في الأكاديميا، يُستخدم مصطلح "الفرضية ما بعد المادية" للتدليل على تبدّل حوافز الناس في السياسة والثقافة، وتغيّر الأولويات التي تحرّكهم ــ ابتداءً من أوائل السبعينيات ــ من نمطٍ يرتكز على الحسابات المادية والمصلحة الاقتصادية، الى طغيان خطاب الهوية والدين والفردانية؛ فلم يعد من الممكن التنبّؤ بسلوك الناخبين وتفضيلاتهم ــ مثلاً ــ بمقياس المصلحة المباشرة أو العقلانية الاقتصادية. أصبح بالإمكان لمرشحٍ كجورج بوش أن ينال أصوات الفقراء المسيحيين عبر التكلّم بلغتهم الانجيلية، وأن يدّعي تمثيلهم وأن يدفعهم إلى التماهي معه، فيما هو لا يشبههم في شيء، ومصلحته تعاكس مصلحتهم، بل هو يعمل ــ علناً ــ لتنفيذ سياساتٍ سترحّل وظائفهم الى الخارج وتهمّش مناطقهم وتدفعهم الى أسفل السلّم الاجتماعي. بل إنّ بوش الابن، الذي يلعب دور الجنوبي المتديّن من تكساس ويتكلّم بلهجة أهل الأرياف، هو أساساً من عائلة شمالية ثرية تتبع الكنيسة المعمدانية، القريبة الى الكاثوليكية، وقد بنى مساره السياسي في تكساس، فصار جنوبياً وإنجيلياً "مولوداً من جديد" (فيما استقرّ أخوه في فلوريدا حيث أبناء أميركا اللاتينية كثر، فتحوّل الى الكاثوليكية وتزوّج من امرأة مكسيكية الأصل).

هذه الحالة "ما بعد الحداثية" ــ حيث الصورة منفصلة عن المحتوى، و"المرشح الرئاسي" هو منتج تلفزيوني، لا يهمّ ما يؤمن به وما يمثّل في المجتمع، بل ما يهمّ هو أن يكون التقاءً لشبكة مصالح كبرى، تملك البلد وتديره، وأن يكون شكله و"أداؤه" مقنعين ومناسبين ــ قد طبعت انتخابات الرئاسة الأميركية، أقلّه منذ تحوّل السباق الى حدثٍ تلفزيوني (باراك أوباما، بهذا المقياس، هو النموذج الأمثل للمرشّح الناجح). في الانتخابات التمهيدية لدورة 2004، كنت أسأل زملائي وأصدقائي الأميركيين، الذين يفترض أنهم على يسار الحزب الديمقراطي: ما داموا يشتكون من خسارة الحزب الديمقراطي للناخبين البيض الفقراء، الذين لا يتماهون مع مرشحيه وخطاباتهم، ويقولون إنّ جورج بوش يجذب الناس بخطاب كاذبٍ عن الدين والقيم، فلماذا هم يصرّون على الاصطفاف خلف شخصيات نخبوية كريهة، كجون كيري وهيلاري كلينتون، بدلاً من رفع مرشّحين كدينيس كوسينيتش؟ كوسينيتش، موضوعياً وبالمنطق، يمثّل "المرشّح الأمثل" الذي يشبه الحزب الديمقراطي: هو ينتمي الى عائلة من الطبقة العاملة، دافع طوال حياته عن حقوق العمّال، وله سيرة طيبة لدى ناخبي دائرته في أوهايو وكليفلاند، ومواقف تقدمية ولكنها غير متطرفة من أغلب القضايا (وهو، الى ذلك، يتعاطف مع حقوق العرب ويعارض السياسة الأميركية في بلادنا). كانت الإجابة تأتي دائماً عبر نظرة مستخفّة، والتصريح بأن مرشّحاً ككوسينيتش لا يملك فرصة للفوز بالرئاسة ولا يستحقّ الدعم؛ وحين تسأل عن السبب خلف هذا الحكم، فهو متكلّم جيّد ويملك خطاباً متماسكاً وخلفية مثالية، يكون الجواب أنّه "لا يبدو رئاسياً"، شكله غير مناسب، لا يملك كاريزما (قالها أحدهم بصراحة، "ألم تنظر إليه؟ إنه يبدو كالعفريت").
