلى كتلة الأصالة السلفية، المقربة جداً من القصر الملكي.
وكدليل إضافي على القرب بين الأصالة والنظام، فقد عين غانم البوعينين حين كان يرأس «الأصالة» وزيراً للدولة للشؤون الخارجية في نيسا/ ابريل 2012.
لذا، فإن التحشيد للمسلحين في سوريا ودعمهم مالياً ولوجستياً يتم بطلب حكومي بحريني، وليس فقط ضوء أخضر منها، وتتصدر واجهاته شخصيات قريبة من السلطة، لأسباب عدة: الأول: السيطرة على التدفقات المالية والبشرية الذاهبة إلى سوريا، وضمان عدم وقوعها في «أيد غير أمينة». والثاني: الإظهار للرأي العام المحلي الموالي والإقليمي المعبأ طائفياً والدولي المناهض للنظام السوري بأن آل خليفة جزء من النهج الاقليمي والدولي الدامي في سوريا.
أما الهدف الثالث فهو ذلك المتعلق باستثمار الحدث السوري داخلياً عبر تحشيد الجماعات الموالية (أغلبها من السنة) ضد المعارضة (أغلبها من الشيعة)، واعتبار ما يحدث في البحرين جزءاً من المؤامرة «الصفيونية» ضد العرب السنة، وإحراج الجماعات المعارضة التي أبدت تعاطفاً مع المطالب السورية في الديمقراطية، لكنها لا توافق على النهج العربي الرسمي المؤيد لسفك الدم في سوريا.
بيد أن الهدف الرابع، وهو الأخطر، يتعلق بمنح شرعية للميليشيات والأجهزة العسكرية شبه الرسمية لقتل المواطنين المعارضين في البحرين، ذلك أن إنخراط السلطات الرسمية في دعم المسلحين في سوريا يهدف إلى التحضير النفسي والعسكري لانخراط القوى الشعبية الموالية في عنف مباشر ضد المعارضة البحرينية إذا ما احتاج الأمر إلى ذلك، تحت شعار: «الموت من أجل الدفاع عن الوطن أولى»، بمعنى إذا كان الموت من أجل سوريا واجباً في العرف الرسمي والعرف السلفي، فإنه من أجل منع المعارضة في البحرين من الوصول إلى السلطة، وإن عبر صنادق الاقتراع، هدف يستحق الموت (راجع مقالي في «الأخبار»، الموالون السنة في البحرين: مشروع محتمل للمعارضة الدامية).
لذا، ليس مفاجئاً إن جاء إعلان وفاة الشبان في سوريا متزامناً مع إعلان السلطات البحرينية «منح صلاحيات خاصة لأعداد من المواطنين لوقف أعمال التدمير والتخريب المتصاعدة... وقد أصدرت بطاقات هويات لهؤلاء المواطنين تخولهم توقيف المشتبهين إلى حين وصول الشرطة» (أخبار الخليج، 24 أيار/ مايو 2013).
يجدر الملاحظة هنا أن الملك البحريني طالما تحدث عن احتمالات نشوء عنف البحرين في حال الانتقال إلى الديمقراطية، فيما لجأت السلطات إلى استخدام المليشيات في أكثر من مرة في غضون السنتين الماضيتين، ليس لحاجة أمنية، بل لزيادة القلق المحلي والدولي بأن البديل عن الديكتاتورية الخليفية القائمة هو الفوضى، وهي استيراتيجية حققت الكثير من النجاح، خصوصاً في ظل قلق المعارضة من لجوء السلطة إلى مزيد من العنف.
ومع ذلك، لعله يجدر وضع تصريح وزير الداخلية البحريني الذي أدلى به بعد مقتل عبدالرحمن الحمد، أول بحريني يعلن موته على جبهات القتال في سوريا، في إطاره الصحيح. إذ قال الوزير راشد آل خليفة إن «بلاده ملتزمة بالشرعية الدولية في ما يتعلق بالملف السوري»، داعياً الشباب البحريني «إلى الابتعاد عن الدخول في الصراعات الإقليمية والدولية والتركيز بدلاً من ذلك على بناء أنفسهم ووطنهم ومجتمعهم».
