لم يُضبط السيّد حسن نصر الله، على مدى 21 عاماً، ولو مرّة واحدة، قائلاً: «نحن شيعة». صام عنها، مُذ أصبح الأمين العام في حزب الله، كرمى لـ«الوحدة الإسلاميّة». حتى الأذان، بصيغته «الشيعيّة»، سيأمر بمنع بثّه عبر قناة «المنار» الفضائيّة. سيُكتفى بعرض سطر أسفل الشاشة: «حان الآن موعد الأذان (...) بحسب التوقيت المحلّي لمدينة القدس». القناة لبنانيّة، تبثّ من بيروت، لكن توقيتها فلسطيني. يحصل ذلك، مجدداً، كرمى لعيون «الوحدة الإسلاميّة» وأهلها. مشتبه من يظن أن «تنازلات» كهذه لا يمتعض لها بعض الشارع المذهبي، الموالي للحزب، إلا أن الأمر سيكون قابلاً للبلع، ومن ثم الهضم، طالما أن صاحب الأمر هنا هو نصر الله. ستطول لائحة «التنازلات» على مدى السنوات الماضية. المعنيّون، من هنا وهناك، يعرفونها كلّها جيّداً. لا يهم، فكل شيء، في أدبيات الحزب، خاضع لقاعدة «المصلحة والضرر» في حسابات الفقه والشرع. لا شيء، يقول نصر الله، أكثر ضرراً من «ضياع القضيّة الفلسطينيّة».

أخيراً سينطق بها السيّد، قبل نحو 3 سنوات، مُعلناً: «نحن شيعة علي بن أبي طالب لن نتخلّى عن فلسطين». هكذا، قرنها بفلسطين. عندما نطق بها، لأول مرّة، كانت لفلسطين. واقفاً على المنبر، ستهتف الجماهير أمامه ملبيّة، معلنة الولاء، وبالتالي الموافقة، ليأخذهم بعدها إلى «نوستالجيا» الأيام الخوالي: «ونحن في حزب الله، تربّينا على هذا، كنّا صغاراً، فتياناً، شبيبة، على هذا وعينا وكبرنا ونمينا، على الدفاع عن فلسطين والقدس... هو أمر اختلط بلحمنا ودمنا وعروقنا، ورثناه عن آبائنا وأجدادنا وأورثناه لأولادنا ولأحفادنا، وعلى هذا الطريق قدمنا آلاف الشهداء، قدمنا فلذات أكبادنا وأعزاءنا شهداء». ستهتف الجماهير مجدداً، وقد فاضت عيون بعضهم بالدمع، إذ أوحت لهم بهذا نبرة صاحب الخطاب. خطاب «الغربة» ووجعها. في صوت هذا القائد حشرجة خاصة تظهر بين حين وآخر. ليس جديداً على تلك الجماهير وعي «المظلوميّة التاريخيّة». ذاك الوعي الذي هو، أصلاً، جزء من أيديولوجيا الحزب، جزء من وجدانه الديني - التراجيدي، أصلٌ في هويّته العاطفيّة المتصلة بكربلاء... وقد اتصلت الآن بفلسطين.
أيام قليلة على هذا الخطاب، التاريخي، ويدخل لبنان مرحلة جديدة، تاريخيّة أيضاً، إذ ستهتز منطقة الرويس، في قلب الضاحية الجنوبيّة لبيروت، بانفجار سيّارة مفخخة... وليبدأ مسلسل العمليات الانتحاريّة، ضارباً بيئة الحزب، قاتلاً وجارحاً للمئات، وصادماً للملايين. هكذا، جاء الرد على خطاب فلسطين سريعاً. لا تريد أن تتخلّى عن فلسطين؟ حسناً، إذن تلقّى. سيُحكى عن فلسطينيين شاركوا في تلك العمليات، ويُحكى أن حركة «حماس» الفلسطينيّة امتنعت عن تسليم أحد المتورّطين، ويُهمس عن شقق داخل المخيّمات الفلسطينيّة في لبنان، خُطّط ويُخطّط فيها لتلك العمليات. سيُقال الكثير، وتدخل الإشاعات بالحقيقة، وتستفيد مختلف أجهزة استخبارات العالم من اللحظة الراهنة، فتبث ما تبثّه، فيما بعض الشارع الحزبي، على وقع الدماء، يغلي مذهبيّاً. لكن لا شيء سيثني حزب الله عن فلسطين.
