إذا كان الخطاب العام للفصائل المسلحة الفاعلة في سوريا يحمل نبرة طائفية، فهل يترجم هذا إلى أعمال عنف طائفي وقتل على الهوية؟ في الحقيقة، يمكن رصد العديد من أعمال العنف الطائفي في سوريا، التي شاركت فيها فصائل المعارضة المسلحة. فمثلاً، كتبت ليز سلاي في «واشنطن بوست» في نوفمبر/تشرين الثاني 2011 عن قتال طائفي في حمص بين السنّة والعلويين، وعن جرائم متبادلة باعتراف نشطاء معارضين في حمص.


هذا القتال الطائفي في حمص ظهر أيضاً في حماه والقرى المجاورة لها، وأيضاً في حصار الشيعة في قريتي كفريا والفوعة (تأكيداً لشعارات كالتي تتردد في إحدى أناشيد جبهة النصرة التي ينشدها طفل صغير: رح نحمي هالضيعة/ بنّش ما منبيعا/ رح ندبح الشيعة/ بكفريا والفوعة) لأكثر من عام من خلال مقاتلين ينتمون إلى كتيبة صقور شمال إدلب وكتائب أخرى تابعة للجيش الحر، وهذا الحصار والتجويع يبرر عقائدياً بكون «الشيعة محاربين لله».
هناك أيضاً تفجير منطقة جرمانا في ريف دمشق، التي تقطنها غالبية من المسيحيين والدروز، وهذه المنطقة لم تُفجَّر بالسيارات المفخخة مرة واحدة، بل مرات في عدة أيام: 28 أغسطس/آب و3 سبتمبر/أيلول و29 أكتوبر/تشرين الأول و28 نوفمبر/تشرين الثاني 2012. أيضاً يمكننا أن نذكر القصف المتكرر لحيّ المزة 86 في دمشق الذي تقطنه غالبية علوية، وتفجير سيارات مفخخة فيه، وتهجير سكانه أيضاً، وتهجير سكان حيّ السيدة زينب، وتفجير باب توما في دمشق حيث يقطن المسيحيون، وفي بلدة السلمية بمحافظة حماه حيث تقطن غالبية إسماعيلية فجرت جبهة النصرة معملاً للسجاد، والحجة الدائمة في تفجيرات كهذه، هي أنها تستهدف الشبيحة. وتفجير السلمية هذا كان قد استنكره الائتلاف الوطني المعارض قبل إعلان الجبهة المسؤولية عنه، وهذه شواهد للتمثيل لا الحصر.
أعمال القتل تطاول أبناء الطائفة السنية أيضاً بناءً على الموقف السياسي، وأعمال تفجيرٍ تستهدف الناس في أحياء ومناطق موالية للنظام مثل تفجير كلية العمارة في حلب، والتفجيرات التي تتبناها جبهة النصرة مثلاً في دمشق، وبعضها يستهدف أمن النظام وعسكره ويصيب المدنيين (وهذه المسألة مبررة عند الجهاديين، فماذا عن غيرهم؟)، والجبهة تستهدف أيضاً كل موالٍ للنظام، فلا تترك حتى الإعلاميين، وهكذا فهي تعلن مسؤوليتها عن قتل الإعلامي محمد السعيد، المذيع في التلفزيون السوري الرسمي.
ويجدر بنا أن نتذكر أن الفتاوى بقتل الموالين للنظام أيّاً كان موقعهم صدرت حتى من خارج سوريا ومن أشخاص غير محسوبين تقليديين على الخط الجهادي، بل وخاضوا معارك فكرية معه في وقت سابق، مثل فتوى الشيخ يوسف القرضاوي بقتل كل الموالين للنظام، سواء كانوا مدنيين أو عسكريين أو علماء أو جاهلين، ما يدل على حالة الجنون التي تترجم على الأرض في سوريا. ومن هذه الترجمة تفجير الشيخ البوطي ومن معه في المسجد، الذي هلل له البعض وكبّر، ورأى أن دم البوطي وماله مستباحان.
