نحن نعيش مرحلة هرج ومرج في النقاش، حتى بين المثقفين والإعلاميين! بات التخوين والتكفير والتصنيف في صف تيار ضد آخر، سمة كثير من المتناقشين، والمثقفون منهم، فإما أن تكون مع الإخوان أو ضدهم؟ تماماً مثلما كان يفعل بوش... معي أو ضدي! أما أن تلتزم موقفاً وسطاً، وتقول إنّ الانقلاب على الإخوان مرفوض من منطلق رفض الانقلاب، فهذا قد لا يشفع لك، لتجد من يصنّفك رغماً عن أنفك إخوانياً أو متعاطفاً معهم. الانقلاب مرفوض من حيث المبدأ... وما حدث في مصر اسمه في علم السياسة والقانون والممارسة السياسية «انقلاب»، ولا مجال لأن يلفه أحد أو يزيّنه بعبارات من قبيل انقلاب مدعوم بالإرادة الشعبية أو شيء من هذا القبيل. فمن يحترم الممارسة الديمقراطية، عليه أن يصل إلى السلطة عبر الصناديق، وحينما ينحرف الحاكم تتم إطاحته بالصندوق، لا عبر دبابة. وتبّاً لمثقفين يتغنّون بالحرية والديمقراطية ويناصرون منطق الانقلاب العسكري حينما يشفي غليلهم ضد الإخوانيين أو العلمانيين أو الليبراليين أو غيرهم... حكم العسكر مرفوض، والجيش مكانه في الثكن.

إنها قضية مبدأ: لا للانقلاب، سواء كان ضحيته إخوانياً، أو علمانياً، أو ليبرالياً، أو يسارياً. هناك شيء اسمه: احشد أغلبيتك، وتوجه إلى صندوق الاقتراع لإطاحة الرئيس. كما أن منطق هاتوا شجعانكم، ونأتي بشجعاننا ونغلق شوارع مصر، منطق يعكس ضعف الطبقة السياسية وعجزها عن تأطير قواعدها، لمواجهة تنظيم إخواني أثبت أنه الأكثر قوة على تنظيم صفوفه لأنه عمل سنوات طويلة على الأرض، بينما ظل خصومهم يتقوّون بمن في السلطة، أو يستندون إلى الجيش. هذا الجيش الذي لن يكون وطنياً ولا عظيماً، عندما يسبّب انقسام الشعب ويتجاهل الرأي الآخر.

