التصعيد الذي تقوم به السعودية في الإقليم لا يتصل فقط بهواجسها تجاه تراجع الدور الأميركي بعد إبرام الاتفاق النووي مع إيران، بل أيضاً بنمط الترتيبات القائم داخل الحكم إثر رحيل الجيل الذي كان يقود السياسة الخارجية "بشيء من التروّي". هذا يحصل في ظلّ "استدارة أميركية" عنوانها عدم ترك الإقليم يُدار بواسطة قوى يتراجع تأثيرها لمصلحة آخرين يبدون في نظر "العالم" - وليس الأميركيين فقط - أكثر اتساقاً مع حقائق المرحلة. بالنسبة إلى هذا السياق الجديد فإنّ تأثير السعودية في الإقليم أصبح يوازي تأثير دول أقلّ شأناً منها بكثير، ولذلك فهي تقود منذ فترة وفي مواجهة "التخلّي الأميركي والدولي عنها" اعتراضاً مسلّحاً يترافق مع تغييرات هيكلية وجذرية في بنية الحكم داخلها. عنوان هذا الاعتراض هو تغيير السياسة التقليدية للنظام وعدم الاتكال على الرعاية الأميركية وحدها لاستمراره. فهذه الرعاية نشأت في مرحلة كان الصراع فيها بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي لا يقتضي تدخّلاً نشطاً من الحلفاء الإقليميين لهذا أو ذاك، وكانت الحاجة إلى الحلفاء تقتصر على إحداث توازنات مع مراكز النفوذ التي تتبع للمعسكر الآخر، ومن هنا فإنّ الدور السعودي كان يقتصر على إضفاء الشرعية على السياسات الأميركية من دون التدخّل المباشر إلى جانبها في صراعات المنطقة والإقليم. وبقي هذا الدور على حاله حتى عندما تدخّلت الولايات المتحدة مباشرةً في المنطقة إبان غزو العراق، حيث اقتصر الدور السعودي على تأمين الغطاء السياسي للغزو وتوفير منصّة عسكرية لانطلاق المقاتلات الأميركية باتجاه العراق. لاحقاً، وفي ظلّ الأزمة السياسية التي أعقبت اغتيال رفيق الحريري في لبنان دعمت السعودية تحالف 14 آذار في مواجهة الفريق القريب من سوريا وإيران، ولم تتورّط مباشرةً في النزاع الداخلي، واستمرّ النظام السعودي على هذه الوتيرة من "التدخّل المحدود" حتى اندلاع الأزمة السورية في عام 2011. في سوريا تحديداً ومع تصاعد النزاع وتحوّله إلى صراع عسكري بين النظام والمعارضة المسلحة بدأت تظهر المؤشّرات على انحسار الحماية الأميركية المُطلقة "للمملكة".

لم يجرِ الانتباه إلى «النمط العميق» الذي تمّ إرساؤه بين موسكو وواشنطن لإدارة الصراع
حدث ذلك تدريجياً وبالتزامن مع تصاعد أزمة الشرعية داخل الحكم السعودي. هكذا، ترافقت مشكلة الوراثة التي خلّفها رحيل الجيل الأول من أبناء عبد العزيز مع الفوضى التي أحدثها حكم أوباما في الإقليم، حيث لم تستطع السعودية في هذه الفترة التأقلم بسهولة مع تداعيات سقوط الأنظمة الحليفة لها. حصل التأقلم فقط عندما بدأ الحكم في سوريا يهتزّ، وكانت المملكة وقتها لا تزال تحت إدارة الملك عبد الله، ولكن هذا الأمر لم يستمرّ طويلاً، فسرعان ما تدخّلت إيران لمنع النظام من السقوط ومجابهة النفوذ السعودي الذي كان قد بدأ يتزايد حينها، وخصوصاً في أعقاب الهجوم الذي تعرّضت له حلب في صيف عام 2012. الصراع السعودي الإيراني أخذ منذ ذلك الوقت شكلاً جديداً، ومعه تزايد انخراط الأجنحة الصاعدة داخل الحكم السعودي في النزاع السوري، حيث تمّ الاعتماد على تقديرات تفيد بسهولة حسم المعركة مع النظام إذا ما توحّدت الجبهات التي تقاتله. وقد ظنّ السعوديون حينما أقدَموا على هذه الخطوة أنّ الغطاء الأميركي سيسهّل عليهم المهمّة ويترك لهم هامشاً واسعاً من الحركة في مواجهة النظام وحلفائه على الرغم من كلّ المؤشّرات التي كانت تفيد "بمحدودية ما يمكن تقديمه من دعم" في حال تدخّلت قوى أخرى أكثر نفوذاً لدعم النظام. بعد سنة فقط وُقّع الاتفاق الذي يقضي بتسليم سوريا مخزونها من المواد الكيميائية برعاية روسية وأميركية مشتركة، وتمّ تجنيب النظام ضربةً عسكرية كانت دول الخليج وخصوصاً السعودية تعقد عليها الكثير من الآمال، وكالعادة لم يجرِ الانتباه حينها إلى "النمط العميق" الذي تمّ إرساؤه بين روسيا والولايات