أعمال القتل الأهلي والطائفي تحظى بإدانة شديدة من تقارير حقوقية لمنظمات مثل «هيومن رايتس ووتش»، وتحظى أيضاً بتغطيات واسعة في الإعلام الغربي والعالمي الذي بات يصف ما يجري في سوريا بأنه حرب أهلية، لكن هذه الأخبار لا تسلط عليها الضوء قناتا «الجزيرة» و«العربية»، فهي ليست في صلب اهتماماتهما التعبوية، فالدور المطلوب منهما هو تتبع الأجندة السياسية الخليجية دون أدنى تفكير بالمهنية.

هل هذه أخطاء فردية؟

المشهد في سوريا يعرض صورةً لثورة تحتضن صراعاً أهلياً يعبّر أيضاً عن حرب إقليمية ودولية على الساحة السورية، وهذا الصراع الأهلي متمثل بعمل الفصائل المسلحة على محاربة المكونات الاجتماعية الموالية للنظام أو غير المناصرة للثورة وعدم الاكتفاء بمحاربة الجيش النظامي. إن ما تقوم به الفصائل المسلحة ليست أخطاءً فردية:
أولاً: لأن ما نتحدث عنه ليس سلوكيات معزولة لأفراد، لكنه مشروع الفصائل المسلحة الفاعلة والممولة خليجياً، فالتمويل يصنع التحالفات والأيديولوجيا، والخطاب والشعارات والتعبئة تُستَخدم فيها لغة طائفية. والسلوك الطائفي وقتل الموالين للنظام من السنّة أو من غيرهم يُتَرجِم الخطاب، فالسلوك ليس معزولاً لأنه متوافق مع الخطاب، والاثنان يكوِّنان مشروعاً، ومشروع الفصائل هذا حين نخضعه للتقويم نجد أنه مشروع دولة طالبانية في أقل الأحوال سوءاً، ومشروع احترابٍ أهلي في أسوئها.
ثانياً: لأن هذه السلوكيات لا يمكن تفسيرها بخطأ فردي، فلو أننا تحدثنا عن بعض الشعارات الطائفية التي رفعت في التظاهرات السلمية لأمكننا القول إنها أخطاء فردية لأنها لا تعبّر عن الجو العام للتظاهرات التي تؤكد في خطابها العام المطالبة بالحرية والدولة المدنية. ولو تحدثنا عن حادثة خطف مثل تلك التي استهدفت المطرانين بولس يازجي ويوحنا إبراهيم في حلب لربما جاز الحديث عن أخطاءٍ فردية، لكن لا يمكن اعتبار عمل مجموعة كاملة على استهداف حيّ بالتفجيرات المفخخة مرات عدة خطأً فردياً، أو قصف حيّ بالهاون والمدفعية الثقيلة وتهجير أهله، أو محاصرة قرية لأكثر من سنة لا ليوم أو يومين، فكل هذه الأعمال لا يقوم بها أفراد معزولون، بل فصائل تفاخر أصلاً بهذه الأعمال وتتبنى كثيراً منها.
ثالثاً: لأن حجة عدم وجود مركزية في تنظيم الجيش الحر (بينما جبهة النصرة تتمتع بمركزية في التنظيم) المستخدمة للقول بأن هذه أخطاء فردية غير دقيقة؛ فالتمويل الذي تقدمه دول الخليج لفصائل الجيش الحر مركزي ويُسلم لأيادٍ محددة، وصحيح أن الفصائل نفسها تتحرك بنحو غير مركزي على الأرض، لكن تمويلها يمكن أن يُمنع في حال ثبوت تورطها في أعمال عنف طائفي، أو على الأقل يمكن التبرؤ منها إعلامياً. كذلك هناك حد أدنى من التنظيم في كل فصيل، وهو الذي يجعل قائد لواء التوحيد عبد القادر الصالح يحاسب كتيبة أبو القاسم بسبب قيامها «بأعمال شائنة تمسّ سمعة لواء التوحيد من معاملة الناس بطريقة سيئة والاستيلاء على البضائع القادمة من المعامل»، ما يعني أن المحاسبة ممكنة، من خلال التمويل نفسه، أو من خلال القيادات داخل الفصائل.