تحريض إعلامي ضد الشعوب

ما يحدث في مصر اليوم يدعو إلى السخرية من حال بعض الإعلاميين الذين نصبوا أنفسهم قادة للرأي العام في مصر. هؤلاء أنفسهم الذين كانوا بالأمس وراء إشعال فتيل الأزمة بين الجزائر ومصر، ووصفوا الجزائر ببلد المليون عاهرة! وشتموا شهداءها وتاريخها، ولم يوفروا أي إهانة أو شتيمة، لأجل إرضاء مبارك وأبنائه. هؤلاء أنفسهم يقودون اليوم حملة تفوح رائحتها النتئة ضد الإخوان، قبل أن يصلوا حد التحريض ضد الفلسطينيين والسوريين؟ هل هذه هي مصر العروبة، وأم الدنيا، وقلب العالم العربي، كما يحلو للمصريين أن يتغنّوا بأنفسهم؟ أحبّ مصر وشعبها الطيب، لكن أي عاقل لا يمكنه أن يقبل هذا الهزال الإعلامي الذي نسمعه في فضائيات خاصة، تعدّت كل حدود الموضوعية. فمثلاً، باسم يوسف، هذا الإعلامي الذي انهال «قدحاً» على الرئيس المنقلب عليه _ وقد كان باسم أحياناً على صواب _ لم يجرؤ أن يقول كلمة واحدة ويمسح البلاط بـ«السيسي»، كما فعله بأول رئيس عربي منتخب ديمقراطياً مباشرة من الشعب!
وحينما يحاول مرسي كمّ الإعلام، لا بدّ أن نكون ضده، لكن أن يتم الانقلاب العسكري، ويبدأ حكم العسكر _ مدعوماً بإعلاميين مهلّلين للتعتيم والتضييق _ بإغلاق قنوات إعلامية واعتقال صحافيين ونشطاء سياسيين، فهذه هي الديكتاتورية المشؤومة التي عرفنا منها أكثر من عشرية كاملة في الجزائر.
لست إخوانياً، ولا متحمساً لهم، لكنني سأكون إخوانياً وليبرالياً وعلمانياً ويسارياً، حينما يتعرض أي من هذه التيارات لانقلاب عسكري، وتستقوي المعارضة بالعسكر، بدل أن تنظم صفوفها وتدخل انتخابات برلمانية تمكنها من إطاحة الرئيس بثلثي النواب، أم تراه العجز عن تكوين هذه الأغلبية؟
في مصلحة من تلك الحملة الإعلامية المنظمة والموجهة ضد الإخوان؟ هذا المنطق الذي يشيطن الإخوان تماماً، أو ما يقابله من فكر إخواني يكفر المعارضة، كلاهما غير مقبول، وكلاهما انحراف. وأصبحنا نتوق إلى قراءة مقالات وسطية، تنصف كل طرف، وتحمّله أخطاءه من دون مزايدة! المنطق والموضوعية يقتضيان القول: للإخوان ما لهم وعليهم ما عليهم... ولو حاول أحد أن يقول إنّ الإخوان كلهم شر مستطير، فهو سيكون مجانباً لمنطق الحياة، ومنطق الخير والشر المفترض في النفس البشرية!
مصر اليوم لن تبنى بإقصاء أي طرف، ومنطق التهويل وشيطنة الإخوان، واعتقال قياداتها، وإغلاق قنوات إعلامية، منطق لن يدفع إلى المصالحة الوطنية، بل إلى حرب أهلية لا محالة.

التشفّي

سنشهد إسهالاً إعلامياً وسينمائياً جديداً في مصر، وسينتشي الكثير من المخرجين والسينمائيين لإخراج أفلام «تشيطن» الإخوان، لكنهم لا يدركون _ ربما _ أنهم يخدمون الإخوان أكثر مما ينفعونهم. فهذه الجماعة ألفت التضييق عليها والإساءة إليها طيلة سنوات طويلة، وليس فنّانو المحروسة من سيشوّهون سمعتها بإنتاجهم الرديء، بل إن التضييق على خصمك يصنع له مجداً، ويكسبه مكانة، وما يحدث في مصر اليوم يجعل الإخوان في موقع المدافعين عن الديمقراطية، بينما المعارضة في موقع الدفاع عن العسكر، ومنطق الانتصار للدبابة، فهل هذه اقتناعات اليساريين والليبراليين ومن والاهم من أدعياء الديمقراطية وحقوق الإنسان؟!
الإخوان ارتكبوا من الأخطاء والحماقات في ظل حكم مرسي ما منح فرصة لخصومهم للانقضاض عليهم، ففعل مرسي وقيادات الإخوان المسلمين في حق أنفسهم ما لم ينجح عبد الناصر ومبارك والسادات في فعله طيلة سنوات طويلة للقضاء على الإخوان!
مصيبة الإسلاميين أنهم ما إن يصلوا إلى الحكم حتى يحاولوا الانقضاض عليه، لأنهم _ ربما _ ألفوا العيش في موقع المعارضة وفي جنح الظلام وغياهب السجون التي قضوا فيها أكثر مما قضى بعضهم في بيوتهم وبين أهليهم، وبظلم من الأنظمة السابقة أحياناً كثيرة. ونقص الخبرة في الحكم، والتهور في الانقضاض على الحكم أتاحا الفرصة لمعارضيهم للانقضاض عليهم، رغم أن الإسلاميين لم يمكّنوا سوى عام واحد في الحكم، لكنّ أخطاءهم لا تبرر أبداً الانقلاب عليهم بالدبابة.
* صحافي جزائري