لكن، وويح هذه الـ«لكن»... إلى متى يا حزب الله؟ قد يبدو السؤال طفولياً. لا بأس. لكنه مطروح. ما عاد بالإمكان تصديق أن أحدهم لم يسمع سؤالاً كهذا، في الشارع، في شارع المقاومة تحديداً. بالتأكيد يمكن معالجة القضيّة بالتجاهل، بالتلطّي خلف الإصبع، بالشعور أن الخجل يأكل من يطرح سؤالاً كهذا. لكن السؤال سيبقى، وهو، للأسف، من سنخ تلك الأسئلة التي تكبر وتتدحرج. مفردة ما انفكت قيادات حزب الله، وأكثر منها القيادات الإيرانيّة، توردها في خطاباتها: الأمّة. لكن أين الأمّة؟ وقبل ذلك، أيّ أمّة؟ الإسلاميّة مثلاً؟ هل علينا أن نطالع بيانات «منظمة المؤتمر الإسلامي» لنفهم؟ لن نفهم شيئاً. نحو 60 دولة إسلاميّة في هذه المنظمة نعرفها جيّداً. هل علينا أن نقصد دولة مالي، وهي عضو مؤسس في المنظمة، لنفهم! وبالمناسبة، الأمين العام الجديد لهذه المنظمّة هو سعودي الجنسيّة، اسمه إياد بن أمين مدني، هل سمع أحد به؟ كوميديا سوداء، صح؟ ربما، شيء من هذا القبيل. وبالمناسبة، مرّة أخرى، فإنه لدى هذه المنظمة لجنة خاصة منبثقة منها تُدعى «لجنة القدس». رئاستها مسندة منذ عام 1975 إلى ملك المغرب. حسناً، ستتحرر فلسطين غداً!
الأمّة العربيّة، مثلاً؟ قبل سنوات قليلة، كان حزب الله، ومعه «محور المقاومة»... الذي بوصلته فلسطين، «يُعكّزون» على مواقف بعض الدول العربيّة في مسرحيّات القمم السنويّة. في الاجتماع الأخير لوزراء خارجيّة الدول العربيّة، قررت الدول الخليجيّة، الآمرة الحاكمة الآن لما يُسمى بالجامعة، ورأس حربتها السعوديّة، أن حزب الله «منظمة إرهابيّة». أين السودان؟ صمَت السودان! حتى السودان يا حزب الله، ويا إيران، التزم الصمت! أنتم تعرفون ماذا يعني السودان أكثر من أي أحد آخر. لا، ليته التزم الصمت، بل زايد على الملوك، في الهجوم عليكم، وقد ارتدى لباس الحرب ضدكم. سيقول البعض هذه مواقف أنظمة، لا الشعوب، سيأتي الكلام لاحقاً. أين الجزائر! بن بلّة ليس هنا وكذا بومدين. حتى تلك الدول التي كان «المقاومون» يراهنون على مواقفها، الكلاميّة أقله، المبدئيّة، على ما كان فيها من نفس احتضاري... غابت الآن تماماً. الكلّ رضخ لـ«الخليج». هل نسأل عن العراق؟ تعرفون الحكاية. سوريا؟ آه من سوريا وعلى سوريا. ماذا عن مصر؟ فول الشيخ إمام دوّخ الجميع وداخ. «إخوان» مصر باعوكم، وقضيتكم، عند أقرب مفترق طريق، ومن استاد القاهرة وعلى وقع الأهازيج الدينية، الإسلاميّة جدّاً، أعلنوا أن أرض الكنانة «أطهر من أن يطأها رافضي»... وقد أعلنوا «الجهاد» عليكم. في مصر مثقفون، من طراز يوسف زيدان، يتحدّثون اليوم، وبتنسيق مع السلطة، عن أن «المسجد الأقصى» ليس في فلسطين، تاريخياً، إنما هو في الجزيرة العربيّة. حتّى وزير الخارجية اللبناني، الحليف، سجل موقفاً متحفّظاً على البيان، ولكن لماذا؟ لأنه لا يريد لحكومة بلده أن ينفرط عقدها، لمصلحة محليّة يعني، وليس لأن حزب الله ليس إرهابياً يعني، أصلاً! مرّت هذه هكذا. لم يبقَ لنا سوى جيبوتي!