إن اعتبار مشروع الفصائل المسلحة الممولة خليجياً «ثورةً مضادة» لتطلعات الجماهير التي خرجت في بداية الثورة تطالب بالحرية والكرامة ليس رفضاً للثورة على نظام استبدادي مجرم، وليس فيه أي انحياز إليه كما يتوهم البعض، بل هو انحياز إلى الجماهير التي بدأت الثورة والتي لم تكن تريد استبدال مستبد بمستبد آخر أو بمجموعة من أمراء الحرب ليقودوا البلاد للفوضى، بل كانت تطالب بالحرية والدولة المدنية. وهو ما يختلف جذرياً مع مشروع الفصائل المسلحة المتمثل في خطابها وسلوكها على الأرض، والتي قدمت للنظام فرصة ذهبية لممارسة تكتيكه المفضل الذي اتبعه إبان أزمة الثمانينيات مع الإخوان المسلمين، وهو التأكيد للسوريين والعالم أنه يتعامل مع مجموعات متطرفة طائفية تحمل السلاح وتريد الخراب.
الواجب الأخلاقي يقتضي إدانة إجرام النظام بدايةً، الذي لم يتورع عن استخدام الطائرات وصواريخ سكود في قصف القرى والمدن، لكنه يقتضي أيضاً إدانة كل اعتداء على المدنيين الأبرياء، وكل أعمال العنف الطائفي أياً كان منفذها، وكل المشاركين في مشروع احترابٍ أهلي على الأرض السورية، وحديث البعض عن رفض المساواة «أخلاقياً» بين جرائم النظام وجرائم الفصائل المسلحة غير صحيح؛ فلا مساواة في المسؤولية، حيث النظام يتحمل المسؤولية الأكبر عن كل ما جرى ويجري.
لكن الجريمة هي الجريمة، وإدانتها ضرورة أخلاقية، والحديث عن رفض المساواة بين الجريمتين يستبطن التعامل مع الضحايا كأعداد لا كأرواح بشر، فمن يقتل أكثر هو المستحق للإدانة، كما يستبطن التعامل مع هوية المجرم لا مع الجريمة ذاتها، فالمطلوب إدانة مجرم محدد بناءً على موقف سياسي، والتغاضي عن مجرم آخر أيضاً بناءً على موقف سياسي. ويكشف هذا أن الشعار الأخلاقي في هذا الكلام هو غطاء لموقف سياسي يُقدَّم في السجال على أنه موقف أخلاقي لإضفاء «العصمة» عليه.
لا يتوقف الأمر على التناقض الأخلاقي، بل يتعداه إلى ارتباك الموقف السياسي؛ فهناك من يتحدث عن الثورات الديموقراطية في الوقت الذي يؤيد فيه فصائل تحمل مشروع الدولة الطالبانية، وهنا يبدو الأمر مجرد انتقام من نظام الأسد دون تصور لنظام بديل، أو تقديم التصور الساذج بأن جبهة النصرة ستسقط الأسد ثم يأتي دور المعارضة الخارجية لتسلم البلاد، ويحاول البعض معالجة هذا المأزق في الرؤية السياسية بهذه الطريقة: «فلتُسقِط جبهة النصرة الأسد، ثم نتفاهم معها بعد ذلك».
وهذا حديثٌ عن حرب فصائل مؤجلة على طريقة الفصائل الأفغانية بعد الانسحاب السوفياتي، وهو حديث مستند إلى وعود قدمتها قيادة الجيش الحر ورعاته الإقليميون للولايات المتحدة بمحاربة النصرة في حال سقوط النظام، لكن هذه الحرب لم تنتظر هذا التأجيل أصلاً؛ فقد بدأت بوادرها بالفعل بعد مقتل ثائر وقاص القيادي في كتائب الفاروق التابعة للجيش الحر، والشكوك بشأن تورط جبهة النصرة في هذا الاغتيال انتقاماً من وقاص للاعتقاد بأنه قتل فراس العبسي أحد قيادييها.
