لم يعد خافياً على أحد ميزان القوى في مواجهات الشرق الأوسط، وخصوصاً في سوريا. بدأ الأميركي بالتراجع منذ سنوات عدة إثر فشل العديد من سياساته، وبسبب المقاومة التي قامت بها قوى المنطقة رفضاً لمخططاته لتفتيت المنطقة. انسحب وانتهى إلى الاتفاق النووي مع إيران، عنواناً يتوج المآل الذي وصل إليه.

القوى المنضوية في التحالف الأميركي أصيبت بانتكاسات عديدة، إن على صعيد تركيا التي استطاعت ان تسبب الخسائر الكبيرة في سوريا، لكنها فشلت في تحقيق أي نصر سياسي أو عسكري، أو السعودية وبقية دول الخليج. وما الصراخ الذي يقومون به حالياً إلا من تداعيات هزيمتهم، وتراجع وضعهم، وعدم قدرتهم على تحقيق أي نصر راهنوا عليه منذ بدء الأحداث في سوريا.

إعلان الانتخابات وتبعاته،
تتويج للتقدم الميداني
للجيش وحلفائه

المحور الآخر حقق أكثر من تقدم، أوله إنجاز الاتفاق النووي مع إيران، وفكّ الحصار الدولي عنها، والثاني، الدخول الروسي العسكري المباشر في سوريا كعلامة على تحول الصراع من هجوم المحور الأميركي إلى الدفاع، والمحور الشرقي من الدفاع إلى الهجوم. في هذا الجو المستجد، أعلن الرئيس السوري بشار الأسد عن النية لإجراء انتخابات لمجلس الشعب. الإعلان وتبعاته، تتويج للتقدم الميداني للجيش السوري وحلفائه، وتحدٍّ كبير يلقي به الأسد في وجه العالم: هنا الشرعية، وما عدا ذلك خروج على القانون.
لم يعلن الأسد نيته إجراء الانتخاب لمجلس الشعب من فراغ، فهو يعرف الأثمان التي دفعها، لكنه يعرف أيضاً حجم الانتصارات التي تحققت، والتي بموجبها يمكن إجراء الانتخابات. قد يتساءل كثيرون عن قدرة النظام على إجراء الانتخابات في سوريا، بينما لا تزال المعارضة المسلحة تعمل، وتسيطر على بقع واسعة من الأرض. لكن في نظرة سريعة على المناطق التي يمكن أن تجرى فيها الانتخابات، وحجمها، وحجم سكانها، لأمكن معرفة حقيقة موقف الأسد، وأنه لم يكن مراهقة سياسية كما قد يحلو للبعض التعليق.
على الصعيد الميداني، يمكن ملاحظة الأمور التالية: السيطرة على أجزاء من مدينة حلب وريفها وصولاً إلى محافظة درعا، مروراً بدمشق، والقنيطرة، وحمص، وحماة، وطرطوس، واللاذقية، والسويداء.
النجاحات الأخيرة التي حققها الجيش السوري لا تضع السلطة في موقع المنتصر انتصاراً كاسحاً، بينما وصف أحد المحللين تقدم السلطة السورية بأنه رجحان فائز. ومن دون خلاف على التعابير، فإن النظام حقق تقدماً كبيراً يمكنّه من الدعوة إلى انتخابات شعبية.
وفي نظرة إلى الخريطة السورية، يمكن ملاحظة أن غالبية سوريا المأهولة، وفيها الغالبية الساحقة من السكان من كل أطياف المجتمع، تجري فيها دورة حياة كاملة، وهي تحت سيطرة القوات السورية وحلفائها.
ومن المعروف أن أكثرية النازحين من هذه المناطق هم من أنصار القوى المعارضة، ومن الذين انضووا في صفوفها، وقاتلوا، ولا يزال كثيرون يقاتلون، حتى أن كثيرين منهم سيتخلون عن هويتهم السورية، سعياً الى الحصول على هويات أخرى في المجتمعات التي حلوا فيها، بند مشروط ضمناً للبقاء، والاندماج، والحصول على هوية جديدة حيث وصل أحدهم.
ومن هنا يمكن معرفة سبب قبول النازحين في الدول الأوروبية... لكن بعد تمزيقهم لجوازات سفرهم، وأي هوية تعريف بهم.
في هذه الأجواء، يمكن أن تجرى الانتخابات، فالدولة قائمة، والحياة تسير بصورة طبيعية، وانضباطية عالية. ويرتقب أن تكون نتيجتها معروفة، فغالبية السوريين المعارضين، الذين بقوا في الداخل، وصلوا إلى قناعة أن الحرب يجب أن تتوقف، ولم يعد من طائل من الاستمرار بها، خصوصاً بعد أن خسرت قواتهم المقاتلة غالبية المناطق التي سبق ان سيطروا عليها. وثمة غالبية مرجحة وقفت ضد الحرب على سوريا منذ البداية، عدا عن القطاع الشعبي الكبير المؤيد مسبقاً للنظام، والذي دفع الأثمان الباهظة من أبنائه، وممتلكاته دفاعاً عن الدولة، ومنعاً لسقوطها تحت سيطرة قوى لا أحد يعرف إلى أين كانت ستذهب بالدولة السورية.
لا شك أن رئيس الدولة السورية يعرف خريطة القوى في شعبه، وإلى ماذا تتطلع الغالبية، ولذلك يقدم بثقة وقوة إلى الانتخابات، ليثبت للعالم أنه السلطة الشرعية الباقية، وليؤكد أن ميزان القوى انقلب لمصلحة حلفه من دون عودة للوراء. على أن يستكمل تحرير بقية المناطق تباعاً، بالسلاح العسكري والسياسي الذي يكون قد اكتسب شرعيته من شعبه بالانتخاب.
من يتبقى من حملة السلاح سيكونون ساعتئذ، خارجين عن القانون، ولن يكون بمقدور أحد ادعاء حق الدفاع عنهم.
* كاتب لبناني