في مقالٍ أخيرٍ له عن "ظاهرة ترامب"، يحلّل مات طيبي الصعود الكبير للمرشّح الجمهوري من هذه الزاوية: فهم ترامب أن السباق الرئاسي هو عبارةٌ عن "برنامج تلفزيونيٍّ يكلّف مليار دولار وبممثّلين رديئين"، وأنّه قادرٌ على التفوّق عليهم جميعاً. تقليد التنابذ والشتم قديمٌ في السياسة الأميركية، وترامب ــ بثقته بنفسه وتلقائيته ــ قادرٌ على إتقانه أكثر من أيّ منافس تنتجه ماكينة واشنطن، كماركو روبيو. حتّى منافسه الأقرب، المسيحي المتطرّف تيد كروز، لا يملك فرصةً أمامه بمقاييس التلفزيون وشعبية الجماهير. كروز، بشكله وهندامه وطريقة كلامه، أشبه بالباعة المحتالين المتجوّلين، الذين كانوا يبيعون "إكسير الشباب" وما شابه من عقاقير في بلدات الغرب الأميركي؛ بل إن مات طيبي يدّعي أنّ مقالاً جدياً قد نشر في مجلّة علمية (Psychology Today) لبروفيسور اسمه ريتشارد سيتويك، يبحث في "الصفات الفريدة التي تجعل وجه تيد كروز منفّراً" (وقد استخدم مصطلحاً ألمانياً لوصف حالته يعني حرفياً "وجهٌ يحتاج الى لكمة جيّدة").
من جهةٍ أخرى، فإنّ ترامب يملك امتيازاً حقيقياً على منافسيه الذين ينتمون الى النخبة السياسية، والذين قضوا حياتهم وهم يتلقّون الأموال من الشركات الكبرى. حين ننظر الى بيانات الضرائب التي كشفت عنها هيلاري كلينتون، ونفهم أنها تلقّت ملايين الدولارات سنوياً كـ"أجور" لإلقاء محاضرات (بمعدّل 200 ألف دولار للمحاضرة الواحدة)، وأنّ هذه "الأجور" جاءت كلها من مصارف وشركات ومصالح كبرى، يصبح من الصعب على الناخب الأميركي أن يصدّق أن هذا السياسي يمتلك أي قدرٍ من الاستقلالية، أو أنّه سيقف الى جانبه وضد مصالح الشركات التي دفعت له الملايين على مرّ السنين. حين حاول تيد كروز، في مناظرة أخيرة، أن يتّهم ترامب بأنّه موّل مرشحين "ليبراليين"، أشار اليه وقال: لقد موّلتك أنت!
ولكنّ الموضوع ليس مزحة (الرئاسة ليست مزحة، يقول مات طيبي، ولكن السباق الرئاسي مهزلة، وهنا لبّ الموضوع). فترامب يتوعّد ــ عن وعيٍ أو سذاجة ــ بسياساتٍ تعني، فعلياً، النكوص عن مبادئ التجارة الحرة وتهديد كل الأسس التي تقوم عليها الرأسمالية الأميركية. بعد "الثلاثاء الكبير"، صار واضحاً أنّ ترامب هو، بالفعل، المرشّح الأوفر حظاً في المعسكر الجمهوري، ولم تعد "رئاسة ترامب" فكرةً خيالية كما في السابق. لهذا السبب تجتمع صحافة الجمهوريين والديمقراطيين ــ بفزعٍ ــ ضدّ ترامب هذه الأيام، ويدعو يمينيون ومحافظون جدد ــ كماكس بوت ــ الى دعم هيلاري كلينتون في وجهه، وتتمّ علناً مناقشة تكتيكات "إيقاف ترامب" في أوساط الحزب الجمهوري.
في كلّ الأحوال، وكيفما اتّجه السباق، فإنّ هناك "قواعد" أساسية تحكم طبيعة الأشياء: بديمقراطية أو بلا ديمقراطية، لم يحصل من قبل أن أفرزت امبراطورية، من لدنها، قائداً يعمل على تفكيكها وضرب أسسها (يقال إن اخناتون جرّب شيئاً مماثلاً وقد قُتل)، ومن المستبعد جداً أن يكون دونالد ترامب، الذي قضى آخر مناظرة له وهو يتفاخر بحجم يديه (وأمور أخرى من غير اللائق ذكرها هنا)، هو الاستثناء الذي يكسر قواعد التاريخ.