1. منطلقات حول دور الدولة المطلوب

سادت على مدى العقود الثلاثة الماضية في المؤسسات الدولية، كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، طريقة جديدة لإعداد سياسات التنمية المقترحة على البلدان النامية. قامت تلك المقاربة على نقد كل ما تحقّق سابقاً في البلدان النامية على قاعدة أنه غير فعّال بالمعايير الاقتصادية الدولية. أصبح «تقويم الفعالية» منطلق السياسات التي اقترحتها. كان الهدف بالنسبة إلى كل القائلين بتلك المقاربة، أي المؤسسات الدولية وحكومات البلدان الغربية، المجتمعين ضمن «توافق واشنطن»:
1) جعل الدولة تنسحب من الاقتصاد باعتبار أنها مصدر عدم الفعالية. أدرجت المؤسسات الدولية في رأس قائمة أسباب عدم الفعالية، الحمائية التي اعتمدتها البلدان النامية، عبر الرسوم الجمركية وغيرها، والاحتكارات القانونية التي أقامتها الدولة في العديد من القطاعات. أصبح هدف كل سياسات التنمية المبنيّة على قاعدة «تقويم الفعالية»، ضرب الدولة التدخلية.
2) إرساء حرية تبادل كاملة مع الخارج، ودفع البلدان النامية إلى الانخراط في النظام الاقتصادي الليبرالي الدولي، باعتبار أن هذا الانتماء يوفر لها تدفقات مالية واستثماراً أجنبياً مباشراً يحققان التنمية.
أظهرت التجربة أنه حيث تحقّق هذان الأمران، أي انسحاب الدولة من الاقتصاد وإرساء حرية التبادل، انهارت قدرة البلدان المعنية على تحقيق التنمية. إن البديل من هذا النموذج التدميري لقدرة البلدان النامية على تحقيق التنمية يختصره شعاران: 1) «تحسين فعالية الدولة» لتولي قيادة التنمية، بدلاً من انسحابها من الاقتصاد تطبيقاً لشعار «دولة الحد الأدنى»؛ 2) رفعت المؤسسات الدولية شعار «اعتماد أسعار حقيقية» لشل قدرة الدولة التدخلية. والبديل هو اعتماد «نقيض حقيقة الأسعار»، بما يعطي الدولة القدرة على التدخل الانتقائي لدعم القطاعات الإنتاجية، عن طريق الحماية بالرسوم الجمركية وغيرها، والدعم المتعدّد الأوجه، والتسليف الطويل الأجل بفوائد مخفوضة، وتنسيق الاستثمار لحماية القطاعات الإنتاجية من «المنافسة الزائدة».
2. المقترحات
أ – إعادة الإعمار: بناء الاستقلالية الوطنية في هذا الميدان
تقدّم موضوع إعادة الإعمار أخيراً إلى صدارة الاهتمامات. قُدِّمت مشاريع في هذا الإطار، صدرت باسم مؤسسات إقليمية. عنوان هذه المشاريع التعويل على الخارج في التمويل والتنفيذ، وتحميل الدولة والمجتمع السوري أعباء الاستدانة لهذه الغاية. وستضطر الدولة الى التخلي عن سياسات الدعم التي توفرها للإنتاج والاستهلاك، لتأمين المبالغ اللازمة لتسديد قروض إعادة الإعمار. في العراق، مُنِعت المؤسسات الوطنية، التي راكمت كفايات هائلة على مدى عقود، من المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار بعد 2003. جرى إيقاف العمل بنظام الدعم لأسعار الأسمدة والمبيدات وغير ذلك للزراعة. تخلى الناس عن أرضهم التي أكلتها الملوحة، وجاؤوا إلى المدن ليزيدوا من كارثة البطالة. كانت القاعدة في المقاربة النيوليبرالية لإعادة الإعمار تلك استبعاد العراقيين من تولي هذا المشروع، أو حتى المشاركة فيه.
البديل من مشاريع إعادة الإعمار النيوليبرالية، أخذ المواطنين السوريين على عاتقهم تحقيق إعادة الإعمار، وجعل العملية برمتها ملكاً لهم. البديل هو تحمّلهم مسؤولية إعادة الإعمار، لا التخلي عنها للمصالح الخاصة الأجنبية. ينبغي: 1) رفض التمويل الخارجي المشروط، واستخدام «صندوق التنمية» الموجود لدى دول البريكس لهذه الغاية، وأن تعكف الإدارات المعنية على تحضير المخططات التوجيهية اللازمة منذ الآن؛ 2) الحفاظ على استقلالية القرار الوطني في ميدان إعادة الإعمار؛ 3) السعي لتحميل الدول التي اعتدت على سوريا مسؤولية التعويض، (4) السعي للارتباط والتكامل مع دول المشرق العربي وإيران ومجموعة دول البريكس وينبغي ربط إعادة الإعمار بمشروع تنمية متكامل، يعكس دور الدولة في الاقتصاد، ويمكن تفصيله تحت العناوين الآتية:
ب – التخطيط الاقتصادي
ينبغي إقامة جهاز تخطيط مركزي هائل الفعالية يتم تنسيب أعضائه على قاعدة الاستحقاق، وضم النخبة العلمية إليه. يفترض بهذا الجهاز أن يعمل كـ«مجموعة تفكير» وكـ«جهاز تنفيذي» للخطط التي يعدّها. وينبغي أن يستوحي النموذج الآسيوي في تكوين مجالس التخطيط.
