أطلّ علينا الشاعر أنسي الحاج بمقالة في 6 تموز 2013 (البحث عن بشير الجميل) يعبّر فيها أساساً عن قرفه من الوضع المزري الذي وصل إليه الحال في لبنان، من انقسام لبنان إلى متراسين كاذبين بين 8 و14 آذار، واتّباع كليهما أجندات خارجيّة، وإرهابهما ورِشاهما التي تكبّل العقول، واستتباع المواطن لهذا أو ذاك من الزعماء متوهّماً بأنّه حرّ بمجرّد ترداد ما يريده له زعيمه أن يقول، ومن وقوع المواطن في براثن الفقر والمرض، وبراثن الخضوع والخمول واللا وطنيّة وعبادة المال واللصوصيّة، ومن وسائل الإعلام والتربية وما ينقلانه من سموم للأطفال، ومن انعدام وجود لشيء اسمه دولة؛ ويدعو تالياً إلى إنشاء الدولة، إلا أنّ أنسي الحاج يقع في تناقضات عديدة في مقالته.

يحقّ للحاج أن يميل إلى بشير الجميّل، لكننا نختلف معه في تقويمه للجميّل ونرى أنّه يقع في التناقض. يصيب الحاج في تقويمه للجميّل بأنّه «فاشستي»، لكنّه يخطئ عندما يكتب أنّه «ليس مثل الطاغية مَن «يربّي» الطفيليّات. لو عاش الجميل ثلاث سنوات لكفى». إذ يقصد، كما يبدو من النصّ، أمرين؛ الأوّل صحيح ألا وهو أنّ الجميّل كان طاغية والثاني خاطئ ألا وهو أنّه لو عاش لقضى على «الطفيليات»، أي الذين يستغلّون الناس ومقدّرات البلاد؛ وهذا المعنى الثاني خاطئ لأنّ الطاغية لا يقضي على (أو يكفّ يد) «طفيليين» إلاّ ليُنَمّي طفيليّيه هو، لكن الخطأ الأكبر أتى في الجملة التي تلت الجملتين السابقتين، والتي يقول فيها «ويجب أن يكون أوّلاً طاغية أخلاقية». ففي مسار هذه الجمل الثلاث، يعني أنسي الحاج أنّ الطاغية يمكنه أن يكفّ يد الطفيليين شرط أن يكون «طاغية أخلاقياً»، لكن بما أنّه يتمنّى لو أن بشير الجميّل قد عاش ثلاث سنوات، فهو يعتقد ضمناً بأنّ الجميّل كان «طاغية أخلاقياً»، ولكنّ الحاج نفسه وصف الجميّل بأنّه فاشستي، ربّما لأنّه يعرف مقدار الجرائم التي ارتكبها (كغيره) بحقّ كثيرين، وبخاصّة بحقّ الفلسطينيّين الذين كان يظهر تجاههم كلّ عنصريّة، ولكن كيف يكون الفاشستي «طاغية أخلاقياً»؟ هل موسوليني الفاشستي «طاغية أخلاقي» مثلاً؟ أم أنّ فاشستية الجميّل مغايرة للفاشستيّات المعروفة في بقيّة أنحاء العالم؟ هل عنصريّة الجميّل كانت عنصريّة «طاغية أخلاقي»؟ وإذا كانت كذلك (وهذا مستحيل منطقيّاً) فماذا نقول عن العنصرية الصهيونيّة بحقّ الفلسطينيّين: طغيان أخلاقي؟ بالطبع لا. ولهذا، فإنْ كان من حقّ الكاتب ككلّ إنسان، أن يميل إلى إنسان سياسي أو عسكري ما، فإنّ نظرته إلى بشير الجميّل، التي تراه «طاغية أخلاقياً» هي جدّ مخطئة ومتناقضة، ولكن هذا ليس كل شيء.
أنسي الحاج يقع أيضاً في التناقض عندما يعبّر أنّه لا يحبّ الحديديين بل الرخويين لأنّهم قد يكرهون لكنّهم لا يقتلون، بينما «الحديدي يصبح في نظر محيطه مقدّساً، وهكذا يحق له ما لا يحق لأحد. وهو على كل حال لا ينتظر رأي محيطه ليقرّر ماذا يفعل»، ولكن أليست هذه هي بالضبط صفات الرجل الدكتاتور الطاغية؟ إنّ الطاغية هو بالضبط الذي يتصرّف بأنّه يحق له ما لا يحق لأحد، والذي لا ينتظر رأي محيطه ليقرّر ماذا يفعل؛ ليس بالضرورة أن يكون قد أخذ الطاغية هذا الحق «من السماء» يكفي أن يأخذه من العسكر، ككلّ طاغية، ويُلبِسه بعدها لباس «السماء» أو «الأرض»، لا فرق.