هذا الموقف السياسي المرتبك الذي يصرخ مديناً سفك النظام للدماء ويزايد على الآخرين لا يطرح إلا حلولاً دموية: من التدخل الخارجي (الذي ثبت في ليبيا أنه زاد عدد القتلى المدنيين) إلى تسليح الفصائل المتطرفة، وصولاً إلى التنظير لحرب فصائل مؤجلة وحرب أهلية واسعة بالضرورة بعد سقوط النظام على غرار أفغانستان.
لكن الارتباك السياسي والأخلاقي في الموضوع السوري لم يمنع بعض أصحابه من إقامة حفلة مزايدات وصلت إلى تبني خطابٍ طائفي بشعار الاستنكار الأخلاقي لجرائم النظام السوري.

المزايدة طريق الطائفية

ابتُلينا بأشخاص ومجموعات تنصّب نفسها حارسة لقيمة من القيم أو قضية من القضايا ووكيلاً حصرياً لها، فالحكوميون (ومن يُسمون «البيض» في تويتر) يقدمون أنفسهم وكلاء للوطنية، ويتبرعون بفحص دم الناس للتأكد من وطنيتهم، وبعد الثورات وجدنا من ينصّبون أنفسهم وكلاء للثورات، يزايدون حتى على مؤيديها، ويقدمون موقفهم التفصيلي منها باعتباره موقفاً معيارياً لا بدّ للمرء أن يتبناه حتى يُحسب ثورياً أو مؤيداً للثورات.
تبنّي ثنائية الخير/الشر في النظر إلى المسألة السورية دفع البعض إلى الذهاب بعيداً في «التكفير السياسي» لأنصار النظام ومؤيديه، وهو ما اتضح في الاحتفال بمقتل البوطي، بما يعني أن شعار «لا حرية لأعداء الحرية» استُبدل بشعار «لا حياة لأعداء الحرية».
ولا يخلو الأمر من مزايدات على الثوار أنفسهم وعلى معارضي النظام؛ فهيثم مناع الذي قتل النظام أخاه وكان معارضاً شرساً للنظام قبل الثورة وبعدها يُتهم بأنه مع النظام فقط لأنه ضد التدخل الخارجي، والأمر نفسه يحدث مع رئيس الائتلاف الوطني السابق الشيخ أحمد معاذ الخطيب الذي تتهمه أطراف في المعارضة السورية وآخرون بأنه باع الثورة فقط لأنه اقترح حواراً مع النظام.
إن ما حصل في مواقع التواصل الاجتماعي بعد مجزرة بانياس البشعة هو معالجة لسفك الدم بالمطالبة بالمزيد من سفك الدم وخوض الحرب الأهلية؛ فقد حصلت حملة «تشبيح» واسعة ترفض مجرد انتقاد الفصائل المسلحة في سوريا وتعتبر ناقديها شركاء في قتل الأطفال! لا مشكلة في أن تعبّر عن غضبك وعن موقفك السياسي، لكن المشكلة في تحويل الموقف السياسي إلى مفاصلة عَقَدية ومسألة ولاء وبراء باسم الدم المسفوك، والمزايدة على الآخرين وإقامة محاكم التفتيش لاستنطاق مواقفهم.
استُخدمت عبارة الأغلبية والأقلية بكثرة في حفلة الجنون تلك، وهذه عبارة يمكن القبول باستخدامها على أساس الأغلبية والأقلية السياسية، أما الأغلبيات والأقليات الطائفية فهي ليست معتبرة في خطاب ينشد المواطنة ولا ينظر للناس وفق خلفياتهم المذهبية، بل باعتبارهم مواطنين متساوين، لكن هناك من قرر أن يُخرج الطائفي الذي بداخله، وباسم الدم (ومن موقع الأغلبية السنية الضحية لاعتداءات الأقلية العلوية) يتحدث عن مهزلة التسامح مع الأقليات والحرص المبالغ فيه عليها، مع أن من ينظر إلى السوريين كمواطنين عرب لا يرى أقلية علوية وأكثرية سنية، بل يرى مواطنين مدنيين لا يجوز الاعتداء عليهم، لا من النظام ولا من الفصائل المسلحة، ويرى أن قتل المدنيين العزّل مدان من أي جهة أتى وعلى أي جهة وقع.
