لم أحجم وأتردد، في حياتي كلها، كإحجامي وترددي في كتابة هذا النص المخجل. الإحساس المفرط بالعار، والإحساس المفرط بالأذى، والإحساس المفرط بالخيبة والانكسار، الذي يقود إلى الإحساس المفرط بعبثية الأقدار، هو ما دهمني بعنف ولازمني، طوال تفكيري في كتابة مشاهداتي في ساحة تقسيم.

مشاهداتي لا تتعلق بانتفاضة الشارع التركيّ البتة. لكنّها تتعلق، من جانب خفيّ، ببعض دخان الانتفاضة. تتعلق بالحريق الداخلي، غير المرئي، حريقنا الأخلاقي، غير الموضوع على لائحة الأسباب الاحتجاجية. تتعلق بقنابل أردوغان الصوتية أو الحارقة، وما يرافقها من أبخرة سامة، يصرّ على إطلاقها على شعبه، وعلى شعوب مجاورة عديدة، في صدارتها الشعب السوري.
لم يكن إحجامي أخلاقيّاً خالصاً، ولم يكن فنيّاً أيضاً. شيء ما، لا منطقي، في موضوع النص، ما انفك يمزق الإرادة، ويمنع تشكـّل الكلمات. كيف لك أن تشرح نتائج وعواقب الفعل السياسي من دون أن تغوص في وحل السياسة؟ وكيف لك أن تكتفي بوصف الوحل نفسه، من دون أن تتذكر الذين أغرقوك
فيه؟
وحتى أتجنب الخوض في السياسة، أجدني مرغماً على الاندفاع إلى قعر السياسة، إلى السياسة من جوفها الأعمق، إلى حدّها الأكثر تطرّفاً وعمى.
في المعارك المطبوخة على نار الصراع الدولي، وفي الثورات بالإنابة، تشتبك أيادي وأرجل المتصارعين بعضها ببعض، تمسك جبهات الحرب بشعر بعضها بعضاً. يشتبك الحق بالباطل، تشتبك الحقيقة بالكذب المطلق، ويشتبك الوهم بالواقع، وفي النهاية يفقد العالم ألوانه، ويصير صورة مطلية بعتمة الدم المتخثـّر، وبتحجر طبقات الأحقاد. لا حقيقة هنا سوى السباحة في بحر الجثث، ولا أمل هنا سوى تنفس سموم الكراهية. في هذه الحرب تختفى حتى منطقة التهادن مع الموت، التي تخلقها الحروب عادة: الأرض الحرام. لا أرض ولا حرام هنا. هنا تفقد الأوطان حدودها وتضاريسها، ويفقد البشر قواعد
التحريم.
هنا تفقد الأرض ترابها، ويفقد االبشر حرمتهم وحرامهم وحريمهم. هنا يغدو الحياد، والتجرد، مقاتلين أشداء في جبهة الأعداء. سأرغم نفسي على اختلاق أرضي الحرام، حيادي الوهمي. سأستعير حياد المقاتلين، وأمتلك تجرد آكلي قلوب الشبيحة. سأفعل ذلك من دون أن يطلب مني أحد: سأقترض من تحالف التهييج اللبناني - تيار المستقبل ومسلحي الأسير- تعبير النأي بالنفس، وأزعم مثلهم أن كل ما رأيته في ساحة تقسيم يقع على عاتق النظام السوري.
لا أعرف إذا كان هذا القدر من «التجرّد» السياسي، يحظى بثقة وقبول معارضي النظام السوري، أم أن هناك ما هو أبعد من هذا اللاحياد يجب قوله، لكي نحمل شرف الانتساب إلى جبهة المستقبل والنصرة!
بهذا القدر من الإدانة أجد أني حرّرت نفسي من عبثيّة اللحظة السياسيّة القائمة، ومن أسر تناقضاتها الكابحة، ومن وحل العار، الذي يكللها.
بعد هذا الاعتراف، أجد نفسي حرّاً، حريّة خالصة، مثل أي معارض تكفيريّ مقنّع؛ حرّاً في أن أعرض مشاهداتي الجارحة، بأمانة وحسن نيّات القنّاصين، الملائكة.