ويقع الحاج أيضاً في التناقض عندما يتحدّث، صادقاً، عن كونه في خطّ «الممانعة والمواجهة ضدّ كلّ مَن يقمع حريّتي ويحكمني ويرهبني بالدين والسلاح والعدد ومصادرة الحقيقة». نقول تناقض لأنّ هذين القمع والإرهاب اللذين يمانعهما ويواجههما، هو بالضبط ما سيفعله الطاغية به وبغيره. فالطاغية يمعن في الناس قمعاً ويرهبهم بالسلاح حُكماً، ويرهبهم بالدين أو بأيّ شعار آخر: القومية، العروبة، الحزب الواحد، الإسلام، المسيحية، الإلحاد، وحتى الحرية، بل وأيضاً شعار «بناء الدولة» الذي يدعو إليه أنسي الحاج؛ وهو الشعار الذي سيصير في يد الطاغية الذي يرجوه الحاج، آلة القمع التي يخاف (ويجب أن يخاف) منها الحاج نفسه. وبهذا نبلغ قلب التناقض الفكري، بل أقصاه؛ إذ ماذا يمكن لأنسي الحاج أن ينتظر من الطاغية الموعود سوى ما انتقده هو في تصرّفات الطغاة الذين ذكر بعضهم في مقالته؟
ثمّ إنّ العالم العربي مليء بالدكتاتورات الذين يحكمون بالإرهاب الداخلي شعوبهم، لكن ما من بلد واحد تركه دكتاتوره «دولة» كتلك التي يطمح إليها الحاج، ويطمح إليها أيّ إنسان لديه شيء من الضمير. يقول الحاج «لا نخف من الدكتاتوريّة. يذهب الدكتاتور وتعود الفوضى التي نسميها حريّة، لكنّه يكون قد أرسى أسس دولة وضبط الموظفين مدّة من الزمن». أين هي أسس الدولة بعد رحيل صدام؟ وأين هي بعد رحيل القذافي؟ وأين هي بعد رحيل مبارك؟ وأين هي في سوريا؟ وفي السعودية؟ وفي قطر؟ لا يكفي أن يقول لنا الحاج على نحو عابر أنّ «الدكتاتورية في لبنان لا تدوم إلّا بدوام صاحبها، وبعده الطوفان، أو حاكم ذكي يستغلّ ما بناه سابقه ليكمل البناء عليه»، لكي يكون قد أشار إلى أنّ بعد الدكتاتور «قد» يكون هناك طوفان، أي «قد» نعود إلى لا شيء، و«قد» تزول «الدولة» التي يكون قد أسّسها الطاغية بالقهر والقمع والقتل. إنّ إشارة بسيطة وسريعة إلى أنّ هذا «الحلّ» الطغياني قد لا يدوم بعد رحيل الدكتاتور (ومتى يرحل؟ وبأية «تكلفة»؟)، لا يكفي، لأنّ كل مقالته دعوة صريحة إلى الدكتاتورية تحت وهم «الدكتاتور العادل» أو «الطاغية الأخلاقي» المنقذ.
أخيراً فإنّ الحاج يرى أنّ الدكتاتورية هي التي بنت فرنسا. لا أعتقد أنّ تلك قراءة سليمة؛ ففرنسا، في رأيي، لم تبنها الدكتاتورية، بل بناها أساساً تراكم نضج فكر الأنوار، على علاته الفلسفيّة. ثمّ، لو افترضنا أنّ هناك مثالاً ما في التاريخ عن دولة حديثة بنتها الدكتاتوريّة (قد تكون تركيا أتاتورك مثالاً أفضل من فرنسا)، إلّا أنّ التاريخ الحاضر والقريب، وفي الدول العربية جمعاء، يدلّ على أن ذلك كان الشواذ الذي يؤكّد القاعدة، وأنّ القاعدة تشير إلى تهديم الدولة تحت حكم الدكتاتور المدني أو العسكري أو الملكي.
إنّ المشكلة الأساس في الرؤية التي عبّر عنها أنسي الحاج في مقالته (التي قد يكون انجرّ إليها قرفاً ويأساً من فساد مستشرٍ في لبنان) هي أنّه يظن أنّ هناك إمكانيّة «طاغية أخلاقي»، لكن هذه العبارة كناية عن تضارب في المعنى، إذ لا يمكن أن يلتقي الطغيان والأخلاق؛ فالطغيان هو بالضبط قمع الناس، واستغلالهم بقوّة السلاح الذي يصير أداةً لقهر الضمير، وليّ الإرادات، وهذا غير أخلاقي. أما الأخلاق، فلا يمكن أن تُسمى كذلك إلاّ إذا كان اكتسابها حرّاً، أي إنّها تلفظ الطغيان بحكم كونها أخلاقاً، لأنّ الأخلاق قائمة على العلاقة الحرّة: حرّية الضمير الذاتي وحرية ضمير الآخرين. الطرق إلى الحلول الممكنة لا تكون بوهم «الدكتاتور العادل»، أو وهم «الطاغية الأخلاقي»، بل بالعمل على إنجاح مشاريع تشبه تلك التي تطرحها «المبادرة الوطنيّة من أجل إنقاذ لبنان وتأسيس الدولة»، ودفع هذا المشروع، الوحيد حاليّاً، قُدُماً، لأنّه غير وهميّ ولو أنّه صعب، وهو بالتأكيد يبقى أفضل من الوهم. إن لم ندعم هذا المشروع اليوم، أو مشروعاً مماثلاً في المستقبل القريب، نكون بالفعل «نحفر سجننا بأيدينا ثم قبرنا» على ما عبّر أنسي الحاج، وهو ما نكون نفعله إذا سلّمنا رقابنا إلى طاغية، وإذا سلّمنا عقولنا قبل رقابنا إلى وهم «الطاغية الأخلاقي».
* أستاذ جامعيّ