فريق السلطة،
محمود عباس وفرقته، هل من داع للحديث عنهم؟

أصبح نصر الله غريباً عندما يتحدّث عن فلسطين، عندما يخطب وينفعل ويغضب، وعندما يطالب، أخيراً، العرب «السنّة» بالرد على التصريحات الإسرائيلية العلنية التي تقول بأن «السنّة» أصبحوا أصدقاءنا. لا أحد يرد. الإسرائيلي حدد، وقال دولاً خليجيّة ودولاً في شمال أفريقيا. لا أحد يريد فلسطين. لكن حزب الله يريدها. يقول لهم السيّد: «هل تقبلون أن يقال هذا عنكم؟ لو كُرّس هذا الأمر فسيعني ضياع فلسطين إلى الأبد». لم يجبه أحد. طيّب ماذا لو كانوا يقبلون؟ في نظرة طائر على المنطقة، بل على العالم، من يريد فلسطين؟ لا أحد يريدها. سنتحدّث عن أفراد من هنا وهناك، وحتى جماعات، ولكن ما وزنها الملياري؟ وزن الريشة له في الريش وحسب. إن كنت تريد أن تحرجهم باسلامهم، فأي إسلام؟ أساساً هم ما جنّدوا أنفسهم لضرب المقاومة إلا لأن هذه المقاومة في يوم من الأيام أحرجتهم، عندما قاومت، وأنجزت. لقد فعلتها. وهذه «جريمة مشهودة» ومكتملة الأوصاف.
ماذا عن الفلسطينيين؟ فريق السلطة، محمود عباس وفرقته، هل من داع للحديث عنهم؟ حسناً، إلى الإسلام السياسي السنّي، حبيب حزب الله وإيران منذ عقود، وبصدق، مقارنة بالآخرين، أين هو؟ حركة «حماس» تتحدّث عن فلسطين النكسة فقط. أراضي عام 1967. ستجد أن بعض شارعهم، وممن هم تحت الحصار والاحتلال، متحمّس أكثر بألف مرّة لـ«الجهاد» في سوريا، ضد النصيرية والرافضة، مثلاً! المشهد بات سريالياً؟ هو كذلك منذ سنوات. حتى «حركة الجهاد» (إرث فتحي الشقاقي) تعرفون ماذا حصل أخيراً. جرثومة المذهبية متى ضربت... قتلت. هل على أحد أن يتبلّد إلى حد انتظار خروج الأمّة الإسلاميّة، أمّة ما فوق المليار، لتقول لحزب الله وإيران، يعني للشيعة: يا عمّي نحن لا نريد فلسطين، ما لكم وما لنا أنتم! "ما لكم ومال فلسطين" أنتم أساساً! أنت أصلاً «مرتدون عن الإسلام، لستم مسلمين، وهذه فتاوى شيوخ إسلامنا على مر القرون بحقكم، فبأي حق تتكلمون باسمنا»! هذه هي ضريبة «تديين» القضيّة الفلسطينيّة. في زمن اليسار والماركسيّة، وسائر «الكفّار» العرب، على كوارثهم، لم تنحطّ القضيّة كما هو حاصل اليوم. الضريبة باهظة جداً. وصحيح، كلّما رُتقت من جانب فتقت من جانب آخر.
الشعوب؟ ماذا عن الشعوب! هل لا يزال على من لديه قدرات عقليّة متوسّطة، أن يقنع نفسه بـ«المعزوفة» القديمة التي تتحدث عن أنظمة في واد وشعوب في وادٍ آخر؟ لقد جاء الإنترنت، قبل «الربيع» وبعده، وفضح كلّ شيء. لقد رأينا الشعوب على الشاشات مباشرة، في الفضائيات، في الشارع، على مواقع التواصل الاجتماعي، في كلّ مكان... بات الكذب على النفس «فضيحة». من حق البعض أن يجادل، حتماً، بأن ليست هذه الأدوات صالحة لمعرفة نبض الناس بالمجمل. هذا صحيح، ولكن بالحد الأدنى هي توفّر مؤشرات. تكفي المؤشرات لملاحظة الاتجاه الذي تسير فيه الأمور. كم نسبة شباب الجيل الحالي الذي يعرف، أصلاً، ما هي القضيّة الفلسطينيّة، تاريخاً ومساراً وحاضراً؟ ثمّة ما يشبه القطيعة المعرفيّة معها... حتى بين شباب «محور المقاومة» أنفسهم، وإن بنسب مختلفة. يمكن لمن يريد، من المختصّين، أن ينزل إلى الشارع ليخرج علينا بنتائج استطلاع رأي علمي موزون، وبعدها لكل حادث حديث.
أخيراً، هذا ليس مقالاً. كلمات لا تطرح حلّاً. إنها وجع، لكن ليست بالضرورة دعوة لليأس، بل لعلها من أجل العكس... إنها وجع وحسب.
* من أسرة «الأخبار»