تنتقل المزايدات من «إن لم تكن مع التدخل الخارجي فأنت مع النظام» إلى «إن لم تكن مع الطائفية فأنت مع النظام»، ويصل الأمر إلى مستوى جديد عبر مزج الطائفية بالعنصرية؛ فالبعض يتحدث عن «السكان الأصليين» – وهم السنّة هنا – في مواجهة «مجموعات متوحشة في الجبال» – هم العلويون – رابطاً هذا الحديث بالتشديد على توظيف الطائفيين في الخليج والعراق ولبنان (الطائفيون هنا هم الشيعة فقط) لشعارات الحرب على الإرهاب في استهداف «الأغلبية السنية» ومحاصرتها، وهذا الكلام طبعاً يرجى منه التأسيس لخطاب المواطنة والديموقراطية والدولة المدنية!
ولتبرير هذا التموضع الطائفي لا بد من السخرية من كل رفضٍ للطائفية، وهكذا فإن «لا للتائفية» تقال في سياق السخرية من رافضي حفلة الجنون المكارثية. وينشر هذه السخرية بعض من يفترض أن يكونوا أصلاً في الصف الرافض للطائفية، لكنهم بقدرة قادر يتحولون في لحظة انفعال إلى ركوب الموجة المذهبية، وينتهي الأمر بهم إلى الموافقة على أنه انتهى عهد ضبط النفس، ولنقصف قرى العلويين إذاً و«تباً لكل شيء يا صديقي»، مع ما تعنيه هذه العبارة من التحلل من كل اعتبار أخلاقي، والدعوة إلى معالجة سفك الدم بالمزيد من سفك الدم. وهكذا فإن هذه الغضبة على المجزرة لا يعود لها معنى أخلاقي حين يقودك من يرتكب المجزرة إلى أخلاقياته وسلوكه.
بعض من يقدمون أنفسهم وكلاء للثورة السورية وأحرص على الدم السوري من الآخرين يذهبون بعيداً في المزايدة، فيؤكدون أن «عقلاء الشيعة» – وهي الكلمة التي يستخدمها الصحفيون الحكوميون في مسألة تحديد الولاء – أمام «حرجٍ تاريخي بصمتهم عن المجازر الوحشية التي ارتكبها حزب الله».
وبعيداً عن التوصيف المذهبي لهذا الكلام المنطلق من ثنائية «نحن وهم» المذهبية، فإن هؤلاء هم آخر من يتحدث عن «الحرج التاريخي» في المواقف والملفات المطروحة على الساحة، فيمكن ببساطة تذكيرهم بحرجهم التاريخي أمام تفجير الناس في العراق، وأمام قتل الثوار السلميين في البحرين وتعذيبهم، ويمكن أيضاً تذكيرهم بحرجهم التاريخي داخل بلدهم أمام قتل المتظاهرين في القطيف، وأمام الظلم الذي تعرض له حمزة كشغري، وأمام اعتقال تركي الحمد، وأمام عشرات الملفات الأخرى التي لا يجرؤون إلا على الصمت أمامها لأسباب سياسية وتكتيكية متعلقة بالجمهور.
إن من يزايد في هذه المواقف عليه أن يتذكر أنه لم يؤدِّ قسطه للعلا، وأنه سيُواجَه بتقصيره في عدد من القضايا، وستُفتح له الملفات، والأسلم له ألا يخوض معركة خاسرة ويكتفي بالستر على نفسه.
