«الحرب هي السياسة بوسائل أخرى». والفعل الأمني هو تعبير عن موقف سياسي بوسيلة العنف. والسياسة والعنف يتلازمان حين لا يكون للأصول وللمؤسسات وللدساتير وللقوانين ولصندوقة الاقتراع وللممارسات والتقاليد الحضارية الكلمة الفصل في حماية حق الاختلاف، وفي حسم الصراع بالاحتكام إلى قواعد الديموقراطية. شرط ذلك، أيضاً، امتلاك القوة القادرة على التصدي للارتكابات الكبرى والممارسات المهددة للمصالح الوطنية الأساسية، ومن بينها الاستقرار والأمن والسيادة وحرمة الأرض وحقوق المواطنين.

ليس لدينا شيء من كل ذلك! حتى بعض الشكليات التي كنا نباهي بها العالم، انكشفت هشاشتها وافتضح زيفها، وتساقطت تباعاً كأوراق الخريف إلى غير رجعة.
نحن لم نستطع أن نبني دولة ذات قواعد صلبة وذات مؤسسات حقيقية وفعالة وراسخة. كل ما أقمناه هو صور مشوهة ومزوّرة عن ذلك. والسبب، في هذا الخلل الجسيم والعقم المقيم، هو تغليب مصالحنا الخاصة على المصالح الوطنية العامة وتقديم ولاءاتنا الخارجية على ولائنا الوطني.
ما يحصده اللبنانيون اليوم، وما حصدوه في السبعة عقود الماضية، إنما هو ثمرة: حروب أهلية هي الأكثف والأكلف من أي بلد في العالم. واستشراء الانقسامات وتفشي العصبيات إلى حدود الكراهية التامة والرغبة في الالغاء والاقصاء والاستئصال. وتفاقم أمر الدويلات وتمددها إلى كل نواحي النشاط السياسي والاجتماعي والتربوي والثقافي والرياضي.
وبلوغ الارتباط بالخارج درجة غير مسبوقة لجهة الارتهان والتبعية بأوجه متعددة ومتضخمة يوماً بعد يوم وجيلاً بعد جيل، إذ استقررنا على نوع من الارتباط الشامل، السياسي والمالي والروحي والطائفي والمذهبي، وصولاً أحياناً إلى استحضار عادات وتقاليد «المرجعية» في اللباس والمأكل والمشرب والسلوك.
وفي مجرى هذا التدهور المروع نحو الهاوية، لم نسأل أنفسنا (أي حكامنا) مرة حول مسوؤليتهم عمّا يصيب حياتنا وعمراننا واجتماعنا من مخاطر وأضرار وخسائر. سلكنا دائماً الطريق الأسهل: طريق «أنا أعمى ما بشوف»، وأنا دائماً على حق.
لقد قيل فينا أنّنا «نرقص من دون دف»، وعندما اندلعت الأزمة السورية تسابقنا على الانخراط فيها. البعض سبق البعض الآخر بالطبع، لكننا جميعاً تصرفنا ولا نزال على أساس أنها معركتنا، وأنها ستكون صاحبة الكلمة الفصل في شوؤن حياتنا وعلاقاتنا الخارجية والداخلية، فضلاً عن التوازنات والتحولات التي يجب أن تكون لغير مصلحة الطرف الخصم، وهو طرف شريك في الوطن والمواطنة والمصير... هكذا يُفترض!
وتباعاً لم يصمد أمام الانغماس في الصراع في سوريا وعليها أحد من أطراف المعادلة السياسية اللبنانية. الأسباب دائماً متعددة ومتباينة والأهداف غالباً هي أيضاً متعددة ومتباينة. لكنّ أحداً لم يلتفت إلى أنّه من خلال انخراطه السياسي والعملي في الأزمة السورية، إنما هو مسوؤل عن توسيع الحرب الدائرة فيها لتشمل لبنان، أي لتتحول، أيضاً، إلى حرب أهلية في لبنان وليس في سوريا فقط. في مجرى ذلك، انكشف مجدداً أن اللبنانيين لا يقيمون أي حسابات، ولو أولية ومحدودة، لمصالح بلدهم المشتركة في ما بينهم. إنهم في الحقيقة لا يستشعرون مثل هذا الواجب، وليس في تقاليدهم ما يذكرهم بذلك. هم يندفعون، بلا تردد، في سيرتهم التقليدية: المراهنة على الخارج والتوظيف في دعمه أو رفضه، بوصف ذلك الخيار الوحيد المتاح، ولا خيار سواه.