ولكن من أجل أن يفهمك الآخرون جيّداً، عليك أن توضح لهم معنى كلمة عار. لأنّ ما تراه أمامك يثبت لك أنها كلمة سقطت من القاموس الأخلاقي سهواً.
ولكي تفعل ذلك، عليك أن تسأل: ماذا تعني سوريا لك؟
حقاً، ماذا تعني؟
سأسقط اعتبارات التاريخ كلها، سأسقط اعتبارات الإرث الثقافي المشترك لوادي الفرات كلها، سأسقط كل اعتبار وجودي وعاطفي، آرامياً كان أو عربياً، نصرانياً أو إسلامياً أو وثنياً، ولا أبقي سوى الياسمينة الدمشقيّة وحدها. الياسمينة فحسب. سأكتفي بها جمرة وخمرة وبذرة. حينما أفعل ذلك، أجدني مطوقاً بالشذى السرمدي، بإغفاءة السحر على صدر الزمن المشرقيّ. أجدني حرّاً من السياسة، حرّاً حتى من نفسي، حرّاً من كل شيء، عدا عبودية الوفاء للحياة.
حينما يستقبل قدميك حنانُ الأرض، وأنت تنقل الخطو من دمشق حتى أقاصي مرتفعات كسب، ستعرف حينئذ أنك تمشي طافياً على الحرير الدمشقي. وإذا كنت هناك يوماً، فإنك لا تملك إلا أن تسقط في هلاك الخيبة والإذلال، وأنت ترى قدحة العطر، سوريّاك، واقفة أمامك في ساحة تقسيم، تقدّم عرضها الوجودي، الأخير.
لا أرض قادرة على الاستواء، وأنت تستقبل يد أمّ سوريّة، تجرّ ثلاثة أطفال، تمتدّ إليك مستعطفة، قائلة بلهجة شاميّة: استر عرض ولاياك! لا أرض ولا سماء تستطيع حمل ثقل عارك وأنت ترى أمّاً، في منتصف الليل، في ساحة تقسيم الهادرة بأجساد المتبضعين والساهرين والعابرين والقنّاصين، تنظر اليك، مخترقة البرقع الأسود، مستعطفة نخوتك العربيّة، وهي تشير إلى صبايا وصبيان وأطفال؛ تشير إلى زعتر جبلي يعرفه دمك، تشير إلى قطفة من حبق السهول البكر، مخزونة في أعماق روحك، تشير إلى وهم ظننت، في لحظة عشق مقدسة، في جنة حلمك الدمشقيّة، أنك شممت ضوع براءته، ولمست نعومة خيلائه.
لكنك فجأة، تجد روحك الآن محنية أمامك، تجدها ذابلة، مبتذلة، ذليلة، كسيرة، مسربلة بالخزي، تمد يداً خجولة إلى غريب عابر. الله أكبر!
الله أكبر! من يوقف هذا الفناء!
في أشهر مقاهي ساحة تقسيم تسقط السماوات كلها على رأسك، وأنت ترى فتياناً في مطلع العمر، يعرضون عوزهم وتشردهم واضطراب مشاعرهم، على حثالات البشر، من بعض أبناء الخليج. يعرضونها بإذلال، ولكن من دون تردد كبير. لقد حطمت ساحة تقسيم، بفعل الإرادة الأردوغانية الوقحة، حواجز الخجل والتردد. كل شيء غدا مباحاً ومتاحاً، كل شيء حتى العار الثقيل.
في ساحة تقسيم، في منتصف الليل، وأنت بمعيّة عائلتك الصغيرة، تجدون سوريا الأم، سوريا الأخت، سوريا الابنة، سوريا الحفيدة، بثوبها الحموي المطرز، ورائحتها الفراتية، وتراتيل كنائسها، سوريا الغافية في قلوبكم، تمدّ اليكم يديها المرتجفتين، في هيئة أُمّ متسولة، أو صبية تبيع شيئاً ما، هو الشيء الوحيد، الذي بقّي لكي يباع.
للحظات، وأنت تنسى السياسة قسراً، يخيل إليك أنك تواجه ابنتك وأطفالها، يمدون أيديهم، إلى غرباء بشعين من ساحة تقسيم، ويقولون لك بصوت مشحون بالاشمئزاز والخزي: ألم تزل تظن نفسك أبانا، أيها الأحمق المأفون!