يصل العمى الطائفي إلى تضييع بوصلة الأصدقاء والأعداء، فيهلل فلول المعارضة الصحوية في التسعينيات لغارات إسرائيل على الأراضي السورية (وهي غارة عدو الأمة على أرض سوريا وليست على نظام بشار الأسد)، كما يعبر الشيخ «التنويري» الذي عارض بشراسة استقدام القوات الأميركية لتحرير الكويت عام 1990 عن بهجته في صباح الغارات الإسرائيلية، فهو صباح «المسرات والأفراح»، والله سبحانه وتعالى «قد ينتقم من ظالمٍ بظالم»، ثم ينتقم من الآخر.
ما تعنيه عبارات التأييد هذه للغارة الإسرائيلية على سوريا أن هؤلاء يعترفون بإسرائيل ضمنياً ويرونها «دولةً فاعلة» في المنطقة؛ إذ إنهم يقبلون بالتقاء مصالح معها ولو مؤقتاً، والتحالف معها في وجه «أعداء أخطر». وهكذا فإن أولويات الصداقة والعداء تخضع لتعريف جديد، وهنا يبدو أننا ندخل مرحلة جديدة بات فيها التأكيد لثوابت وبديهيات من قبيل العداء مع إسرائيل ورفض الطائفية أمراً ضرورياً كي لا يكون الخطاب الطائفي عادياً، وكي لا يصبح احتفال عربي سوري في قنوات الصهاينة بغارة على سوريا باسم الثورة طبيعياً.
ويبدو أن التفريق سيصبح صعباً في الفترة المقبلة بين الإسلاميين من دعاة «الدولة المدنية» وبين الجهاديين، وسيكون التفريق صعباً أيضاً في مسألة التدخل الخارجي بينهم وبين النيوليبراليين من أمثال أحمد الجلبي والمعارضة الشيعية العراقية المتحالفة مع الاحتلال الأميركي، بل إن بعض الإسلاميين سيتفوق بالتحالف مع إسرائيل مباشرة.

لحظة مفصلية

إن دور المثقف الرافض للطائفية أن يرفع صوته برفضها في وقت الأزمات، لا أن يكتفي بالتنظير ضدها في أوقات الاسترخاء ثم ينجرف مع موجتها حين تشتد الأزمة ويمارس التحريض الشعبوي على من يختلف معه في الرأي والموقف، كذلك إن المثقف الناقد لا يوجهه الجمهور وانفعالاته، بل هو يقوم بدوره في رفض الموجات الانفعالية المؤدية إلى الفوضى والخراب، ولو عارض هذا رغبات الجمهور.
إننا أمام لحظة مفصلية في سوريا والمنطقة، فإما أن يحصل حل سياسي يغيِّر النظام وينهي الصراع (ولا حل سياسياً مقبولاً إلا بتغيير هذا النظام المسؤول عن كل هذه الكوارث)، وأن يكون حلاً يضمن إنتاج نظام ديموقراطي، لا أن يكون حلاً محاصصياً بين الطوائف تمسك بمفاصله القوى الإقليمية والدولية تكراراً للنموذجين اللبناني والعراقي، وإما أن تستمر حرب أهلية مفتوحة لا تتوقف على حدود سوريا، وتشمل المشرق العربي برمته.
من لم يجبن ولم تمنعه شعارات المقاومة والممانعة ولا حسابات سياسية معينة من انتقاد نظام الأسد والوقوف مع الثورة لإسقاطه، لن يجبن ولن تمنعه شعارات الثورة والمزايدات باسم الدم المسفوك عن نقد الفصائل المسلحة الممولة خليجياً، وعن إدانة أي جريمة تقع بحق مدنيين سوريين، وعن رفض المحاور الطائفية والدعوة إلى مشروع عربي ينهي الطائفية ولا يضيع بوصلته ويعرف عدوه جيداً، فلا يفرط بأرضه وسيادته ولا يدوس شعبه باسم المقاومة والممانعة.
هذا ما ستفعله بنا الطائفية: سيكون خراباً.
* كاتب سعودي