ذلك التصريح لا يعبر عن الحقيقة البتة، إلا لجهة القلق من خروج بعض المتطرفين عن السيطرة في إيذاء المعارضة واستهداف المواطنين الشيعة، ومثلاً فإن الحمد قُتل تحت راية «جبهة النصرة»، وبالتالي فإن الخشية نظرياً على الأقل موجودة رسمياً من أن يقوم بعض هؤلاء بما لا يتفق والتكتيك (وليس النهج) أو التوقيت الحكومي. عدا القتيل الحمد الذي يمكن اعتباره سلفياً يوجه نقداً للنظام، فإن القتلى الباقين هم جزء من نسيج النظام الأمني، بمن في ذلك القتيل الخامس عبدالمنعم علي الذي أعلن موته مطلع حزيران/ يونيو 2013، والذي قام بعمليات بلطجة إبان شباط/ فبراير وآذار/ مارس 2011، وظهر حاملاً السلاح أمام بعض المواقع الحكومية.
وباستثناء التصريح اليتيم لوزير الداخلية، لم يصدر عن السلطات تصريح عن عدد المسلحين البحرينيين في سوريا وعدد من قتلوا أو أسروا هناك، وكذا لا يوجد رقم عن حجم التدفقات المالية واللوجستية المقدمة للمسلحين. بيد أن المساجد التي تديرها الأجهزة الرسمية وتفرض عليها رقابة شديدة مازالت مستمرة في عمليات التحشيد ضد النظام السوري، وربطه بالمعارضة البحرينية، باعتبارهما جزءاً من الهلال الشيعي.
والحق أن النظام السوري أيّد التدخل العسكري السعودي في المنامة (آذار/ مارس 2011)، وعبّر عن دعمه نظام خليفة كباقي الدولة العربية الأخرى، فيما اعتبرت المعارضة أنه يجب على النظام السوري الاستجابة لحقوق الشعب السوري المشروعة.
لكن ذلك لم يغير في نهج السلطات التي صعدت لهجتها ضد حزب الله وإيران في محاولة لخلط الأوراق. ورغم أن تقرير بسيوني نفى التورط الخارجي في الحالة البحرينية، فإن الأجواء المتفاقمة تلعب لصالح السلطة ونهجها في تطييف الحراك الشعبي، وربطه بالخارج.
ومؤخراً زار المنامة خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، تعبيراً عن الدعم للسلطة الخليفية ضد المعارضة، بما يضلل الواقع، ويعكس صورة غير صحيحة عن الإشكال البحريني الذي هو في الأساس صراع بين أغلبية مقهورة وأقلية تستفرد بالقرار السياسي والثورة القومية.
وقد ظهر رئيس الوزراء المتشدد خليفة بن سلمان آل خليفة ممسكاً بيد مشعل، في نفس الوقت الذي ظهر فيه الأول ممسكاً بيد عادل فليفل العقيد المتقاعد المتهم بانتهاك حقوق الانسان، كما ظهر مستقبلاً حشداً من السلفيين، بيد أن ذلك لا يفترض أن يضلل الرأي العام، ذلك أن الذي يقف وراء المسلحين في سوريا والميليشيات في البحرين هو القصر الملكي، الذي يمسك بزمام المبادرة في البحرين، ولا يمكن لرئيس الوزراء العمل خارج إطار التعليمات الملكية في مثل هذه الأمور البالغة الحساسية (لمعرفة دور رئيس الوزراء المهمش في القرار، راجع مقالي في الأخبار، البحرين: دكتاتورية بوجه ليبرالي).
وخلاصة القول فإن أهم معاني انخراط السلطة الخليفية في الحدث السوري أنها تبعث بـ«رسالة دم» للمعارضين البحرينيين، الذين ربما عليهم، كما على المجتمع الإقليمي والدولي، أن يدرك أن آليات العمل الراهنة غير قادرة على كسر النموذج الاحتكاري في البحرين، بل إن الوضع الإقليمي قد يمنح بعض الشرعية لعمليات القمع الحكومية للمطالبين بالديمقراطية، فيما الربيع العربي يتقهقر، مما يتطلب أكثر من الحديث عن تغيير الاستراتيجيات، كما تردد بعض رموز المعارضة، إلى تفعيل ذلك عاجلا غير آجل، إذا ما أريد لهذا الحراك النوعي أن لا يعاود تكرار تجارب الخمسينيات والتسعينيات، وينتهي إلى تغييرات محدودة وشكلية تكرس عملياً الواقع الخليفي المستبد.
* كاتب وصحافي بحريني ــــــ لندن