سأنسى السياسة قسراً، ولا أفكر سوى في أمر واحد، باللا سياسة، بالرحمة، بالحنان البشري، ببقايا الأخلاق.
لماذا ينسى مخلوق أردوغاني ما - سوريّ معارض، أو عربيّ أو خليجيّ أو غربيّ إنسانيّ، حاله كحال أردوغان التركيّ - أنّ هؤلاء الضائعين في ساحات الثورة، استناداً إلى شعارات الثورة نفسها، ضحايا «النظام الظالم». ألا يستحقـّون، على الأقلّ، يداً معينة - ولا نقولن منقذة - لا تدفعهم إلى مهاوي العار؟
لماذا أخذ المعارضون مقعد سوريا في الجامعة العربية؟ أعني ماذا سيفعلون به، عدا النظر اليه فارغاً، كما ينظرون إلى فراغ أرواح هؤلاء الضائعين في الساحات والمخيمات؟ لماذا أخذوا سفاراتها، لماذا سرقوا علمها، وسرقوا المليارات من الواهبين؟ لماذا فعلوا ذلك، إذا كانوا غير قادرين على حماية أمّ سورية من الوقوع في مستنقع الجريمة الأبدية؟ ومن يمنعهم من فعل ذلك؟
في ساحة تقسيم، لعبارة «الله أكبر»، قوة القانون السماوي والحكومي، قوة خراطيم المياه الجبارّة وقنابل الغاز، لكننا لم نسمع من ينطقها أمام تلك الأمّ السورية، بالطريقة الكافرة ذاتها، التي تنطق بها وهي مرفقة بمشاهد أكل القلوب البشرية!
ثمن سيف واحد من سيوف التكفيريين ربما ينقذ شرف صبية. وثمن صندوق واحد من صنادق الأسلحة الفتاكة، أو غير الفتاكة، كفيل بإنقاذ صبي من ولوج تاريخ موحل.
وأنا غارق في عار المشهد، تمنيت من كل قلبي، بحياد تام ونأي مطلق بالنفس، أن أرى المعجزات: أرى عقاب السخاء الحريري، أو صقر الطهر المستقبلي، أو أي طائر غرّيد آخر، يهبط من علياء إسطنبول إلى ساحة تقسيم، لكي يعينني على تحمل عاري وهلعي، ويمدّ هؤلاء الضحايا بحليب الكرامة. لا أريد أن أتحدث في السياسة وأقول أين «الحكومة» - الإنجاز والمعجزة الدولية! - التي جرى ترقيعها لإدارة الأرض السورية المحررة والشتات؟
في حرب استنزاف وتدمير الهويّات، تختلط ثقافة السوربون بتعاليم تورابورا في وحدة كفاحية مرعبة، فلا يعود المرء يعرف أتقع ساحة تقسيم ضمن جبهة النظام، أم ضمن أرض أردوغان الحرة؟ أفي ساحة المرجة أم في ساحة المعارضة، وضمن سلطة حكومتها الإنسانية الحرة، وشيوخها الأسخياء، وإسلامها الورع، وأخلاقها ولا أخلاقها أيضاً؟
أيها اللّهأكبريون! أريتمونا عشرات الآلاف من أفلام الرعب، التي تجري في مناطقكم المحررة. آن الأوان أن تُروا شعبكم صورة واحدة، لثانية واحدة، عن حياة ممكنة، في أفضل وأحصن بقعة «محررة»، حتى لو كانت البقعة التي تعطـّرت باستقبال أقدام السيناتور جون ماكين!
صورة واحدة تكفي. صورة من أية بقعة في الدنيا، من ساحة تقسيم، أو من البقعة المحررة، التي تقاسمها ثوار الاليزيه مع تكفيريّي قندهار.
صورة واحدة، ولكن، من دون أن تكون مرفقة بفحيح «الله أكبر» مغموساً بالدم.
صورة واحدة لا يـُسرق فيها شرف الله وقدسيته ونقاوته!
* ناقد وروائي عراقي