وينبغي أن يعمل من ضمن تعريف دقيق لدور الدولة في الاقتصاد. ينبغي أن ينطلق تعريفه لهذا الدور من أن: 1) على الدولة أن تتدخّل حيث هناك «إخفاقات للسوق»، بمعنى أن تُنشئ أنشطة إنتاجية في القطاعات التي لا يرغب القطاع الخاص الاستثمار فيها بمحض إرادته؛ 2) أن يكون تدخلها بتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في هذه القطاعات من خلال الحوافز التي تقدم له لهذه الغاية؛ 3) أن تنطلق مقاربة الحكومة من أن القطاع الخاص، جنباً الى جنب مع قطاع عام ممقرط، محرّك للتنمية، بشرط توجيه حركته وفق أولويات التنمية الوطنية، وتوفير حوافز له للسير وفق التوجّهات التي ترسمها له.
ج – الصناعة: البدء من حيث فشل المشروع التنموي العربي، أو إنتاج السلع التجهيزية:
التنمية هي «تصنيع متأخر». و«التصنيع المتأخر» هو القدرة على إنتاج «سلع تجهيزية»، أو آلات، والتعويل في ذلك على المقدرة التكنولوجية الوطنية. يعود فشل التنمية في بلدان العالم الثالث وفي البلدان العربية كـ«تصنيع متأخر» إلى أنها اختارت السهولة، أي إنتاج سلع استهلاكية ومعمّرة من خلال استيراد مكوناتها بأسعار صرف مدعومة. تم التخلي عن مبدأ بناء مقدرة تكنولوجية محلية، تتيح إنتاج أو إعادة إنتاج الآلات المستوردة ذاتها، بطرق مبتكرة تجعلها مصدراً للتنافسية في الأسواق الخارجية. يتطلّب بناء المقدرة التكنولوجية هذه سياسة حكومية تقوم على «خلق ريوع» لمصلحة المؤسسات المعنية بإنتاج تجهيزات، من خلال الحماية الجمركية التي ينبغي أن تُوفر لها، وأشكال الدعم المختلفة، من التسليف إلى المناطق الصناعية التي تقام لاستقبالها.
تفترض السياسة الصناعية الجديدة العودة عن إجراءات التحرير التجاري التي اعتمدت سابقاً، تحت وطأة الأيديولوجيا النيوليبرالية التي شلّت القدرة على التفكير بشكل صحيح في سبل تحقيق المصلحة الوطنية. يجب العمل مجدّداً بالرسوم الجمركية، كأحد أهم الحوافز التي تتيح للمؤسسات أن تبني تنافسيتها في ظل الحماية.
يجب عدم التهاون في ضرب مواقع الفساد الكبير وسدّ الثغر أمام انتشار الفساد في عملية إعادة الإعمار والتنمية.
يجب التخلي بدون أسف عن مشاريع التكتلات الاقتصادية الإقليمية التي ينجم عنها فتح الأسواق المحلية للسلع الأجنبية، دون تعويض من أي نوع. يجب تقييد العلاقات التجارية بصورة صارمة مع المنافس التركي، والتخلي عن مشروع التكتل الاقتصادي المسمى «اتفاقية الشراكة مع أوروبا». ويجب التركيز على تعزيز وتحسين العلاقات الاقتصادية مع دول مجموعة «البريكس».
د – الزراعة: تحسين الكفاءة في دعم القطاع الزراعي
يجب أن تكون الصناعة دائماً هي الأولوية، لكن ليس على حساب الزراعة. حققت سوريا إنجازات هائلة على صعيد الزراعة. أمّمت الدولة الأرض وقدّمت حوافز للمنتجين، من خلال أعمال الاستصلاح وإنشاءات الري، إلى توفير البذار والأسمدة والمبيدات والتسليف الزراعي من جهة المدخَلات. ووفرت من جهة المخرَجات، أسعاراً معقولة تدرّجت من الأسعار الإدارية إلى الأسعار الحرّة، وأسواق التصريف وتسهيلات التخزين والنقل. أمّن تدخل الدولة المتعدّد الأوجه هذا، تطويراً للقطاع الزراعي، عبّر عنه تحقيق الاكتفاء الذاتي الزراعي وإقامة قطاع النسيج الأكبر بين كل دول غرب آسيا. لكن تدخل الدولة بقي قاصراً عن اللحاق بالنمو الديموغرافي الكبير. كما ضمُرَت خلال السنوات الأخيرة التقديمات التي توفرها الدولة للمزارعين.
يقتضي تطوير الريف والقطاع الريفي الإصرار على سياسة الدعم للزراعة القائمة وتطويرها، من خلال: 1) رفع مستوى الخدمات التي كانت تقدم، أي «تحسين توفير المدخَلات»، على أن تستوردها الدولة مباشرة، أو أن توكل المهمة إلى القطاع الخاص، شرط إخضاعه للرقابة على أسعاره؛ 2) اعتماد سياسة «تثبيت مداخيل المزارعين»، بما يقيهم شر التقلبات المناخية وتقلبات الأسعار، ويؤمن لهم دخلاً لائقاً يحفّزهم على تطوير نشاطهم الإنتاجي؛ 3) تحسين «إنتاجية القطاع الزراعي»، من خلال تحسين خدمات التعليم في الريف، وفتح التعليم على استخدام اللغات الأجنبية، لرفع كفاءة القوى العاملة بما يجعلها قادرة على الاستفادة من جهود التأهيل والتدريب والتمرين التي ينبغي أن توفّر لها. وينبغي في هذا الإطار إيلاء اهتمام خاص لإنتاج مدخَلات الزراعة، ابتداء من البذار حتى التجهيزات، بالجهد التكنولوجي المحلي.