المتحدة لإدارة الصراع بمعزل عن الحلفاء الإقليميين. جرى استيعاب الأمر لاحقاً، ولكن بعد أن تلقّى الانخراط السعودي المباشر في سوريا أوّل هزيمة مُعلَنة له. في هذه الفترة كان الأمراء الجُدد يراقبون المشهد ويتطلعون في ضوء التراجع الذي مُنيَت به دولتهم إلى تغيير شكل الانخراط السعودي ليس في سوريا فقط بل في الإقليم كذلك. أتاحت لهم وفاة الملك عبد الله والترتيبات الداخلية التي أعقبتها هذه الفرصة، إذ لم يكد يمرّ على وفاته سوى شهرين حتى أعلَنت السعودية تحت قيادتها الجديدة عن مباشرة ما سمّته "بعاصفة الحزم" على اليمن. العدوان كان مناسبةً لإعطاء خيار الانخراط النشط دفعةً كبيرة، فبفضله صعد نجم الجناح الذي يؤيّد التدخّلات العسكرية المباشرة، وتزايد مع صعوده تهميش الأجنحة الأخرى التي كانت تعارِض توريط السعودية في حروب إقليمية كُبرى وترى فيها إجهازاً على المكانة التي حظيت بها مملكة آل سعود بفضل سياستها المحافظة. وبذلك تكون الحرب التي اختار محمد بن سلمان خوضها قد غيّرت الكثير في سياسة "المملكة"، ففضلاً عن إعادة ترتيب البيت الداخلي بما يتناسب مع النمط التدخّلي النشط هنالك التغيير الذي طرأ على سياسة المواجهة مع إيران، حيث لم تعد مقتصرة على الصراع بالوكالة في هذا البلد أو ذاك، بل أصبحت تُخاض مباشرةً، وعبر سلاح الجو الذي كانت تكدّسه السعودية استعداداً ليوم كهذا. الفاعلية هنا لم تعد مرتبطة بنتائج الحرب التي يتبيّن أنها فشلت في تحقيق أهدافها بقدر ارتباطها بالنمط التدخّلي الذي أصبح مع الوقت يصيغ شكل الحكم في السعودية. الاعتماد على الحروب بهذا المعنى تحوّل إلى آلية لإعادة إنتاج النظام وتأهيله، بحيث لا يعود مرتبطاً فقط بالقرار الأميركي، وإنما بجملة من المعادلات الإقليمية التي تتغيّر باستمرار وتغيّر معها آلية صناعة القرار في السعودية. وغالباً ما يكون هذا التغيّر مصحوباً بتحالفات عسكرية يمكن للحكم الاعتماد عليها في ظلّ عدم رغبة الأميركيين في مجاراته في مغامراته العسكرية. هذا لا ينفي تغطية الأميركيين لإنشاء تحالفات مماثلة ولكنه يضعها في سياق متغيّر تماماً كما هي حال كلّ الخطوات التي تقدم عليها السعودية مؤخّراً. "التحالف الإسلامي" مثلاً يمتثل لرغبة أميركية في دعوة الحلفاء إلى زيادة فاعليتهم العسكرية في مواجهة التحديات الإقليمية ومنها "داعش" غير أنه لا يتطابق تماماً مع الأهداف الأميركية التي يجرى التعبير عنها حالياً من خلال الائتلاف الدولي ضد "داعش". هنا بالضبط يحصل التعارض الجزئي بين التحالفين، فبينما يؤدي الائتلاف دوراً متطابقاً بالكامل مع الاستراتيجية الأميركية في المنطقة يذهب "التحالف الإسلامي" بشكله الحالي إلى تنفيذ رؤية تعبر عن الدور الذي ترسمه السعودية لنفسها في ضوء الانسحاب الأميركي التدريجي من الإقليم. "التحالف" نفسه كان نتاج هذا الانسحاب، إذ لم تكن السعودية لتقدر على خوض الحرب في اليمن من دون غطاء إقليمي يؤمّن لها الشرعية التي تفتقد إليها على الصعيد الدولي. ولأنّ الحرب بالأساس كانت نتاج الفشل السياسي السعودي في صياغة تحالفات تقدر على إدامة نفوذها داخل اليمن فقد احتاجت إلى ذريعة لمعاودة استعادة هذا النفوذ، وهذه المرّة من خلال الاعتماد على "دول إسلامية" تعيش في ضائقة مالية ولا تستطيع التخلي عن الهبات والمعونات السعودية. من هنا نشأ "التحالف السعودي" الذي خاض الحرب وفشل فيها، دافعاً بالحكم في "المملكة" إلى إعادة تأهيله عبر توسيعه قليلاً وتحويله إلى إطار سياسي أكثر منه عسكرياً. الأهداف التي وُضِعت "للتحالف الإسلامي" كانت متلائمة مع النسق الذي تحاول السعودية من خلاله "قيادة المنطقة" في مواجهة إيران، وهو ما سيقود بالتوازي مع التورّط في اليمن وسوريا والتصعيد في لبنان إلى تغييرات ليس على مستوى الحكم فحسب بل أيضاً على صعيد التنافس الإقليمي بين الأقطاب المؤهّلة لقيادة المنطقة وتشكيل محاورها الرئيسية.
* كاتب سوري