ليس التفجير الاجرامي الأخير (هو بالنسبة إلى فريق لبناني عملية ضد العدو!) في الضاحية الجنوبية من بيروت خارج هذا السياق. حتى لو نفذت هذا التفجير أجهزة إسرائيلية، فإن تلك الأجهزة تنطلق من واقع الانقسام بين اللبنانيين وتعمل على توسيعه وتعميقه باتجاه العنف الشامل، إذا أمكن. وبهذا المعنى سيكون من العبث النظر إلى التفجير المذكور خارج سياق الصراع الداخلي المتفاعل والمتداخل مع الصراع الاقليمي.
أما التعامل مع هذا التفجير الاجرامي، لردعه ولعدم تكراره، فليس بالرد بأسلوبه نفسه، ولا كذلك بإطلاق بيانات الرفض والإدانة والاستنكار. ولا يكون الرد، طبعاً وأيضاً، من خلال دعوات غامضة وتقليدية للتسريع في تشكيل الحكومة التي ما زالت ولادتها متعثرة ومعبِّرة، في آن واحد، عن تعاظم الصراع على الحصص، وعن الفئوية وعن الانقسام، وعن الابتعاد عن الهواجس الوطنية المطلوبة في هذه المرحلة الخطيرة التي يمر بها لبنان وسوريا.
ليس الرد، أيضاً، بالدعوة إلى حصر القتال وممارسته في سوريا. ذلك أمر لا يقرره طرف واحد، فكيف إذا كان الصراع واسعاً، بل شاملاً، وتنخرط فيه على نحو سياسي وأمني وعسكري دول كبيرة وصغيرة، عربية وأجنبية. وكذلك تنخرط فيه مجموعات متطرفة، بالنيابة أو بالاصالة عن نفسها، في خدمة مشروع يتوسل الارهاب سبيلاً إلى تحقيق أهداف عبثية ومرفوضة من سواد الناس؟
لا يضيع وسط هذا الكلام الاهتمام بالأولويات القومية وضروة إحلالها في المرتبة الأولى من الأهمية ومن الكفاح ومن التضحيات. إنه على العكس من ذلك، محاولة لنزع طفيليات المصالح الفردية عن جوهر الصراع العام، وبوصفه صراعاً ضد القوى الاستعمارية الساعية، بكل الوسائل، ومنها، الآن، انقساماتنا وفئوياتنا، للنيل منّا ومن مصالحنا وثرواتنا ومصيرنا ومستقبلنا. إنه تذكير، إذاً، بالحاجة إلى تقديم المصلحة العامة، التحررية، الوطنية والقومية، على المصالح الفئوية. من دون ذلك لن تستقيم المواجهة ولن تفلح في الدفاع عن بلداننا ومصالحنا وإنساننا. إننا أمام التباسات هائلة في مجال رفع الشعار والانسجام مع موجباته. هذا في حال كان الشعار صحيحاً وحتى صادقاً. فكيف في هذه المرحلة من تسخير الشعارات، ومعها المقدسات، للمصالح الفئوية والسلطوية والتسلطية؟
أما القوى الساعية للتغيير فما زالت تتخبط في عجزها وأخطائها وقصورها. وهي أول من ينبغي أن يعيد النظر في الأخطاء وفي العثرات. لا ينبغي أن تكون هذه القوى، هي بدورها، فئوية وسلفية، ينخر بعضها التخلف والفساد والأنانيات. هي تكون صورة المستقبل والأمل المنشودين أو لا تكون أبداً!
* كاتب وسياسي لبناني